تأتي الثورة الليبية اليوم التي بدأت في السابع عشر من شهر شباط المنصرم انسجاماً مع الحراك العربي العام المطالب بالتغيير وإنهاء حالة الاستبداد والفساد التي تكاد تكون واحدة في كل أقطار العرب، خاصة بعد الطاقة المعنوية الكبيرة التي ضختها الثورتان العظيمتان، التونسية والمصرية، في عروق الأمة من محيطها إلى خليجها.
لقد بدأت هذه الثورة المناهضة لحكم القذافي سلمية كالثورتين التونسية والمصرية للتعبير عن حاجة الشعب الليبي للتغيير وبناء دولة مدنية ديمقراطية، وهي تدخل اليوم أسبوعها الثالث، إلا أن نظام القذافي الذي طالما أرهق المسامع بادعاءاته حول “حكم الشعب” لم يسمع ولم يفهم عندما ارتفع فعلاً صوت الشعب الليبي مطالباً بحقوقه. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، لتكشف المجريات على الساحة الميدانية أن نظام القذافي لم يتورع عن استخدام كل القذارات في وجه الشعب الليبي، فقام بتوزيع الأسلحة على الموالين له لبث الرعب والبلبلة بين المواطنين في محاولة يتعمد من خلالها خلط الأمور وإشاعة الفوضى حتى لا تتضح الصورة أمام وسائل الإعلام والمتابعين لما يحدث في ليبيا. ولم يتورع عن استخدام كل صنوف الأسلحة، المدافع والدبابات والطائرات والصواريخ، في وجه شعبه الأعزل، ولا يزال يمارس هيستيريا القتل رغم سقوط الآلاف بين قتيل وجريح، ومطلقاً في الشوارع أيدي أولاده وزعرانه كي يحوِّلوا ليبيا إلى “محرقة” حسب كلامه، وما يزال متمسكا بالسلطة، بدلاً من أن يرحل ويجنب ليبيا إراقة المزيد من الدماء.
على الجانب السياسي، لا يزال نظام القذافي يمارس خطابه الخشبي العفن في مواجهة شعبه والعالم، فتارة يخرج بإعلانه الكشف عن شبكة أجنبية مندسّة تسعى لضرب استقرار ليبيا والقيام بأعمال تخريب ونهب، وهو الذي يستعين بالمرتزقة ويدفع أموال ليبيا لهم ليقتلوا شعبها، وتارة أخرى يشير إلى تنظيم القاعدة والسكارى والمهلوسين، وهو الذي لم يترك وسيلة ولا طريقة للاستمرار في الحكم، بدءاً من اللعب مع التنظيمات الإرهابية بكل أشكالها ووصولاً إلى تذكير الغرب بأن استمراره ضروري لأمن إسرائيل في المنطقة، وتارة يعيد تكرار اسطوانته المشروخة حول الحكم الشعبي واللجان الشعبية، وهو الذي حوَّل وأبناؤه ليبيا إلى مزرعة لهم ينهبون ثرواتها ويسرقون أموالها ويحطِّمون مقدراتها النفطية للضغط على العالم والاستمرار في الحكم، ليظهر أن حكمه “الشعبي” ما هو إلا حكم فردي-عائلي مزاجي ويحتضن كل أمراض العنجهية والنرجسية.
هذا الإفراط في العنف المستخدم من القذافي وكتائبه الأمنية ومرتزقته ضد شعبه لا يستخدمه إلا من كانوا أعداء لليبيا وشعبها، ورغم ذلك امتلأ الشعب الليبي إصراراً عنيداً على زحزحته وإزاحته، وبدأت الكفة في ميادين ومحطات عديدة تميل لصالح الثوار مع سقوط عدد من المدن الكبرى بأيديهم، واستقالة مسؤولين ليبيين في الخارج يعملون بالسلك الدبلوماسي، فضلاً عن المكاسب السياسية الأخرى التي حققوها من خلال تشكيل المجلس الوطني الانتقالي وإبداء الشعب الليبي حرصه الشديد على دحض فكرة الحرب الأهلية التي يروج لها نظام القذافي، وهو ما يعني عدم قدرة النظام على تحقيق أي اختراق سياسي أمام صمود الشعب الليبي ووعيه وإدراكه لأهدافه ومصالحه.
الثورة الليبية صنعها أبناء ليبيا الأحرار، أحفاد عمر المختار، الذين عانوا لأكثر من أربعين عاماً من حكم رجل مستبد ومهووس. إنها ثورة شعب عظيم تستحق التمجيد والدعم، فقد جاءت ضد نظام أعاد ليبيا إلى الوراء، ودمر مقدراتها، وبدد ثرواتها، وخنق أحلام مواطنيها. لقد أوقف نظام القذافي المستبد والفاسد تقدم ليبيا وحجرّها في الزمن، وحوَّلها إلى بلاد مدمرة رغم غناها وثرواتها التي إحداها الثروة النفطية، فلا صحة ولا تعليماً ولا بنية تحتية، وشعبها فقير يعاني الأمرين من نظام قمعي متجبِّر سلطوي يفتقد إلى أبسط البنى المؤسساتية ويريد أن يمشي كل شيء في ليبيا على هواه المريض ووفق مزاجه وأحلام يقظته.
على المستوى العربي، يتكشف اليوم أكثر فأكثر عجز النظام العربي الرسمي عن القيام بدور فاعل إزاء الظلم والاستبداد اللذين يقعان على كاهل أي شعب عربي، هذا إذا لم تقم بعض السلطات بدور مساند للفساد والاستبداد في البلد العربي المنتفِض في وجه نظامه القمعي والمتجبِّر، وهذا ليس بغريب فجميع الأنظمة العربية تشترك في البنية والوظيفة والدور والوسائل والآليات المستخدمة، لكن كان المطلوب من هذه الأنظمة كي تستر عوراتها على الأقل أن تقف مع الشعب الليبي إنسانياً ومعنوياً، وتسحب اعترافها صراحة وعلانية بشرعية نظام القذافي، وتبادر لإقامة علاقات حقيقية مع المجلس الوطني الانتقالي، وألا تعرقل سعي المجتمع الدولي نحو إقامة حظر جوي على طيران القذافي وكتائبه الأمنية ومرتزقته.
أما المجتمع الدولي والأمم المتحدة فما زالا متقاعسين عن الدور المنوط بهما، وتأخذ اعتبارات المصالح وزنها الأكبر في اتخاذ المواقف الحاسمة، في الوقت الذي يتعرض فيه الشعب الليبي لإبادة جماعية على أيدي نظام لطالما حماه ورعاه ويسَّر له أموره هذا المجتمع الدولي.
يجب إزاء ذلك كله أن تنبري شعوب المنطقة وجميع الأحرار في العالم إلى دعم ومساندة الشعب الليبي على كافة المستويات، من خلال تقديم الدعم الإنساني والمادي والصحي، والاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي بوصفه الممثل الشرعي والوحيد للشعب الليبي، وسحب الاعتراف بنظام القذافي وزبانيته، وقيام مجلس الأمن بحظر طلعات طيرانه بما يعزِّز قدرة الثوار على تحقيق انتصارات ميدانية، واقتران ذلك برفض جميع أشكال التدخل الأجنبي العسكري المباشر في ليبيا، والتأكيد على ضمان وحدة التراب الليبي، وصولاً إلى محاصرة هذا النظام الفاسد دولياً وملاحقته من خلال القانون الدولي ومحاكمته على جرائم الحرب التي ارتكبها بحق الشعب الليبي الصامد.
تحية إلى الشعب الليبي الصامد في وجه الطغيان وحكم العوائل والأفراد.
تحية إلى الثوار الليبيين ضد الاستبداد والفساد، وإن قدرهم في المآل هو الانتصار، فالشعب أبقى وأخلد من كل ظلامه والعابثين بمقدراته وحياته.
القيادة المركزية للتجمع الوطني الديمقراطي دمشق في 15 / 3/ 2011




















