المستقبل – الخرطوم ـ صديق نورين
يسود "مثلث أبيي" الحدودي بين شمال السودان وجنوبه مزيج من الهدوء الحذر والقلق من انفلات الوضع الأمني عشية إعلان محكمة لاهاي قرارها حول تبعية المنطقة الغنية بالنفط يوم غد الأربعاء، على الرغم من تأكيدات الطرفين إلتزامهما التام بقرار المحكمة والعمل على تنفيذه.
وتوجه إلى المنطقة قيادات من جناحي السلطة، حزب "المؤتمر الوطني" و"الحركة الشعبية"، إلى جانب ممثل الأمم المتحدة أشرف قاضي ومبعوث الإدارة الأميركية سكوت غرايشن لضمان حفظ أمن المنطقة لحظة صدور القرار وسط توقعات بإمكانية حدوث اشتباكات بين قبيلة المسيرية العربية وقبيلة دينكا نجوك الجنوبية اللتين تتقاسمان المنطقة منذ قرون مما يمكن أن يتطور إلي اندلاع حرب بين الجيش السوداني و"الجيش الشعبي" .
وقد ناشدت واشنطن أمس الطرفين القبول بنتائج التحكيم، فيما لا تزال تصريحات مبعوث الأمم المتحدة في السودان التي اتهم فيها "الجيش الشعبي" بحشد قوات في مناطق في المنطقة تلقي بظلالها على الوضع، وهو ما نفته قيادة "الحركة الشعبية".
وكان قاضي بحث مع الطرفين أمس ترتيبات إعلان قرار التحكيم وتمسك بتصريحاته حول خروقات الجيش الشعبي التي استبق بها إعلان القرار غداً الأربعاء.
وكان جناحا السلطة في السودان، حزب "المؤتمر الوطني" برئاسة الرئيس عمر حسن البشير و"الحركة الشعبية" برئاسة النائب الأول سلفا كير ميارديت احتكما إلى لاهاي في مرافعات استمرت ثلاثة أشهر قدم فيها الطرف الأول 57 وثيقة تاريخية تؤكد تبعية المنطقة للشمال ولقبيلية المسيرية، وأن القبائل الجنوبية دخلت إلى المنطقة في العام 1770 من الهضبة الإثيوبية.
وحسب الوثائق، ففي العام 1905 أقدم الاحتلال الإنكليزي على ضم أبيي لولاية جنوب كردفان الحالية، في حين اتفقت الدول الإفريقية في العام 1961 علي إقرار الحدود التي رسمها الاستعمار الأوروبي لتفادي اندلاع حروب بينها.
من ناحية أخرى، اختتمت محادثات برعاية غرايشن بين الشريكين في حكومة الوحدة الوطنية بموجب اتفاق السلام الشامل الموقع في نيفاشا في العام 2005.
وقد توصل الطرفان إلى إتفاق إطاري لمعالجة القضايا العالقة بين الطرفين وعددها 12 قضية من ضمنها الصراع حول منطقة أبيي وقضية دارفور والتعداد السكاني وتقسيم الثروة وبروتوكول النيل الأزرق وجبال النوبة التي يطلق عليها مصطلح المناطق المهمشة والتحول الديموقراطي والانتخابات الرئاسية والعامة المزمع إجراؤها في نيسان (أبريل) 2010، وكذا قضية الاستفتاء في العام 2011 ومصير الوحدة بين شمال وجنوب البلاد.
ويعتبر اتفاق الطرفين على سحب إجراءات ما بعد الانفصال من قانون الاستفتاء أحد أهم نجاح المحادثات التي تمت برعاية أميركية.
وقد ناقش المبعوث غرايشن مع المسؤولين في الخرطوم، أيضاً، العلاقات السودانية الأميركية، مشيراً إلى حدوث تقدم في العلاقات بين واشنطن والخرطوم.
وأكد مستشار الرئيس السوداني غازي صلاح الدين عقب المحادثات التي جرت في قاعة الصداقة في الخرطوم أن الجانب السوداني تقدم باحتجاج على التصريحات التي أدلي بها الرئيس باراك أوباما أخيراً التي تحدث فيها عن إبادة جماعية في دارفور، معتبراً أن تلك التصريحات لا تخدم العلاقات الثنائية ولا قضية دارفور.
وتعتبر محادثات الخرطوم امتداداً لمحادثات واشنطن قبل نحو شهرين. وكان صلاح الدين أبدي حذره عقب تلك المحادثات إزاء ما ذكره رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور الديموقراطي جون كيري من أنه أبلغ الجانب السوداني بأن واشنطن تعمل على إلغاء العقوبات المفروضة على السودان، وكذلك رفع اسمه من قائمة الدول الداعمة للإرهاب.
وقال صلاح الدين "يصعب على الإجابة بنعم، لكن المؤكد أن السيناتور كيري عبّر عن تفهُّم كبير للأوضاع في السودان"، موضحاً "لم يبلغنا كيري بوعد صريح لرفع العقوبات، لكننا سمعنا منه بوضوح أن المعطيات التي كانت تعتمد عليها الإدارة الأميركية غير دقيقة".
وكان السيناتور كيري زار الخرطوم ودارفور. وابلغ مستشار البشير الى هذه المحادثات الجانب الأميركي أن العقوبات التي تفرضها واشنطن يعاني منها المواطن العادي لا الحكومة، كما أنها لم تؤدِّ إلى شلّ الاقتصاد السوداني.
وقال صلاح الدين: "نحن نعتقد أن هناك روحا عدوانية تجاه السودان، وما يقولونه حول دارفور كلام فارغ". وانتقد بشدة مواقف المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس وقال إنها من الحرس القديم وتعمل ضد خيارات الرئيس أوباما، ولا تزال تنظر إلى العالم بمنظار قديم تجاوزته الأحداث. إلا أنه توقع ألا تؤثر تلك المواقف على مسار العلاقات الأميركية السودانية. الى ذلك، احال السودان مسألة الغارد الجوية التي شنتها التشاد على الاراضي السودانية الى مجلس الامن الدولي. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية السودانية علي الصادق لـ"رويترز" أن رد الفعل الآن في يد المجلس.
وأضاف أن السودان أكد وقوع الهجوم، معربا عن ثقته بأن تشاد غير مهتمة بالتوصل الى تسوية حيث أحجم المسؤولون هناك عن اي محاولات للمصالحة سواء من جانب السودان او دول أخرى بما فيها ليبيا وقطر.
وأشار الصادق الى أنه لم تحدث هجمات أخرى منذ الغارة التي تم الإبلاغ عنها ووقعت قرب مستوطنة ام دخن الخميس الماضي. وقال إنه وفقا لمعلومات الجيش فإن كل شيء هادئ في المنطقة ولم تشهد الأحداث تصعيدا. ونفى وجود متمردين تشاديين داخل السودان قائلا إن القوة الجوية التشادية ربما تحركت بناء على معلومات مخابرات "سيئة".




















