لم أعرف، وعلى المستوى الشخصي، صورة لسوريا خارج أطر التصنيفات. العالم “الحر” يصنفها دولة راعية للإرهاب، بينما يصنفها النظام الأسدي وحلفاؤه دولة ممانعة ومقاومة. وبين التصنيفين، كنت أنا، كسوري، الخاسر الأكبر.
لم يكن مهماً، في النهاية، أي من التصنيفين كان يُرفع في وجهي، ففي الحالتين لم أكن أرى إنساناً طبيعياً ينتمي إلى بلد عادي، وإنما كمواطن يحمل معه، أينما ذهب، صورة سياسية جاهزة عن وطنه. إذ كان اسم سوريا يسبقه دائماً شيء آخر: إرهاب هنا، وممانعة هناك، وعقوبات وحروب وتحالفات وخصومات تتراكم فوق الاسم حتى تكاد تحجبه.
ربما لهذا يبدو خروج سوريا اليوم من واحدة من أقدم القوائم السياسية التي ارتبط بها اسمها حدثاً يتجاوز أثره القانوني والاقتصادي.
في 29 كانون الأول/ديسمبر 1979، وضعت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، في عهد حافظ الأسد، بسبب ما اعتبرته واشنطن دعماً لجماعات فلسطينية ولبنانية مسلحة واستضافة أو توفير ملاذ لجهات تصنفها إرهابية. ومنذ ذلك التاريخ بقي الاسم السوري على القائمة من دون انقطاع، حتى أصبحت سوريا صاحبة أطول مدة في هذا التصنيف بين الدول المدرجة عليه.
هذه القائمة لم تكن مجرد وصف سياسي. فالوجود فيها يعني قيوداً على المساعدات الأميركية، وحظراً على صادرات السلاح، ورقابةً ومنعاً على بعض الصادرات والمعاملات المالية، كما كان يرفع مستوى المخاطر أمام المؤسسات والشركات التي تفكر في التعامل مع سوريا.
وفي أيار/مايو 2004 أضيفت طبقة جديدة من العقوبات مع تنفيذ “قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية” وإجراءات أخرى بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية الأميركي.
لكن المفارقة أن العلاقات بين دمشق وواشنطن لم تكن طوال هذه العقود على درجة واحدة من العداء. كانت هناك فترات من التعاون والحوار، ولا سيما في التسعينيات، في حين ظل اسم سوريا على القائمة. أي أن التصنيف الذي بدأ كأداة في سياسة خارجية محددة أخذ مع الوقت يعيش حياة خاصة به، منفصلاً أحياناً عن طبيعة العلاقة السياسية في لحظتها.
ثم جاءت ثورة الكرامة عام 2011، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من العقوبات والعزلة. تراكمت الإجراءات الأميركية والأوروبية وغيرها، واستهدفت مؤسسات وشخصيات وقطاعات اقتصادية، وصولاً إلى “قانون قيصر” الذي دخل حيز التطبيق في 2020. وعندها وقع الاسم في شبكة واسعة من القيود والعقوبات وقواعد الامتثال والتحذيرات، جعلت التعامل مع سوريا أكثر صعوبة بكثير.
وهنا تكتسب كلمة “القوائم” معناها الأوسع. فمع مرور الوقت، صار اسم سوريا يظهر في أماكن مختلفة بوصفه اسماً ينبغي الحذر منه: في قوائم العقوبات، وأنظمة التدقيق المصرفي، وتحذيرات السفر، وقواعد بيانات المؤسسات والشركات. لم يعد الأمر يحتاج إلى أن يعرف شخص ما تفاصيل السياسة السورية أو تاريخ الشرق الأوسط، يكفي أحياناً أن يرى كلمة Syria في خانة ما حتى يبدأ السؤال: هل يمكن التعامل مع هذا الشخص أو الجمعية؟
في الجهة الأخرى، كان النظام الأسدي يبني صورة مضادة تماماً. فلم يكن يرى في العزلة الدولية دليلاً على فشل سياسته، وإنما جزء من شرعيته السياسية. الدولة المحاصرة والمعاقبة هي سوريا الممانعة، التي تقف في وجه الهيمنة الأميركية وإسرائيل.
وهكذا عاش السوري بين صورتين متناقضتين: صورة خارجية تقول إن بلده جزء من مشكلة الأمن والإرهاب في المنطقة، وصورة داخلية تقول إن عزلته دليل على صواب موقفه السياسي. ولم يكن بين الصورتين مكان كبير للسوري نفسه.
وهكذا عاش السوري بين صورتين متناقضتين: صورة خارجية تقول إن بلده جزء من مشكلة الأمن والإرهاب في المنطقة، وصورة داخلية تقول إن عزلته دليل على صواب موقفه السياسي. ولم يكن بين الصورتين مكان كبير للسوري نفسه.
كان يمكن أن تحمل جواز السفر الكحلي بنسره المذهب وتجد نفسك في مطار أوروبي مضطراً إلى شرح من أين أتيت، أو أمام موظف مصرف يسأل عن تحويل مالي، أو أمام مؤسسة تريد أن تعرف أن كانت قادرة على التعامل مع جهة سورية، أو أمام شخص أجنبي لا يعرف من سوريا إلا الحرب والإرهاب واللجوء. وفي المقابل، كان عليك داخل سوريا أن تتعامل مع صورة أخرى: أنت مواطن دولة تقف، كما يقال لك، في “المعسكر الصحيح”، وعليك أن تفخر بأن بلدك معزول لأنه رفض الخضوع.
بين الصورتين، ضاعت صورة ثالثة: سوريا بوصفها أرض وشعب، لا موقفاً سياسياً.
فالقرار الذي بدأ كإجراءٍ قانوني أو سياسي يمكن، تحول بعد عقود إلى سمعة. والسمعة لا تحتاج إلى أن يعرف الناس تفاصيل القانون الذي أنشأها. يكفي أن يعرفوا أن اسم سوريا موجود في قائمة ما. ولهذا لم يعد اسم سوريا يحيل فقط إلى دمشق وحلب والفرات والبحر المتوسط، ولا إلى تاريخ طويل من الحضارة والثقافة والفن. كانت هناك دائماً طبقة أخرى تسبقه: النظام، الإرهاب، الحرب، العقوبات، اللاجئون، الخطر.
قصة الخروج من القائمة، إذن، لا تبدأ اليوم. إنها تعود إلى اللحظة التي دخل فيها الاسم إليها قبل سبعة وأربعين عاماً. وبين الدخول والخروج تغيرت أشياء كثيرة: مات حافظ الأسد، وجاء بشار الأسد، اندلعت الثورة والحرب، انهار النظام، تبدلت التحالفات، وبدأت الولايات المتحدة نفسها في إعادة صياغة سياستها تجاه سوريا.
وفي 8 تموز/يوليو 2026، أبلغ الرئيس دونالد ترامب الكونغرس قراره إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، لتبدأ مهلة المراجعة القانونية البالغة 45 يوماً. ومع انقضاء هذه المهلة في 22 آب/أغسطس، يخرج الاسم السوري رسمياً من القائمة.
لا يعني ذلك أن كل القيود اختفت، ولا أن سوريا أصبحت فجأة بلداً عادياً في النظام المالي والسياسي الدولي. فالولايات المتحدة كانت قد أنهت في 2025 برنامج العقوبات الشاملة على سوريا، مع استمرار عقوبات محددة على بشار الأسد ومقربين منه، ومنتهكي حقوق الإنسان، وتجار الكبتاغون، وجهات مرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة وإيران ووكلائها.
لكن إزالة هذا التصنيف تظل لحظة ذات معنى خاص. فهي تزيل عنواناً ظل ملتصقاً باسم سوريا منذ 1979، وتفتح، ولو رمزياً، إمكانية أن يُنظر إليها خارج القوالب التي لازمتها لعقود.
وبعد كل هذا الوقت، ربما يكون السؤال الحقيقي أبسط من كل السياسة التي صنعت هذه القوائم: هل يمكن أن يصبح اسم سوريا اسماً فقط؟ وأن يستعيد السوري حقه في أن يُرى قبل أن يُصنَّف.
- تلفزيون سوريا
























