لا تكتفي إسرائيل من توجيه رسائل لكل من دمشق وأنقرة على الساحة السورية، إذ في أعقاب مجاهرة المسؤولين الإسرائيليين بأن قصف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، شمال غربي سورية، القريب من الحدود التركية، الثلاثاء الماضي، هو رسالة إلى أنقرة، حملت تسريبات لوسائل إعلام إسرائيلية، أمس الخميس، تهديدات من مسؤولين أمنيين إسرائيليين بمهاجمة سورية مجدداً إذا “لم تفهم الأخيرة الرسائل الإسرائيلية من القصف الأخير”. ونقلت القناة 12 الإسرائيلية عن هؤلاء المسؤولين قولهم إن إسرائيل وضعت حدوداً “واضحة” لكلٍ من دمشق وأنقرة في ضرباتها على مطار أبو الظهور.
وتفتح الضربات الإسرائيلية على المطار الخارج عن الخدمة منذ أكثر من عشرة أعوام، والتي زعمت تل أبيب أن سورية كانت على وشك السماح لقوات تركية بالانتشار فيه، وما تبعها من تصعيد المسؤولين الإسرائيليين تصريحاتهم ضد أنقرة وحديثهم عن عدم السماح بأي وجود عسكري تركي في سورية، أسئلة حول حدود المواجهة لكل من أنقرة ودمشق، اللتين تشددان على عدم الانجرار إلى التصعيد. فقد نفت تركيا، أمس الخميس، أي حضور عسكري لها في المطار، مشددة على استمرار التعاون مع الحكومة السورية عسكرياً، فيما تبدو الخيارات أمام سورية محدودة، إذ نقل موقع أكسيوس الأميركي، مساء أول من أمس الأربعاء، عن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني تأكيده لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن هدف سورية الأساسي هو إيصال الموقف والمخاوف ومنع التصعيد. ووسط هذه التطورات، يبرز الموقف الأميركي المنفتح على دمشق، إلى جانب العلاقات المتطورة بين أنقرة وواشنطن، إذ سبق أن حمّل توم برّاك، المبعوث الأميركي إلى سورية والعراق وسفير واشنطن في أنقرة، إسرائيل المسؤولية عن الهجوم على المطار. كما اعتبر برّاك الضربات “تصعيداً غير ضروري” من شأنه عرقلة جهود إرساء الاستقرار.
مصلحة أنقرة في عدم التصعيد
ورغم أن الردود التركية لا تزال ضمن إطار الأعراف الدبلوماسية، يتوقع أن تكون هناك ردود تصعيدية من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لاحقاً، علماً أن السجال السياسي والتصعيد المتبادل مستمران بين الطرفين منذ أشهر، إلا أن الأنظار تبقى موجهة إلى الميدان، في ظل مواقف إسرائيلية تبدو متشددة حالياً وإصرار تركي على مواصلة التعاون مع دمشق عسكرياً. وإن حملت التصريحات التركية تشديداً على عدم الانجرار إلى التصعيد، كان أردوغان قد رسم في كلمة قبل أكثر من شهرين حدود المواجهة مع إسرائيل، قائلاً أن أمن أنقرة يبدأ من حلب ودمشق وبيروت، فيما شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أكثر من مرة على أن إسرائيل بحاجة إلى عدو للاستمرار بالحياة وترى في تركيا العدو المستقبلي. لكن مصلحة أنقرة تصب في الاستقرار وعدم التصعيد، وتعمل في سبيل ذلك على تشكيل التحالفات، حيث تحضر عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتوقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع باكستان والسعودية، نهاية الشهر الماضي، في ظل سعي لضم دول أخرى إلى الاتفاقية.
رغم ذلك، تظهر التطورات الجارية حدوداً للمواجهة الإسرائيلية مع تركيا، بعد التحفظات على أدوار للقوات التركية في قطاع غزة، فيما تبدو الساحة السورية كأنها الحدود المباشرة للمواجهة. يأتي ذلك خصوصاً بعدما أبقت إسرائيل سورية، بعد سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024، من دون دفاعات جوية. ومن بين سلسلة الضربات الإسرائيلية منذ ذلك الحين، استهدف الاحتلال قاعدة تي فور الجوية بمحافظة حمص في وسط سورية، في إبريل/ نيسان 2025، وسط حديث عن قصف مستلزمات عسكرية مقدمة من تركيا ورادارات دفاع جوي. يترافق ذلك مع سباق تسلح كبير من جانب تركيا، التي تركز على الصناعات الدفاعية، فيما سبق ودعا نتنياهو الولايات المتحدة لعدم بيع تركيا مقاتلات أف-35 للمحافظة على التفوق الجوي الإسرائيلي في المنطقة.
وفي هذا السياق، رأت الأكاديمية مروة سونا أوزال أوزجان، عضو الهيئة التدريسية في قسم العلاقات الدولية بجامعة “قرق قلعة” (تركيا)، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “رد أنقرة بالغ الأهمية، إذ دانت وزارة الخارجية بشدة الهجوم”. وأشارت أيضاً إلى أهمية أن “تعتبر الولايات المتحدة الهجوم تصعيداً للتوترات، إلى جانب توافق سياسة إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب الجديدة تجاه سورية بشكل متزايد مع أهداف أنقرة الأساسية”. وفي رأيها، “لا يقتصر الردع دائماً على استخدام القوة بشكل مباشر، بل يتخطاه إلى إظهار القدرة على استخدامها عند الضرورة”.
مروة سونا أوزال أوزجان: في حال تحركت إسرائيل في اتجاه يهدد أمن تركيا، فقد تفعّل أنقرة المادة الرابعة من معاهدة “الناتو”
ولفتت إلى أنه “في حال تحركت إسرائيل في اتجاه يهدد أمن تركيا بشكل مباشر، فقد تفعّل أنقرة المادة الرابعة (من معاهدة الناتو، وتتعلق بطلب التشاور الطارئ مع بقية الحلفاء)، ما يدفع الحلفاء إلى اتخاذ مواقف سياسية وتعزيز التدابير الدفاعية على الجناح الجنوبي الشرقي لحلف الناتو”. وشددت على أنه “إضافة إلى الناتو يجب دراسة دور تركيا باعتبارها قوة استقرار في المنطقة، فضلاً عن التوازن الإقليمي الجديد والبنية الأمنية التي تشكلت مع باكستان والسعودية بموجب اتفاقية مكة، دراسة متأنية”.
أما بخصوص حدود المواجهة على الساحة السورية، فقال عضو مجلس الشعب السوري عن حلب طارق سلو جاوزجي، لـ”العربي الجديد”، إن “تصاعد التصريحات الإسرائيلية المعادية لتركيا في الآونة الأخيرة، ولا سيما في ما يتعلق بالساحة السورية، يعود في الأساس إلى سببين رئيسيين: الأول هو عدم رغبة إسرائيل في قيام إدارة سورية مستقرة وقوية، والثاني هو انزعاجها من الوجود العسكري والسياسي التركي في سورية”. ورجّح أن تستمر حالة التنافس والتوتر بين تركيا وإسرائيل في الساحة السورية خلال المرحلة المقبلة، إلا أن ذلك “لا يعني بالضرورة انزلاق الطرفين إلى مواجهة عسكرية مباشرة، فكلا البلدين يدركان حجم المخاطر المترتبة على أي صدام مفتوح”. وفي رأيه، “ستبقى المنافسة في إطار إدارة النفوذ وتوازنات الردع أكثر من كونها مواجهة عسكرية شاملة”.
وأشار إلى أن “تركيا تؤكد أن وجودها في سورية يرتبط بأمنها القومي، وبمكافحة التنظيمات الإرهابية، ودعم استقرار سورية ووحدة أراضيها، وفي الوقت نفسه لا ترغب الدولة السورية في أن تتحول إلى ساحة صراع أو إلى مناطق نفوذ تتقاسمها الدول الأخرى، بل تسعى إلى بسط سيادتها”. ويمكن لتركيا، وفق النائب طارق سلو جاوزجي، مساعدة سورية في إعادة البناء، معتبراً أن “إبرام اتفاقية تعاون ودفاع استراتيجي من شأنه أن يعزز القدرات الدفاعية السورية، وأن يشكل عامل ردع يحد من أي انتهاكات أو عمليات عسكرية تستهدف الأراضي السورية”.
من جانبه، استبعد الصحافي التركي إسماعيل جوكتان، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن يسمح النظام السياسي الدولي الحالي بحصول التصادم التركي الإسرائيلي. ورأى أنه “مع سقوط نظام الأسد الذي لطالما كان يشكل جداراً بين تركيا وإسرائيل، بدأت الحكومة الإجرامية في تل أبيب تشعر أكثر بقدوم (نفوذ) تركيا إلى المنطقة”، معتبراً أن التصريحات التي تأتي من إسرائيل “تهدف إلى نوع من الردع تجاه أنقرة”. وأوضح أن “تركيا تملك تقريباً كل المستلزمات العسكرية من أجل الدفاع عن نفسها أمام أي تهديد إقليمي أو دولي، بما في ذلك من إسرائيل، وتواصل تطوير قدراتها العسكرية”.
سورية أمام معضلة
في هذا السياق، رأى الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية خالد خليل، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن سورية في ظل الانتهاكات الإسرائيلية “تقف أمام معضلة أمنية مركبة ومتعددة الوجوه، أمنياً وعسكرياً واقتصادياً وسياسياً وحتى مصيرياً”. ووفق خليل، “دخلت سورية بناء على ذلك مسار المفاوضات مع إسرائيل بمقاربات تتسم بالواقعية السياسية والوضوح، وخطوط حمراء واضحة، هي الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر/ كانون الأول عام 2024، بالعودة إلى اتفاق فض الاشتباك للعام 1974، الذي يمثل الإطار القانوني والدولي الذي يربط سورية وإسرائيل”. وأشار خليل إلى أن ذلك دفع سورية إلى تفعيل أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي والقانوني، مشدداً بالمقابل على أن “إسرائيل تعتمد المقاربات المتشنجة والعسكرية، وتلغي جميع الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية وغيرها، في تعارض حتى مع الرؤى الأميركية الإقليمية للمنطقة، وأيضاً مع الإجماع الإقليمي”.
أيمن عبد النور: لا تقتصر التحركات الاسرائيلية الأخيرة على محاولة احتواء القدرات العسكرية السورية
ولا تقتصر التحركات الاسرائيلية الأخيرة وقصف مطار أبو الظهور على محاولة احتواء القدرات العسكرية السورية فقط، وفق السياسي السوري المقيم في الولايات المتحدة أيمن عبد النور، الذي قال لـ”العربي الجديد”، إن إسرائيل لا تشعر بأنها في مأمن، خصوصاً في ما يتعلق بسلاح الجو، رغم كون الطائرات السورية قديمة ولا تملك أي تكنولوجيا، وأشار إلى علاقة التصعيد بالانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، والتي يريد نتنياهو قبلها تصدير مقولة أن حكومته تحافظ على أمن الإسرائيليين. وفي رأي عبد النور، “لا يمكن أن تنفذ إسرائيل الضربة (على المطار) من دون موافقة أميركية”. واعتبر أن المطلوب من الحكومة السورية تعزيز الوضع السوري من خلال نسج علاقات مع الدول الصديقة وعلى رأسها الولايات المتحدة، وتعزيز الاقتصاد.
وبالعودة إلى الواقع السوري قبل سقوط نظام الأسد، قال الخبير السياسي السوري محمود الحمزة، لـ”العربي الجديد”، إن الوضع الإسرائيلي أو العلاقات السورية مع الاحتلال الإسرائيلي حساسة، وتحتاج إلى الحكمة. وأوضح أن “القيادة السورية إلى الآن سياستها حكيمة وصحيحة، لأنها لا تريد استفزاز إسرائيل من جهة، وتصدر بيانات تعبر عن موقف سياسي واضح وصريح”. وبالنسبة لروسيا ودورها في ضبط التوازن بين سورية وإسرائيل، اعتبر الحمزة أن الانفتاح بين الإدارة الجديدة في سورية وموسكو كان إيجابياً، لأن روسيا لا غنى عنها، بوصفها دولة كبرى ووجودها في المنطقة يحافظ على التوازن الاستراتيجي الجيوسياسي مع الغرب في المنطقة والشرق الأوسط وسورية. وفي تقديره، “قد تلعب روسيا دوراً في العلاقات السورية مع إسرائيل، فهي قد تنشر دوريات عسكرية في الجنوب (السوري)، بما لها من علاقات صريحة وقوية مع إسرائيل”.
- العربي الجديد





















