ملخص
المدينة التي تعرف مثل هذه الممارسات الثقافية والاجتماعية المتمثلة في حضور الآخر في الفضاء اليومي العام وحضور بائعي الأزهار والكتب المستعملة وأغذية الحيوانات الأليفة هي مدينة متحضرة، وكلما تكرست هذه المؤشرات وتعددت وتعمقت في الواقع أصبح المواطن في مثل هذه المدينة يحترم حقوق المرأة ويقدرها ويدافع عن استقلاليتها، ويحترم ثقافة الاختلاف ويدافع عنها، ويحترم المواطنة ويمارسها، ويعي مفهوم الحرية الفردية والجماعية والديمقراطية ويكرسها.
ما هي العلامات والمؤشرات التي تدل على أنك في مدينة متحضرة؟ مدينة بامتداد في الماضي ثقافياً وتاريخياً وبوجود في الحاضر بحس المواطنة وبرؤية للمستقبل في ظل احترام العيش المشترك مع الآخر وتقاسم الخير والألم معه.
إن المدن المتحضرة ليست تلك التي تنبت بها ناطحات سحاب كثيرة وليست تلك التي توجد بها أكبر مراكز التسوق بكل السلع الوافدة من أركان العالم كله، وليست تلك التي بها شرطة وحركة سير منظم وبها مطارات كبرى تقلع منها عشرات الطائرات في كل دقيقة وتحط بها مثلها، ومع أن كل هذه الأمور مهمة للحياة في مدينة معاصرة لكنها ليست مؤشراً على حضارية هذه المدينة أو تلك، فالتقنية والمادية ليستا علامة حاسمة من علامات التحضر.
المدينة المتحضرة عالم آخر.
هناك مداخل سوسيو-بشرية وأخرى سوسيو-ثقافية هي التي تمثل المؤشرات على تحضر مدينة ما، وقد تبدو هذه المؤشرات غير ضاغطة ولا حاسمة في باب الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا، لكننا حين ندقق النظر فيها سنجد أنها هي بالفعل “الترمومتر” الحقيقي والأقرب إلى تحديد التحضر المديني من غيره.
وأرى أن المدينة التي تبدو فيها المؤشرات الأربعة التي سأذكرها هي المدينة التي يمكن تصنيفها في باب المدن المتحضرة والقابلة للعيش بالنسبة إلى مواطنيها والوافدين إليها.
العامل السوسيو-بشري: حضور الآخر الأجنبي في الفضاء العام
حين تدخل مدينة وتريد أن تعرف مدى تحضر أهلها، عليك أن تراقب وتقيس نسبة ومستوى حضور الآخر الأجنبي فيها، فالمدينة التي يزورها الأجانب (الآخر) من كل جهات العالم أو يقيمون فيها، حتى تصبح جزءاً من مخيالهم، لا من باب الاستهلاك لكن من باب الرغبة والمحبة والانتماء، هي مدينة معافاة حضارياً، فالمدن بأجانبها (بالآخر) كما هي بمواطنيها، وكلما كانت فلسفة الضيافة وفلسفة الإقامة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية قائمة ومعتبرة في المدينة، فاعلم بأن هذه المدينة هي فضاء إنساني إيجابي قابل للتطور والتقدم، فحضور الأجنبي في يوميات المدينة، ذلك الآخر المختلف لغة وعادات وعقيدة يدل على أن هذه المدينة فضاء قابل للضيافة والتجارة والحوار ومتحرر من ثقافة الكراهية.
إن الآخر الأجنبي حين يمشي في شوارع المدينة، فهو لا يحضر لاستعراض هويته لكن للاستماع والتمتع والتبادل مع خصوصية مواطني المدينة المختلفين عنه، ومواطنو المدينة تلك حين يستقبلون هذا الآخر في فضائهم المديني اليومي فهذا لا يعني أبداً الانبهار بهويته بل هي رسالة منهم إليه مفادها بأنهم يستقبلونه لتأمل وجوده المختلف والبحث عما يضيفه إليهم هذا المختلف من دون فقدان خصوصيتهم.
إن غياب الآخر الغريب عن شوارع المدينة وفنادقها ومطاعمها ومقاهيها وجامعاتها ومتاحفها ومسارحها ودور نشرها ومكتباتها يجعل مواطن هذه المدينة كمن يعيش مقابل مرآة لا يرى فيها سوى ذاته يومياً، وقد يصاب بمرض الرضا عن النفس وهوس الإعجاب بها الذي هو عبارة عن حال مرضية قريبة من ظاهرة الموت المعلن والمزمن، إننا لا نستطيع أن نعرف كثيراً عن أنفسنا إذا لم نعرف الآخر، فحضور الأجنبي- الآخر في فضائنا المديني اليومي هو مرآتنا الحقيقية التي نرى فيها ثقافتنا ووجوهنا وعقولنا وأخلاقنا ومشاعرنا ولغتنا وعقيدتنا وخصوصياتنا.
العامل السوسيو-ثقافي الثاني: بائع الأزهار
يعتبر بائع الأزهارLe fleuriste مؤشراً دالاً على حضارية المدينة، وقد يبدو هذا العامل مثيراً للاستغراب عند بعضهم، إلا أنني أعتقد بأن المدن المتحضرة تقاس بعدد بائعي الزهور فيها، بثقافة الاحتفاء بالجمال، فكلما ارتفع عدد المنتسبين إلى هذه المجموعة الاجتماعية الحرفية التجارية والفنية في المدينة وكان حضورها موزعاً في أحياء مختلفة، وكلما تعاظم عدد المقبلين على هذه “السلعة” الرهيفة من المواطنين، كانت المدينة وبهذا الحضور الرمزي للبائع والمشتري ذات حس مواطني وحضاري مميز، وقد يبدو هذا الحكم غريباً لبعضهم، لكننا حين نتأمل بعمق فلسفي مهنة بائع الزهور وعلاقته الاستثنائية مع المحيط البشري، سنكتشف ما تمثله هذه المهنة من مؤشر مؤثر في رقي أهل هذه المدينة. فرمزية الورود في الحياة اليومية تحيل على تصالح المواطنين مع ثقافة الحب والتسامح، ويظهر ذلك جلياً في الاحتفالات بعيد المرأة وعيد الأم وعيد “سان فلانتين” وغيرها، وحضور الورد هو حضور بيّن لثقافة الفرح إذ يحظى بمكانة خاصة في الأعراس والحفلات العائلية والعامة وهو حضور يمنح اللحظة طاقة إنسانية إيجابية عالية، ويظهر أيضاً كرمز للتعاطف والمواساة في حضوره خلال زيارات المرضى وعند زيارة القبور أيضاً، فإن ثقافة الأزهار ترتبط بثقافة الاحترام والتقدير.
المؤشر السوسيو-ثقافي الثالث: بائع الكتب المستعملة القديمة Le bouquiniste
تمثل هذه الفئة الاجتماعية قوة إيجابية نادرة في المدينة، القليل جداً من ينتبه إليها، فبيع الكتب المستعملة أو القديمة ليست تجارة عادية كسائر التجارات الأخرى، إذ إن المبادلة فيها لها بعد رمزي كبير في تلحيم ذاكرة المدينة بأجيالها المختلفة، أن تقرأ كتاباً اقتنيته من عند “البوكينيست” أي بائع الكتب المستعملة يختلف عن طقوس قراءة كتاب اقتنيته من مكتبة بيع عادية، فقراءة الكتب القديمة تفتح وبصورة سرية ومستترة وغير مفكر فيها الطريق إلى علاقة مع الجيل السابق، إنها قراءة مزدوجة السؤال، سؤال عن فحوى الكتاب الذي بين يديك وسؤال عن طبيعة صاحبه الذي قرأه من قبلك، واحد أو أكثر من واحد.
إن “البوكينيست” بما يقدمه من كتب بأعمار مختلفة وتشكيلات مختلطة ومع ما قد تحمله من مفاجآت كثيرة، هو صورة عن تطور القراءة وتنوع القراء في المدينة المستقرة، فبائع الكتب القديمة دليل على استقرار في يوميات المدينة وعلى تقدمها الهادئ، فالكتب المعروضة بما فيها من ممنوعات، أو كانت من الممنوعات خلال فترة زمنية أو سياسية معينة، تكشف لنا عن مسار تشكل العقل والذوق في المدينة من دون قطائع كثيرة، وتقدم لنا صورة عن مسار وتشكل النخب وصراعاتها وكوابيسها وأحلامها، وسقف الحرية وظلمة الأقبية.
المؤشر السوسيو-ثقافي الرابع: بائع أغذية الحيوانات الأليفة والرفيقة
إن مدينة تمارس فيها مثل هذه التجارة، حتى إن كانت تبدو تجارة في ظاهرها عادية، إلا أنها تحمل دلالات كثيرة على طبيعة درجة علاقة المواطن في هذه المدينة بالحيوانات بوصفها الشريك الأساس في الحياة (القطط والكلاب والطيور وسمك الأحواض والهامستر وغيرها)، ففي مدينة الجزائر مثلاً، وحتى مطلع الألفية الثالثة، أي حلول عام 2000، لم يكُن عدد بائعي أغذية الحيوانات الأليفة والرفيقة أكثر من عدد أصابع اليد الواحدة، وبعد أقل من 25 سنة أصبح عددهم يفوق المئات وربما الآلاف، ففي الحي الواحد تجد أكثر من محل لهذه التجارة، ونحن هنا لا نتحدث عن مسألة الربح والخسارة وما إلى ذلك، لكننا نحاول أن نفهم دلالة هذه الممارسة الثقافية الاجتماعية، فكلما كثرت وتعددت مثل هذه المحال ارتفع الوعي بضرورة احترام حقوق الحيوان، وارتفعت معه ثقافة الشعور بالرحمة وتهذيب الأخلاق وحسن المعاملة تجاه رفقائنا من هذه الكائنات الجميلة التي تشترك معنا في هذه الأرض.
إن رمزية بائع أغذية الحيوانات الأليفة والرفيقة، تلك التجارة التي تختلف عن تجارة العلف العادية، تكشف لنا عن جيل جديد بتفكير وسلوك مختلفين، وهي أيضاً دلالة على أن الأسرة لم تعُد هي وحدها الرفيق بل أصبحت الأسرة المعاصرة ترى في مفهوم الرفيق بعداً آخر يملأه الحيوان الأليف المرافق.
كما خاتمة: إن المدينة التي تعرف مثل هذه الممارسات الثقافية والاجتماعية المتمثلة في حضور الآخر في الفضاء اليومي العام وحضور بائع الأزهار و”البوكينيست” (بائع الكتب المستعملة) وبائع أغذية الحيوانات الأليفة الرفيقة هي مدينة متحضرة، وكلما تكرست هذه المؤشرات وتعددت وتعمقت في الواقع أصبح المواطن في مثل هذه المدينة يحترم حقوق المرأة ويقدرها ويدافع عن استقلاليتها، ويحترم ثقافة الاختلاف ويدافع عنها، ويحترم المواطنة ويمارسها، ويعي مفهوم الحرية الفردية والجماعية والديمقراطية ويكرسها.
- إندبندنت























