زيارة الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان للعاصمة السوريّة دمشق للصلاة في المسجد الأمويّ، موعد ضُرب منذ اللحظة الأولى لسقوط نظام بشّار الأسد ودخول أحمد الشرع فاتحاً إلى دمشق. وعلى بُعد أشهر قليلة من الذكرى الثانية لولادة سوريا الجديدة، تعود الزيارة الموعودة إلى الواجهة مجدّداً. وإذا كان قصف مطار “أبو الظهور” حمل رسالة إسرائيليّة واضحة إلى تركيا، فإنّ زيارة إردوغان لدمشق في هذه المرحلة قد تكون، في المقابل، قنبلة غير تقليديّة في وجه إسرائيل.
لم تكن زيارة إردوغان المرتقبة لدمشق وليدة الأسابيع الأخيرة. إذ كان يفترض أن تحصل الزيارة، بحسب معلومات “أساس”، في وقت أبكر، وتحديداً في بدايات التحوّل في سوريا، قبل أن تؤدّي مجموعة من الاعتبارات الأمنيّة والسياسيّة والإقليميّة إلى تأجيلها.
تكشف المعلومات أنّ خمسة أسباب وقفت خلف تأخير الزيارة، فيما دخل العامل الإسرائيليّ أخيراً بقوّة على حساباتها، ولا سيما بعد استهداف مطار “أبو الظهور”، التي تقرأها أنقرة رسالة استباقيّة مرتبطة مباشرة بمستوى الانخراط التركيّ المقبل في سوريا:
أوّلاً: المغامرة الأمنيّة
كان العامل الأمنيّ أوّل أسباب التأخير. فإردوغان كان يفترض أن يزور سوريا بعد سقوط بشّار الأسد وفراره إلى موسكو وتسلّم أحمد الشرع السلطة، لكنّ انتقال الرئيس التركيّ شخصيّاً إلى دمشق في تلك المرحلة كان يُنظر إليه في أنقرة على أنّه مغامرة أمنيّة، في ظلّ الظروف التي كانت تمرّ بها سوريا وعدم اكتمال البيئة اللازمة لزيارة بهذا المستوى.
ثانياً: تركيا لا تريد تصدّر المشهد
بحسب المعلومات، لم يكن إردوغان يريد أن تظهر تركيا وكأنها اللاعب الوحيد في سوريا أو أنّها تسيطر على المشهد الجديد. فمنذ البداية، حرصت أنقرة على أن يكون لدول أخرى دور في دعم سوريا، وألا تُختزل المرحلة الجديدة وكأنّها مشروع تركيّ. كان المطلوب ترك مساحة للحكومة الجديدة كي تظهر بوصفها حكومة سوريّة، بالتوازي مع بناء الحضور التركيّ تدريجاً.
بحسب المعلومات، لم يكن إردوغان يريد أن تظهر تركيا وكأنها اللاعب الوحيد في سوريا أو أنّها تسيطر على المشهد الجديد
ثالثاً: الحساب الإسرائيليّ
السبب الثالث مرتبط مباشرة بإسرائيل. فمنذ بداية التحوّل حتّى اليوم، تتحرّك تركيا، بحذر في خطواتها السوريّة، انطلاقاً من رغبتها في عدم استفزاز إسرائيل بطريقة ترفع مستوى العدوانيّة الإسرائيليّة نحو سوريا أو تجاه الوجود والمصالح التركية فيها. فالأتراك لا يريدون الوصول إلى مواجهة مبكرة مع إسرائيل.

بحسب المصادر، تتعامل أنقرة مع تصوّر إسرائيليّ يعتبر أنّ المواجهة مع تركيا في سوريا قد تصبح حتميّة في مرحلة ما. ومن هنا تأتي أهميّة عامل الوقت: فالحرب المبكرة ستكون تكلفتها أقل على إسرائيل، ولذلك لا تريد تركيا الانجرار إليها فيما لا تزال تعمل على تثبيت حضورها وبناء شكل انخراطها داخل سوريا.
رابعاً: إردوغان ينتظر “قسد”
هناك أيضاً عامل داخليّ سوريّ بالغ الأهميّة بالنسبة إلى أنقرة هو ملفّ قوات سوريا الديمقراطيّة “قسد”. لم يكن يريد الرئيس التركيّ، القيام بالزيارة قبل حسم ملفّ “قسد”، بما يسمح له باستثمار النتيجة كإشارة إلى دوره في تحقيق السلام بين الأكراد والسوريّين، وتوظيف هذا التطوّر أيضاً في الداخل التركيّ. ويولي هذا المّلفّ أهميّة كبيرة في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها سوريا.
خامساً: مستوى جديد من الانخراط
السبب الخامس يتّصل بمعنى الزيارة نفسها. ذهاب إردوغان إلى دمشق ليس زيارة بروتوكولية أو صورة سياسية بين رئيسين. فوصول الرئيس التركيّ إلى العاصمة السوريّة يعني الانتقال إلى مستوى جديد من الانخراط التركيّ في سوريا.
يأتي ذلك بعدما تطوّر التعاون بين أنقرة ودمشق إلى ملفّات الدفاع والأمن، إلى جانب التجارة والطاقة والنقل، فيما يتركّز التعاون العسكريّ المعلن حتّى الآن على التدريب وتبادل الخبرات.
لم تكن هذه البيئة مهيّأة سابقاً. ولذلك كان توقيت الزيارة جزءاً من حساب أوسع يتعلّق باللحظة التي تستطيع فيها تركيا الانتقال من مستوى إلى آخر في حضورها السوريّ. لهذا كانت الغارات الإسرائيليّة على “أبو الظهور”.
زيارة الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان للعاصمة السوريّة دمشق للصلاة في المسجد الأمويّ، موعد ضُرب منذ اللحظة الأولى لسقوط نظام الأسد
“أبو الظّهور”: رسالة قبل وصول إردوغان
كان واضحاً التقويم التركيّ للغارات الإسرائيليّة على مطار “أبو الظهور”: الضربة مرتبطة بشكل مباشر بإعلان تركيا زيارة إردوغان المرتقبة لسوريا. تقرأ أنقرة ما حصل على أنّه محاولة إسرائيليّة لرفع مستوى التوتّر قبل الزيارة، لأنّ إسرائيل تدرك أنّ وصول إردوغان إلى دمشق سيعني انتقال العلاقة التركيّة–السوريّة إلى مستوى أكبر من الانخراط، وهو ما لا تريده. لكنّ الرسالة الإسرائيليّة لا تعني بالضرورة إلغاء الزيارة.
تشير المعلومات إلى أنّ ضربة “أبو الظهور” دخلت في الحسابات التركيّة. وقد تؤدّي إلى تأخير الزيارة أو تعديل توقيتها، لكنّ المصدر لا يستبعد سيناريو معاكساً تماماً: أن تسرّع الضربة الإسرائيليّة زيارة إردوغان لدمشق بدلاً من تعطيلها.
حتّى الآن، لا يوجد موعد نهائيّ محدّد للزيارة، لأسباب أمنيّة وبسبب التطوّرات المرتبطة بإسرائيل. والتقدير الحاضر عند أنقرة أنّ الأمور تتّجه نحو اضطراب كبير مع إسرائيل، فيما لا تزال حدوده غير واضحة، مع خشية من أن يخرج في مرحلة ما عن السيطرة، خصوصاً في ظلّ المؤشّرات التي يعطيها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو.
قد تكون الرسالة التي أرادت إسرائيل أن تسبق إردوغان إلى دمشق من خلال استهداف أبو الظهور، هي نفسها التي تعجّل وصوله إليها. وهو وصولٌ طالما انتظره “عاشق دمشق”، الذي لم يُخفِ يوماً حبّه للعاصمة السوريّة وشوقه إلى الصلاة في الجامع الأمويّ.
- أساس ميديا






















