ما من عنوان مناسب لرصد ظاهرة “التكويع” وردود الجمهور السوري عليها (بما فيهم المؤثرون) سوى الاقتباس من كتب التراث، كون الحديث عن الموضوع أصبح واجباً يرى “الجميع” أنفسهم مضطرين إلى الكتابة عنه وفضح شخوصه، في تقليد مشابه لتقليد “ضرورة” التأليف في ما يخص موضوعاً ما.
التكويع ببساطة هو اللحظة العلنية التي يغيّر فيها أحدهم، سبق أن كان مؤيداً لنظام الأسد المخلوع أو حتى رمادياً، رأيه ويقف إلى جانب الثورة. الفعل يبدو بداية منطقياً، فلن يجرأ أحد في سورية على الأقل، على الحفاظ على موقفه من الأسد بعد ظهور فظائع أفرع الأمن وسجن صيدنايا إلى العلن. تنوعت أشكال التكويع، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو على شاشات التلفاز. الكل يقدم حججه وأسباب صمته أو تأييده، ويكتفي بعضهم بتغيير صورة حسابه الشخصي وتبني علم الثورة. لكن تغيير الموقف هذا تحول إلى محط تصفية حسابات، وبدأ مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي بإيجاد مواقف “المكوعين” السابقة، تلك التي تتحرك بين التحريض الصريح على القتل، انتهاءً بمجرد الولاء لبشار الأسد، وقُسّم الناس وصُنّفوا بين مكوّع، وشبيح سابق، ومتسلق، وغيرها من الأوصاف.
غياب شكل للعدالة الانتقالية في سورية والحرية التي يمارسها كثيرون لأول مرّة، حولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى سلطة من نوع ما، وأسلوب للتصنيف وأحياناً العقاب، خصوصاً أن العقاب في حال وجود نص قانوني سيكون واضحاً، بين خطاب الكراهية، والتحريض على القتل، انتهاءً بالحماقة، التي لا تعتبر جريمة في أي قانون في العالم؛ فتحامق بعضهم وأخذ موقفاً فقط، رأياً ما، ولم يحرض ولم يدعُ إلى القتل، وأولئك لا قانون لحسابهم، بل قدرتهم على استرضاء الجماهير. لكن اللافت في هذه الحالة هو تطورها من الفضح والتشهير واستخدام المعلومات المزيفة، والوصول إلى حد التخوين، ودعوة بعضهم إلى الـ”حَجْر السياسي”، بل والدعوة إلى “محاكمات فنيّة”.
لا نتحدث هنا فقط عن صناع البروباغاندا، بل “كل” العاملين في “كل” منظومات الإنتاج التي كانت على علاقة مع النظام السوري. الطروحات الشاملة للجميع تبدو شديدة الطوباوية، والأهم مستحيلة. نعم، هناك أوجه بارزة، لكن هناك أيضاً آلاف الموظفين في الوقت نفسه. تغيير الموقف أو “التكويع” بأشكاله التي تصل أحياناً إلى حدود تنم عن فوقية أو جهل، كأن يقول أحدهم: “لم أكن أعلم ما يحدث في السجون”، لا تعتبر تواطؤاً أو فعالية في ارتكاب الجريمة، خصوصاً في ظل غياب أي شكل قانوني، والاعتماد على محاكمات وسائل التواصل الاجتماعي والقدرة على الحشد وجمع الـScreenshots.
بصورة ما، نحن أمام محاكمات شعوبية، هي شكل من أِشكال التعبير، لكنها تهدد القدرة على البناء مستقبلاً، فلا أحد يمتلك سلطة الحرمان من إبداء الرأي. لا يخلو موضوع “التكويع” من قفشات وثقها ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي، ليس الأهم حالياً هو خلق قوائم عار جديدة، لكن على الجانب الآخر يلعب الفنانون والمؤثرون دوراً واضحاً في رسم صورة الانتصار والاحتفالات به، والتركيز عليهم أنفسهم وعلى مواقفهم جزء من صناعة المحتوى الترفيهي والإخباري في بعض الأحيان، فضلاً عن أن سقوط النظام ترافق مع حضور واضح وكبير للمؤثرين والشخصيات الفنية والثقافية، في تصدر للساحة الإعلامية على حساب من يمتلكون القرار أو يمثلون موقفاً سياسياً، إلى حد أن ممثلاً سورياً اقترح أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهوريّة، وآخر يدلي علناً بقسم وطني يدعو الناس المجتمعين إلى مشاركته القسم. وهنا السؤال: أما من نخبة سياسية في سورية؟ أم فقط مؤثرون ومكوّعون؟
- العربي الجديد


























