في الحكاية السورية، يبدو أن الظلم لا يُمحى، بل يُعاد توزيعه، تتغير الوجوه، وتتبدل الشعارات، وتبقى البُنى العميقة كما هي، تُفرز من جديد ضحاياها، تصنع لنفسها سرديات مبررة، وتعيد إنتاج الثنائيات ذاتها: الأمن مقابل الحرية، الحماية مقابل الشك، الهوية مقابل المواطنة.
طوال عقود، ظلّ النظام السابق، بسطوته الأمنية وإعلامه الثقيل، يُروّج لنفسه حامياً لـ”التنوع السوري”، ضامناً لـ”تماسك” الكيان في وجه رياح الانهيار التي تُشاع كلما تحدّث أحدهم عن التغيير. ولم يكن خفيًّا أن خطاب الحماية هذا، وإن بدا سياسيًا أو وطنيًا في ظاهره، كان موجّهًا، في عمقه، إلى شريحة معينة من السوريين، ممن زُرع في وعيهم أن زوال النظام يعني زوالهم، وأن البديل سيأتي على حسابهم، وهويتهم، ودورهم، ووجودهم نفسه.
انتقلنا من سردية القمع إلى سردية الحماية، من ضحية إلى أخرى، لكنها ليست عدالة تعويضية، بل إعادة توزيع للمظلومية، ضمن مشهد يبدو مألوفًا أكثر مما ينبغي.
وفي الجهة المقابلة، دفعت فئات واسعة من السوريين، في المدن والريف، في السجون والمنافي، في المنازل المهدّمة والقبور المفتوحة، ثمن بقاء هذا النظام. لم يكن الثمن سياسيًا فحسب، بل وجوديًا وإنسانيًا؛ فالفرد السوري صار متّهماً لأنه قال “لا”، وأُقصي لأنه طالب بشيء من الكرامة. هؤلاء لم يطلبوا الحماية من أحد، بل طلبوا شيئًا أبسط: أن يكونوا مواطنين.
ثم جاءت لحظة مفصلية في كانون الأول من عام 2024، لحظة بدت لأول وهلة وكأنها انعتاق، انفكاك من تاريخ طويل من القهر. تبدّلت السلطة، وظهرت على السطح وجوه جديدة، ومفردات مختلفة، ووعود براقة عن المستقبل. لكن من يتأمل بعمق، لا بد أن يلاحظ ظلالًا مألوفة في المشهد الجديد؛ خطاب “الحماية” عاد مجددًا، لكن بلون مختلف، وبوجهة معكوسة.
صار البعض يرى في النظام الجديد امتدادًا لـ”روح الأكثرية”، كأن السياسة تحوّلت إلى مرآة للعدد، لا إلى عقد للحقوق، وأصبح مطلوبًا من “الآخر” أن يثبت ولاءه، أو أن يعتذر ضِمنًا عن انتمائه، أو أن يقف في الظل حتى تنتهي “مرحلة التأسيس”.
هكذا، دون إعلان، انتقلنا من سردية القمع إلى سردية الحماية، من ضحية إلى أخرى، لكنها ليست عدالة تعويضية، بل إعادة توزيع للمظلومية، ضمن مشهد يبدو مألوفًا أكثر مما ينبغي.
في كتابه الشهير الهوية والخوف، كتب الفيلسوف الفرنسي إدغار موران أن “المجتمع الذي يُبنى على الخوف يحتاج دائمًا إلى عدو، فإذا غاب العدو صنعه من داخله”، وهذا بالضبط ما نخشى أن نراه يتكرّر في الحالة السورية: أن نعيد إنتاج مجتمع الخوف باسم الانتماء، وأن نبحث عن “الآخر” الجديد لنقصيه، فقط لأنه يُذكّرنا بماضٍ نريد طمسه.
ولعل ما يزيد الصورة تعقيدًا، أن بعض الأصوات التي كانت تنادي بالحريات، تحوّلت اليوم إلى حرّاس لصورة السلطة الجديدة، تبرّر الأخطاء، وتمنح شهادات البراءة، بل وتُكفّر من يشكك، كأن كل ما طالبنا به في السابق من عدالة وشفافية ومساءلة، صار مؤجلًا، أو مرهونًا بمزاج اللحظة السياسية.
حان الوقت لأن نعيد تعريف “الضحية” في الوعي السوري، لا بوصفها من سقط في المعركة السياسية فقط، بل بوصفها كل من حُرم من حقه في أن يكون جزءًا من الحاضر والمستقبل.
السؤال المؤلم، لكنه الصادق: هل كنا نريد دولة، أم فقط سلطة “قريبة من وجداننا”؟
في إحدى محاضراته عن التجربة الانتقالية في جنوب إفريقيا، قال القس ديزموند توتو: “إذا لم تكن العدالة للجميع، فهي مجرد شكل آخر من أشكال الانتقام”، وربما لهذا فشلت تجارب كثيرة، من العراق إلى لبنان، لأنها ظنّت أن الانتماء العاطفي يكفي لبناء دولة، وأن التاريخ يُمكن تسويته بالتحالفات، لا بالحق.
في سوريا، حيث الجراح ما زالت مفتوحة، لن نجد خلاصًا في تبادل الأدوار؛ لأن الضحية حين تتحوّل إلى وصيّ، والمقموع حين يصبح حارسًا لصمت الآخرين، لا يحرر نفسه، بل يعيد ربطها بسلاسل من نوع جديد.
لا أحد يملك الحق الحصري في تمثيل “الهوية السورية”، لا أحد هو الأكثر وطنية أو الأكثر استحقاقًا لمستقبل البلاد. والسلطة، أيًا كان اسمها أو خطابها، إن لم تُبنَ على عقد وطني جامع، لا يمكن أن تكون إلا نسخة أخرى من الماضي، أكثر تطرفًا أو أقل تجميلًا.
ولعل المطلوب اليوم، بعد كل ما جرى، ليس إعلانًا انتصاريًا، بل لحظة تأمل صادقة، أن نكفّ عن البحث عمّن “حمانا” لنقيم له الأصنام، وأن نبدأ بالبحث عمّا يحمي الجميع، من الجميع.
ربما حان الوقت لأن نعيد تعريف “الضحية” في الوعي السوري، لا بوصفها من سقط في المعركة السياسية فقط، بل بوصفها كل من حُرم من حقه في أن يكون جزءًا من الحاضر والمستقبل، سواء كان من أكثرية أو أقلية، من داخل أو خارج، من ريف أو مدينة.
بهذا وحده، يمكن أن نبدأ كتابة فصل مختلف، لا تبادلي، بل تأسيسي، فصل يخرجنا من مدار الحماية والخوف، إلى أفق المواطنة الحقيقية، وهي، كما قال سعد الله ونوس، ليست شعارًا، بل معركة طويلة تبدأ من الاعتراف، لا من الإقصاء.
- تلفزيون سوريا


























