كان من المستغرب أن يتصل رئيس الموساد بوزير الخارجية السورية في 14 الجاري ليحذره من تنامي الوجود التركي في سوريا. ومن السذاجة وصف خطوة رئيس الموساد بالتسرع أو التهور، إذ لا شك أن الرجل أخذ بالاعتبار كل ما يمكن أن تثيره الخطوة من حساسيات بالنسبة للسلطة السورية الحالية. وقد يكون من المستهجن أيضاً الحديث عن حساسيات محتملة بالنسبة لسوريا، والمفاوضات المباشرة مع إسرائيل ومشاركة رئيس الموساد في بعض جولاتها تجري منذ فترة طويلة. لكن الموساد ورئيسه كان يشارك في جولات مفاوضات يرأسها سياسيون من الجانبين وتشارك المخابرات في عضويتها. وكانت المفاوضات قد توصلت مطلع السنة إلى إنشاء آلية اتصال مباشرة للتنسيق في القضايا الأمنية والاستخبارية بوساطة أميركية. وتجاوز رئيس الموساد هذه الآلية وحل مكان السياسي في الاتصال برئيس الدبلوماسية السورية للحديث عن التمدد التركي في سوريا. ويشاع أن الاتصال قد تكرر مرات خلال الأسبوع الذي سبق قصف مطار أبو الظهور.
في 17 الجاري جرى اتصال هاتفي بين أردوغان وترامب، وفي 18 منه قصفت إسرائيل المطار السوري بذريعة استخدامه من قبل تركيا للتوسع العسكري في سوريا. بالتأكيد، وحسب ما أعلنت أنقرة، لم يتطرق الاتصال إلى العلاقات التركية الإسرائيلية مباشرة، وتركز على الوضع في غزة والمنطقة، وناقش إمكانية أن تتوسط تركيا في الصراع الأميركي الإيراني وضرورة مواصلة الجهود الدبلوماسية. ووصف الجانب التركي الاتصال بالناجح والمهم دبلوماسياً، في حين لم يصدر عن الجانب الأميركي أي توصيف لجو الاتصال.
لا تخفي إسرائيل استياءها من الكلام الإيجابي الذي يغدقه ترامب على أردوغان “الشخصية القوية جداً والذي يدير بلداً ناجحاًً وجيداً”، كما قال أثناء قمة الناتو التي عقدت في تركيا الشهر المنصرم. وأضاف ترامب حينها بأنه لم يكن ليحضر القمة لو أنها لم تعقد في تركيا، وحضرها “احتراماًًً للرئيس أردوغان”.
منذ سقوط الأسد وتسلم الشرع مقاليد السلطة في سوريا، وإسرائيل تكرر التعبير عن قلقها ومخاوفها من تعزيز النفوذ التركي في سوريا. ومنذ ذلك الحين تعتبر إسرائيل أن تركيا المؤيدة لقضية غزة والتي تمتلك الجيش الثاني في الناتو بعد الولايات المتحدة، قد أصبحت على حدوها الشمالية وتمثل تهديداً جدياً لأمنها. ولا تقتصد في انتقاداتها، بل وتهجمها على ترامب، لدى قيامه بأي خطوة إيجابية حيال تركيا، وتعتبرها “خيانة” للتعهد الأميركي بالحفاظ على أمنها.
بعد تراجع ترامب عن “الغضب الملحمي” وتحوله إلى الحصار الاقتصادي لإيران و”غير المسبوق”، كالعادة، ارتفع منسوب خيبة الأمل الإسرائيلية منه وتصاعدت لهجة انتقاداته في الإعلام ولامست التجريح بشخصيته. فقد نقل موقع zahav الإسرائيلي الناطق بالروسية في 17 الجاري عن صحيفة معاريف نصاً بعنوان “ليس التخلي عن إسرائيل فقط: الوجه الحقيقي لدونالد ترامب”. وأرفقته بآخر ثانوي “سيتعين دفع ثمن ذلك لفترة طويلة: الرئيس الأميركي بنى صورة لسياسي قوي وحازم، لكن الواقع كشف أنه مختلف”.
استهل الكاتب إسحاق بريك، الجنرال الإسرائيلي المتقاعد، النص بالقول إن ترامب، وعلى مدى سنوات طويلة، عمل على ترسيخ صورته كسياسي قوي وحازم، ورجل أعمال ناجح، وقائد قادر على تغيير الظروف بما يخدم مصالح الولايات المتحدة والعالم الحر بأسره. لكن نظرة عميقة وموضوعية إلى سياسته الخارجية وسياسة الأمن التي انتهجها ترسم صورة أكثر قتامة بكثير: سلسلة من الخطوات الاستعراضية من دون استراتيجية طويلة الأمد، والتخلي عن تحالفات تاريخية، وإلحاق أضرار جسيمة بالأمن العالمي، والوصول إلى وضع تُرك فيه الحلفاء، وفي مقدمتهم دولة إسرائيل، بمفردهم في مواجهة أخطر التهديدات التي تواجه وجودهم.
يناقش الجنرال التناقض بين أقوال ترامب وما يتحقق في الواقع في عدد من الملفات. ويعتبر انسحاب ترامب من الصفقة النووية الإيرانية السابقة بمثابة الخطا الذي سيدفع ثمنه أكثر من جيل، لأن هذا الانسحاب قد أطلق يد إيران.
كما يرى أن الفجوة بين الواقع وخطاب “السلام في كل العالم” شاسعة لدرجة أن العالم يقف الآن على عتبة حرب عالمية.
ويرى أن إسرائيل قد تُركت لمصيرها: من صداقة تمتد لعقود إلى “سلعة للبيع”.
ويعتبر أن الفجوة بين الواقع وخطاب ترامب برزت في التراجع عن الحرب مع إيران، وتحول مضيق هرمز إلى قضية تفوق بأهميتها أمن إسرائيل.
وبشأن تركيا، يرى الجنرال أن تناقضاً واضحاً آخر يتجلى في سياسة ترامب بموقفه المتملّق تجاه نظام رجب طيب أردوغان في تركيا. في الوقت الذي كانت فيه أنقرة تعقد فعلياً تحالفات وتتخذ خطوات استراتيجية تتعارض بصورة مباشرة مع مصالح إسرائيل والغرب، بما في ذلك التعاون الإقليمي في مجالات مختلفة مع دول مثل مصر وباكستان و السعودية، كان ترامب يواصل تقديم الدعم لأردوغان.
في الحديث مباشرة عن القصف الإسرائيلي لمطار “أبو الظهور”، وعلى الرغم من نفي سوريا وتركيا لتأكيد إسرائيل بأن تركيا كانت تعد المطار لنشر قواتها العسكرية ووسائل الدفاع الجوي، يصر الإعلام الإسرائيلي على سردية حكومة نتنياهو للحدث. وتؤكد هذه السردية على أن إسرائيل رسمت بقصف “أبو الظهور” خطوطاً حمراء لتركيا في سوريا، وأن العملية كانت رسالة إلى أردوغان والشرع معاً، وأن تركيا تسعى إلى التمدد عسكرياً نحو الجنوب وإعادة بناء الدفاعات الجوية السورية بما يعرقل حرية الطيران العسكري الإسرائيلي في السماء السورية ووصوله إلى غرب إيران.
وكالة الأنباء الإسرائيلية cursor نقلت في 21 الجاري عن نص في صحيفة معاريف كتبه مراسلها العسكري آفي اشكينازي يدق فيه ناقوس الخطر إزاء التدهور الحاد في العلاقات بين إسرائيل وتركيا. ويقول المراسل أن التحالف الذي كان يبدو في الماضي راسخًا ولا يتزعزع، تحوّل اليوم إلى حرب باردة حقيقية. ورأى أن العلاقات بين إسرائيل وتركيا اليوم تشبه “الوقوع في حب العدو”.
يسترسل أشكينازي في الحديث عن طموحات تركيا في أن تصبح ليس دولة إقليمية كبرى فحسب، بل ودولة عالمية، مما يشكل تهديداً لأمن إسرائيل. ويحذر من أن الجيش التركي يمتلك الإمكانيات التي تسمح له في أقصر مدة ممكنة نقل الاليات والتقنيات الثقيلة، ويبدا من الصفر بإقامة قاعدة عسكرية جديدة في منطقة دمشق. وفي مواجهة هذه المخاطر، يحدّد الجانب الإسرائيلي بوضوح “خطوطه الحمراء”. فالجيش الإسرائيلي لن يتسامح مع نشر رادارات تركية أو منظومات للدفاع الجوي أو منصات لإطلاق آلاف الطائرات المسيّرة الهجومية على الأراضي السورية، بما من شأنه أن يهدد هضبة الجولان والجليل. ويصرّ الجيش الإسرائيلي على نزع السلاح من أجزاء واسعة من سوريا، بهدف الحفاظ على تفوقه الجوي، بما يتيح له حرية التصدي للتهديدات الآتية من دول مثل إيران والعراق.
موقع يديعوت أحرونوت اناطق بالروسية vesty نشر في 18 الجاري نصاً اوجز فيه ما جاء في مقالة للمحلل العسكري في الصحيفة رون بن إيشاي. اعتبر المحلل أن للضربة الليلية على شمال شرقي سوريا كان لها أهداف استراتيجية مماثلة لتلك التي سعت إليها الضربة التي استهدفت قاعدة T4الجوية في نيسان/أبريل من العام الماضي: تذكير أنقرة بمكان رسم إسرائيل “خطها الأحمر”، وإفهام أحمد الشرع بأنه لا ينبغي له أن يذهب بعيدًا جدًا. وبعد سقوط نظام الأسد، تحاول تركيا نشر منظومات دفاع جوي في سوريا قادرة على الحد من حرية عمل الطيران الإسرائيلي.
- المدن

























