في 08 أغسطس، 2011، الساعة 10:31 مساءً
كتبت البارحة مقالاً بعنوان : كيف؟، ومتى ؟، وأين يتحقق شعار الشعب بإسقاط النظام، وأكّدت ما كنت كتبته قبل أشهر عن أقصر الطرق، وأنجع الحلول، واقلها تضحيات، ومخاطر، وزمناً : أن يقوم جيشنا، أو أصحاب القرار والشأن فيه بواجبهم المأمول بالانضمام إلى الشعب، ورفض الانجرار لما تدفع به الطغمة، العائلة، المافيا، جيشنا، وسمعته، وبلادنا إلى هاوية المخاطر، والاحتمالات المفتوحة على أشداق الحرب الأهلية، والتدخلات الخارجية، والمذابح الجماعية ؟؟ ..
ـ لم أكن أحلم، ولا أضرب بالرمل، ولا أطرح افتراضات نظرية، ولا أصول واقعية لها، لكن ، وقد دفع النظام البلاد إلى مجهول المجاهيل، فإن المنطق يقول أنه لا بدّ من وجود عقلاء، وحرصاء على البلد في هذا الجيش الذي كان يوماً فخر الوطنية، يفكرون بمخرج آمن عبر اشتلاع أسباب الأزمة : الطغمة .. ينسحب ذلك على أصحاب القرار في الجيش، وأعني بهم بكل الصراحة : كبار الضباط الذين ينتمون للطائفة العلوية والذين يمسكون بمفاصله الحيوية، الذين لا بدّ وأن ما آل إليه البلد من أزمة مرعبة بسبب السياسة الرعناء للطغمة يشغلهم، ويدفعهم للتفكير الجاد بمصيرهم، ومصير البلد، ومستقبل وجود وعلاقات مكوناته فيه، وباتجاه رفض سياسة السحق الأمني، والمجازر المتنقلة، واحتلال المدن بالدبابات وقصفها، وإطلاق لؤم الشبيحة والمعبّأين طائفياً ومليشياوياً للتفظيع بالمتظاهرين، ثم القيام بالمأمول منهم في إنهاء هذا الوضع الشاذ، وإفساح المجال لمرحلة انتقالية محددة لوضع أسس وبنيان ودستور الدولة المدنية الديمقراطية ..
****
كان بالذهن أكوام من القصص والحكايا التي رافقت عمرنا منذ انقلاب التفحيح الأسدي.. عن نيّة هنا، ومحاولة قريبة هناك، وكلمات سر، وساعات صفر، وأسماء ضباط، ووزراء العهد الجديد، والتي تعاملنا معها، ومن موقع المسؤولية، بالرفض والتشكيك، والتي لم يرَ النور أحدها، وكثيرها كان ممسّرحاً، وملغوماً.. الأمر الذي أدى بنا إلى شطبها من وارد الاحتمالات .. وصولاً إلى مجزرة حماة المفصل والمنعطف 1982 حين خرست بعدها كل الحكايا والروايات، وحين نام الجميع على شوك التأبيد الذي لا تسمع فيه سوى صوت الفحيح.. فالتوريث الغريب الذي فقأ عيون كل حكايا الخلاف، والتباين بين عظام الرقبة، ومافيا الحكم ..
لكن وحين اغتيل رفيق الحريري، وقامت ثورة الأرز بزخمها واتهامها المباشر للنظام السوري بالقتل، وخروجه المذل من لبنان.. وحين راحت تقارير المحقق ميليس تخترق الخطوط الحمراء، وتدخل المنطقة المحظورة للنظام باتهامه المباشر بالاعتيال، وسط ضغط دولي قاده الرئيس الفرنسي جاك شيراك..وبدا الوضع السوري : نظاماً، وعصباً، وربما مستقبلاً في مهبّ ريح العاصفة القوية، تململ كثير، وتحرّك عدد مهم من كبار الضباط والشخصيات السياسية المحسوبة على النظام بحثاً عن مخرج يتجه نحو التخلص من العائلة وحواشيها، وكان اللواء غازي كنعان، ضابط الأمن الذكي، والمسؤول لسنوات طويلة عن الملف اللبناني، والمرّحل إلى وزير داخلية، عنوانها، وربما أداتها للقيام بحركة انقلابية، أو خَلاصية.. فكان القتل وسيلة التخلص من المشروع برمته.. والذي قيل في خلفياته الكثير، وأهمها : وجود جهات خارجية(الولايات المتحدة ومن خلفها الصهيونية) ببيع تلك المعلومات للنظام مقابل مقايضات معهودة تحت طاولات المعهود.. فكان القتل الذي أخرج على شكل انتحار..
ـ وللدلالة على ذلك يذكر الرئيس شيراك في مذكراته المنشورة عن قرب سقوط النظام عام 2006، لكنه لا يشير إلى الأسباب التي حالت دون ذلك ..
***
ـ اليوم تفتح إقالة، أو قتل وزير الدفاع علي حبيب واستبداله بمسيحي لا يكش ولا ينش ولا يتش ولا يهش.. تفتح باب الاحتمالات، لأنها تأتي في وقت يستحيل فيه أن تكون طبيعية، ودون وجود خلافات من مستوى حاد، ناهيك عن احتمالات لحركة ما اكتشفت، أو أجهضت (خصوصاً إذا ما صدقت أنباء مقتله).. فهل كانت هناك محاولة واكتشفت ؟؟.. هل رفض وزير الدفاع هذا المصير الكالح الذي وُضع فيه الجيش؟؟، هل تصارع مع الشبيح الدموي ماهر؟، وأين موقع ودور الخبيث آصف شوكت؟؟..
ـ وعلى سيرة الانتحار.. فسجل نظام الطغمة يثير التفكّه لسذاجة بجاحة التلفيق، تماماً كسذاجة ودجل التلفيقات المسلسلة عن الثورة..
فحين أريد تحويل المسكين، الموظف برتبة رئيس وزراء محمود الزعبي.. إلى كبش فداء للفساد والموبقات..هددهم بكشف الملفات الثقيلة”، وإذ به يقرر ب”إرادته الحرة” وضع حدّ لحياته انتحاراً بالرصاص !!!!.. بينما يعرف الجميع كيف قتل، ومن الذي قتله، وكذا الحال بالنسبة للواء غازي كنعان الذي قتل في مكتبه من قبل آصف شوكت واثنين معه.. ثم قالوا أنه انتحر.. والأنكى أن أخاه وُجد ” منحراً” بعد أيام قرب سكة القطار في طرطوس، وكأن العائلة غاوية انتحار..
وإذا ما تمت تصفية العماد علي حبيب، ابن النظام، وأحد أعمدة عظام الرقبة، فالأكيد سيكون عاشق انتحار(كمن سبقه) وسيلفقون له قصة ظريفة من قصصهم المسلية، الغبية، اللئيمة .
**
نعم : الطبيعي أن يفكر المخلصون في الجيش، الحريصون على وحدة البلد، ونسيجه، وعلى مستقبل التعايش بين مكوناته.. بأفضل كيفية لوضع حد لسياسة الحقد المجنون، وانفلات خزين الكهوف من خلال إنهاء حكم الطغمة العائلية والمافيوزية، وأن يضعوا أيديهم على قلوبهم لما تجّره سياسة الحرب ضد الشعب والمدن، ونتائجها الخطيرة بعيدة المدى التي لا يمكن لكل ذرائع الفبركة أن تغسل آثارها، ناهيك عمّا يلوح من بوادر حركات دولية، وإقليمية باتجاه التدخل، وربما ما هو أفظع ما لم تقطع يد المجرم، ويعاقب على فعله الإجرامي الذي لا يمكن مطلقاً ابتلاعه، ولا هضمه، ولا تسويته، وفتح الطريق لمرحلة التعددية، ولبناء الدولة المدنية الديمقراطية.. ليكونوا بذلك عند حسن ظن شعبهم بهم، وبمستوى التحديات التي تواجه الوطن ..
كاتب وروائي ـ الجزائر




















