ثمّة شيء غريب يحدث كلّما وصل الخراب إلى الجنوب، وكأنّ الحرب لا تكتفي بأن تقتل من يعيش هناك، بل تريد أن تعيد تعريف المكان نفسه. تُهدِم البيوت، تُقتلع الأشجار، تُفرَّغ القرى، يتشتت أهلها، ثم يأتي الكلام عن إعادة الإعمار، عن الطرق الجديدة، عن الحدود، عن الأمن، عن الخرائط. وحده السؤال عن الناس يتأخر. كأن الجنوب يمكن أن يعود من دون أهله، وكأن المكان أهم من الذين صنعوا ذاكرته.
ربما لهذا عادت إليّ “باب الشمس” لإلياس خوري. ليست الرواية مجرّد حكاية عن النكبة الفلسطينية، ولا مجرد سجل أدبي للقرى التي سقطت عام 1948. خوري بنى روايته من أصوات اللاجئين وحكاياتهم وذاكرتهم، وجمع بين الوقائع التاريخية والحكاية الروائية، حتى صار المكان فيها شخصية كاملة، لا خلفية للأحداث. في الرواية هذه لا يموت المكان حين يُحتل. المشكلة تبدأ بعد ذلك. ماذا يحدث حين يبقى المكان في رأس أهله بينما يعيشون هم خارجه؟ ماذا تفعل قرية بإنسان لم يعد يستطيع الوصول إليها إلا بالحكاية؟ وماذا يحدث حين يصبح الطريق إلى البيت أطول من عمر صاحبه؟
هذه هي النقطة التي تجعل الرواية تتجاوز فلسطين من دون أن تفقد فلسطينيتها. لأنّ الجنوب، في أكثر من مكان عربي يبدو وكأنه يعيش النسخة نفسها من الحكاية مع اختلاف الذرائع. جنوب فلسطين الذي أصبح فيه اقتلاع الإنسان جزء من مشروع السيطرة على الأرض. جنوب لبنان الذي عرف الاحتلال والحرب والقصف والتهجير، ثم بقي سكانه في مواجهة سؤال لليوم حاضر: كيف تعيش في أرض تقع دائماً على خط النار؟ وكذلك الجنوب السوري الذي وجد نفسه في السنوات الأخيرة أمامَ العنف والاحتلال والتهجير والخوف، في منطقة يُطلب من أهلها أن يتحملوا كلفة الجغرافيا التي ولدوا فيها.
المشكلة ليست بأنّ الجنوب فقير أو بعيد أو حدودي. المشكلة أن كونه جنوباً يجعله في كثير من اللحظات، أول مكان يُطلب منه أن يدفع ثمن الصراعات التي تُدار في أماكن أخرى. وهنا نفكر: هل يُراد للجنوب أن يبقى مأهولًا، أم يُراد له فقط أن يبقى صالحاً للسيطرة؟ قد يبدو السؤال مبالغاً فيه إذا نظرنا إلى كلّ حالة منفردة. لكن حين تتكرر الصورة يصبح من الصعب التعامل معها بوصفها مصادفات. مكان ما يُقصف ثم يُفرَّغ. سكان يُهجَّرون ثم تبدأ معركة أخرى على الأرض. قرية تُمحى ثم تُعاد تسمية المنطقة. ذاكرة تُقتل ثم تُبنى فوقها ذاكرة جديدة. وفي النهاية يصبح الضحية هو الشخص الوحيد الذي يُطلب منه أن يثبت أنه كان موجوداً أصلاً. وهذا بالضبط ما فهمهُ غسان كنفاني مبكراً. في كتاباته لم تكن فلسطين قطعة أرض ضائعة تبحث عن أصحابها، بل كانت علاقة مكسورة بين الإنسان ومكانه. في “أرض البرتقال الحزين” و”عائد إلى حيفا” و”رجال في الشمس” تظهر النكبة لا كحدث انتهى في سنة معينة، بل كشيء يستمر داخل الإنسان بعد أن يخرج من أرضه. ولم يكن كنفاني يكتب عن الأرض باعتبارها عقاراً بل بكونها جزءاً من تعريف الإنسان لنفسه.
ولهذا يُمكن أن تُبنى البيوت من جديد، أن تُفتح الطرق، أن تُصلح المدارس والمستشفيات وشبكات المياه، أن يصل المال وأن تظهر صور الورش والرافعات والإسمنت. لكن ماذا عن الذين لم يعودوا؟ ماذا عن الذين أصبح بيتهم صورة على هاتف؟ ماذا عن الطفل الذي غادر قريته صغيراً، ثم عاد ليجد أنّ المكان الذي كان يعرفه لم يعد يعرفه؟ وماذا عن الذين ماتوا وهم يحملون أسماء قرى لم يعد أحد ينطق بها؟
هنا تصبح إعادة الإعمار أخطر من الدمار نفسه إذا اختُزلت في الإسمنت لأن الإعمار الحقيقي لا يعني أن نعيد الحجارة فقط. يعني أن نعيد الحق في المكان، والذاكرة، والقدرة على العودة، وأن لا يتحول الخراب إلى فرصة لإعادة هندسة المجتمع الذي كان يعيش فيه.
في “باب الشمس” حدث شيء نادر جداً حيث خرجت الرواية من الورق إلى الأرض في عام 2013، بنى ناشطون فلسطينيون قرية احتجاجية قرب القدس وأطلقوا عليها اسم “باب الشمس” مستوحين الاسم من الرواية، قبل أن تهدمها السلطات الإسرائيلية بعد أيام. خوري نفسه رأى في التجربة لحظة تحول فيها النص الأدبي إلى فعل في الواقع. المشهد مهم لأنه يقلب المعادلة. فإذا كان الاحتلال يستطيع هدم قرية، يستطيع بالتالي الناس أن يعيدوا بناء اسمها. وإذا كان يستطيع محو بيت، يمكن أن تعود الحكاية لتضع البيت في مكانه. هنا لا يعود الأدب ترفًا فوق الخراب، بل يصبح إحدى طرق مقاومته.
لهذا، ربما علينا أن نقرأ الجنوب لا كحد جغرافي، إنما كاختبار أخلاقي للدولة والمجتمع والذاكرة. ماذا نفعل عندما يكون المكان الذي يسقط أولًا هو نفسه المكان الذي نطالب أهله دائماً بالصبر؟ لماذا تكون حياة ابن العاصمة أكثر قابلية للحماية من حياة ابن القرية الحدودية؟ ولماذا يبدو موت الجنوبي وكأنه جزء متوقع من طبيعة المنطقة، بينما يُعامل موت غيره باعتباره حدثاً يستوجب تفسيراً؟
الجنوب ليس قدراً جغرافياً. لذا، لا ينبغي أن يصبح قدراً سياسياً.. وإذا كان هناك شيء تقوله لنا “باب الشمس” بعد كل هذه السنوات، فهو أن أخطر ما يحدث للقرية ليس أن تُهدم، بل أن يُقنع العالم بأنها تستطيع أن تُهدم من دون أن يُهدم شيء معها. القرية ليست جدران، إنها أسماء، قبور، لهجات، صور، طرق مشي، أشجار يعرف أصحابها أسماءها وحكايات تتوارثها العائلات حتى عندما لا يبقى من المكان سوى شظية في الذاكرة.
لذلك، حين ننظر اليوم إلى الجنوب الفلسطيني واللبناني والسوري، لا ينبغي أن نسأل فقط: من يقصف؟ ومن يحتل؟ ومن ينسحب؟ السؤال الذي يذهب أبعد من ذلك هو: من سيبقى حين تنتهي الحرب؟ فالحرب قد تنتهي، لكن هندسة المكان تبدأ بعدها. وقد يُعاد بناء الجنوب فعلًا. قد تصبح البيوت أجمل، والشوارع أوسع، والواجهات أنظف. لكن إذا لم يعد أهل المكان، وإذا لم تعد ذاكرتهم وحقهم في روايته، فنحن لم نعد بناء الجنوب. نحن بنينا شيئًا آخر فوقه.
وهنا يصبح الأزرق الذي يبتلع الجنوب أكثرُ من لون للبحر… هو لون المسافة بين الإنسان وبيته. هو لونُ الخريطة حين تتحول الحدود إلى قدر. هو لون السماء التي يراها أهل الجنوب كل مرة قبل أن يسقط شيء. الأزرق لا يأكل الجنوب لأنه بعيد عنه. يأكله لأن الجنوب منذ عقود يُعامل كأنه المكان الذي يمكن أن يخسر كل شيء، ثم يُطلب منه أن يبدأ من الصفر. لكن الجنوب لا يبدأ من الصفر…هناك دائماً أحد يتذكر… وهذه ربما، هي المشكلة التي لم تستطع كل الجرافات أن تحلها.
- المدن






















