مقدمة
شكّل تصاعد نشاط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سورية، بعد سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، تحدّيًا أمنيًا مركزيًا للحكومة السورية الانتقالية، حيث أفضى انهيار منظومة الحكم السابقة، بما رافقه من تفكّك مؤسسات جهاز الأمن، إلى نشوء فراغ حاولت السلطة الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، أن تملأه عبر مسار مزدوج، تمثّل في دمج الفصائل المسلّحة ضمن هياكل رسمية، والبدء في تأسيس نواة جيش جديد لبسط سيطرتها على الجغرافية السورية التي كان النظام السابق مسيطرًا عليها.
وعلى الرغم من تحقيق الحكومة الانتقالية جملةً من المكاسب السياسية الأولية، مثل تخفيف العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على الدولة السورية والعمل على إزالتها تدريجيًا، وفتح قنوات دبلوماسية مع أطراف إقليمية ودولية، والانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة (داعش)، فإنّ البيئة الأمنية ما تزال غير مستقرّة، وذلك بسبب وجود تهديدات مركّبة، تمثّلت في بقايا شبكات النظام السابق، ونشاط خلايا تنظيم (داعش) التي استغلّت المرحلة الانتقالية، في ظلّ عجز الدولة السورية عن بسط سيطرتها الميدانية على كامل الأراضي السورية، شمالًا وجنوبًا، واستمرار الخروقات الإسرائيلية المتكرّرة، برًّا وجوًّا. ما يشكّل اختبارًا لقدرة الدولة على فرض الاستقرار وبسط السيطرة الأمنية.
في هذا السياق، تقدّم هذه الورقة قراءة تحليلية لأنماط عمليات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مناطق سيطرة الحكومة السورية الانتقالية، بالاستناد إلى تحليل الهجمات المنفّذة خلال الفترة الممتدة من أيار/ مايو إلى كانون الأول/ ديسمبر 2025. وتسعى الورقة إلى الوقوف على دلالات هذه العمليات، وفهم أنماطها، والبحث في أهدافها، وحدود قدرتها على التحوّل إلى تهديد استراتيجي أوسع، في ظلّ الواقع السياسي والاقتصادي والعسكري المعقّد الذي تشهده البلاد.
وتتناول الورقة الأدوات التقنية التي قد تدعم جهود الحكومة السورية الانتقالية في مواجهة التنظيم، على المستويَين العسكري والأمني، وسبل التعامل الممكنة مع الخطاب المتطرف للتنظيم، ضمن استراتيجية تعتمد على الجمع بين توظيف أدوات الردع من ناحية، والمعالجة البنيوية لجذور العنف من ناحية أخرى. وتسعى الورقة إلى استشراف التهديدات المحتملة لتنظيم (داعش) خلال المرحلة المقبلة، استنادًا إلى المعطيات الميدانية والتنظيمية الراهنة، مع التأكيد أن ترسيخ الاستقرار في سورية يظلّ مرهونًا بقدرة الدولة على إنجاز إصلاحات أمنية عميقة، وتعزيز مسار العدالة الانتقالية، وتكريس شراكات دولية داعمة من دون المساس بالسيادة الوطنية.
أولًا: أنماط العمليات المسلّحة لداعش بين شهري أيّار وكانون الأول 2025
على الرغم من انحسار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ميدانيًا، عقب سقوط النظام، فإن عملياته العسكرية لم تتوقف، واستمرّت بوتيرة متفاوتة، في أكثر من منطقة في سورية. ففي شمال شرق البلاد، حيث لا تزال ترتيبات السيطرة والأمن خارج نطاق سيطرة الحكومة السورية الانتقالية، نفّذ التنظيم ما يقارب 155 هجومًا، منذ سقوط النظام حتى اليوم[1]، بما يعكس قدرته على الحفاظ على بنية خلايا فاعلة في بيئات أمنية رخوة. وتكمن أهمية رصد العمليات التي قام بها تنظيم (داعش)، داخل مناطق سيطرة الحكومة السورية، في كونها تمثّل اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة على فرض الأمن وضبط المجال العام، ومنع التنظيم من إعادة التموضع داخل الجغرافيا الخاضعة لسلطتها.
وفي هذا الإطار، يُظهر رصد العمليات المنسوبة إلى تنظيم (داعش)، خلال الفترة الممتدة من أيار/ مايو حتى كانون الأول/ ديسمبر 2025، نمطًا تصاعديًا متدرّجًا في وتيرة الهجمات داخل هذه المناطق[2]، وذلك عبر انتقال التنظيم من ضربات متفرقة ذات طابع اختباري، إلى هجمات موجهة أكثر دقة، من حيث طبيعة الأهداف، ومن حيث توزعها الجغرافي. وقد تركّزت غالبية هذه العمليات على استهداف القوات الحكومية ومرافقها الأمنية، من خلال استخدام العبوات الناسفة والكمائن المسلّحة والاغتيالات المباشرة، بما يعكس تبنّي التنظيم استراتيجية استنزاف تهدف إلى إرباك الأجهزة الأمنية، واختبار قدرتها على فرض السيطرة، ولا سيّما في المناطق الطرفية والبادية السورية[3].
وتُظهر قراءة السجلّ العملياتي أن هناك نحو ثلاثين هجومًا توزّعت على محافظات عدة، وقد نالت محافظة دير الزور الحصّة الأكبر منها، حيث شكّلت الثقل الأبرز لهذه الهجمات، تليها محافظتا درعا وإدلب، ثم محافظات ريف دمشق وحمص وحماة ومدينة دمشق، على الترتيب. ويعكس هذا التوزّع قدرة التنظيم على التحرك ضمن مساحات جغرافية متباعدة، مستفيدًا من الفجوات الأمنية ومن تفاوت مستوى الضبط بين منطقة وأخرى. ومن الملاحظ أن هناك تنوّعًا في أنماط الاستهداف، شمل أهدافًا حكومية مباشرة، وأهدافًا مدنية، إضافة إلى ما صُنّف ضمن الأهداف المختلطة، مثل استهداف دوريات أو مواقع عمل حكومية ضمن بيئات غير عسكرية خالصة، في مسعًى لتوسيع الأثر النفسي للهجمات وعدم حصرها في نطاق أمني ضيق.
ومن حيث المقاربة القتالية، حافظ التنظيم على اعتماد أدوات عنف منخفضة الكلفة نسبيًا، كالعبوات الناسفة والاغتيالات الفردية والهجمات السريعة على الحواجز، مقابل محدودية العمليات الانتحارية التي تميّز بها نشاطه، باستثناء حالات محدودة ذات طابع رمزيّ. ويشير هذا النمط إلى استراتيجية قتالية تسعى من خلالها (داعش) إلى الحفاظ على قدرتها التنظيمية، وتقليل خسائرها البشرية، مع توجيه ضربات ذات أثر سياسي وأمني، في إطار استنزاف طويل الأمد، يستهدف تقويض قدرات الحكومة السورية، على المدى الطويل، وصولًا في نهاية المطاف إلى تحقيق مكاسب عسكرية محددة.
في هذا السياق، يبرز هجوم تدمر في كانون الأول/ ديسمبر 2025، بوصفه أخطر عمليات تنظيم (داعش)، نظرًا لطبيعته المركبة، ولكونه أسفر عن مقتل جنود أميركيين، في استهداف اجتماع أمني مشترك ضمّ ضباطًا من الجيش السوري الانتقالي ومستشارين عسكريين أميركيين في محيط المدينة[4]. وتأتي أهمية هذه العملية من كونها من أوائل عمليات (داعش)، عقب انضمام سورية رسميًا إلى التحالف الدولي لمكافحة التنظيم، الأمر الذي يمنح العملية بُعدًا يتجاوز الخسائر البشرية المباشرة؛ إذ سعى التنظيم من خلالها إلى إبراز هشاشة الشراكة الأمنية الوليدة، بين الحكومة السورية الانتقالية والتحالف، ورفع كلفة التعاون الدولي، والتشكيك بقدرة الحكومة على توفير بيئة آمنة لشركائها.
ومن جانب آخر، تؤكد هجمات التنظيم التي نُفّذت، خلال الأشهر الأخيرة من عام 2025، ولا سيما في تدمر وخان شيخون، انتقاله إلى استهداف مواقع ذات أهمية استراتيجية أعلى، شملت قوات حكومية ومحاور مواصلات حيوية، في محاولة واضحة لرفع كلفة المواجهة على الحكومة السورية، وإظهار أن تغيير السلطة السياسية لم يؤدِ تلقائيًا إلى تحييد التهديد الذي تمارسه (داعش) عبر عملياتها العسكرية. وفي المحصلة، يعكس هذا السجل العملياتي أن التنظيم، رغم تراجعه مقارنة بمراحل سابقة، لا يزال قادرًا على تهديد الاستقرار الأمني، وذلك باتخاذه نمطًا مرنًا يجمع بين الانتشار اللامركزي وتنوّع أدوات العنف واستغلال البيئات الهشّة. ويؤكد ذلك أن مواجهة هذا التهديد داخل مناطق سيطرة الحكومة السورية تتطلب استراتيجية متكاملة، لا تقتصر على الردّ الأمني المباشر، بل تشمل سدّ الفجوات الاستخباراتية، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين، وتحصين البيئات المحلية، بما يحول دون تمكّن التنظيم من إعادة إنتاج نفسه في سياق المرحلة الانتقالية[5].
ثانيًا: أدوات الحكومة السورية الانتقالية المحتملة في مواجهة (داعش)
تبرز حاجة الحكومة السورية الانتقالية، في مواجهة التهديد الذي يمثّله تنظيم (داعش)، إلى تطوير حزمة متكاملة من الأدوات الأمنية والسياسية والإعلامية، يمكن توظيفها أو تعميقها بهدف احتواء التهديد والحدّ من قدرة التنظيم على إعادة إنتاج نفسه. ويُفترض أن تقوم هذه الأدوات على مبدأ المعالجة متعددة المستويات، التي تجمع بين البعد الأمني الصلب، والمعالجة المؤسسية والفكرية والاجتماعية.
- تطوير القدرات الاستخباراتية والأمنية: يُعدّ ضعف البنية الاستخباراتية أحد أبرز الثغرات التي يمكن أن يستغلها تنظيم (داعش) في المرحلة الانتقالية، ولا سيما في ظل انهيار أجهزة النظام السابق وتفكيك شبكات السيطرة والتحكم التقليدية. ومن ثم، تبرز إمكانية أن تعمل الحكومة الانتقالية على إعادة بناء منظومة استخباراتية جديدة، تستند إلى أسس مهنية وحديثة، مع التركيز على العمل الوقائي، بدلًا من الاقتصار على الاستجابة اللاحقة للهجمات. وقد يشمل ذلك إنشاء جهاز مركزي للتنسيق في مجال مكافحة الإرهاب، وتطوير قدرات الرصد والتحليل المبكر، إضافة إلى بناء قواعد بيانات موحّدة تتعلق بالمشتبه بهم والخلايا النائمة. ويُعدّ اعتماد آليات تدقيق أمني صارمة للمجنّدين الجدد في الجيش والأجهزة الأمنية أداةً محتملة أساسية، تهدف إلى تقليص فرص الاختراق من الداخل، وهو تحدٍ مرجّح في سياق دمج فصائل وقوى مسلحة ذات خلفيات متباينة. وفي البعد الإقليمي، يمكن للحكومة أن تطوّر مستويات التعاون الاستخباراتي مع دول الجوار، خصوصًا ما يتعلق بتتبع تحركات العناصر العابرة للحدود، بغية الحدّ من قدرة التنظيم على الاستفادة من الجغرافيا المفتوحة والفراغات الحدودية.
- توظيف التعاون الدولي والمساعدات التقنية: يشكّل الانفتاح على التعاون الدولي أداة محتملة محورية في استراتيجية مواجهة (داعش)، لا سيّما في ظل محدودية الموارد والخبرات المحلية المتاحة في المرحلة الانتقالية. ويمكن للحكومة السورية الانتقالية أن تستثمر موقعها الجديد كشريك محتمل في مكافحة الإرهاب، للحصول على دعم تقني ولوجستي واستخباراتي، يشمل التدريب المتخصص لوحدات مكافحة الإرهاب، ونقل الخبرات في مجالات كشف العبوات الناسفة، والرصد الجوي، وتحليل البيانات. وقد يسهم هذا التعاون في تطوير قدرات الاستطلاع الجوي والاستخبارات التقنية، مع اعتماد نموذج يوازن بين الاستفادة من الدعم الخارجي والحفاظ على القرار السيادي الوطني. وعلى المستوى السياسي، يمكن ربط هذا المسار بجهود أوسع لتخفيف العقوبات الدولية، على أساس أن الاستقرار الأمني ومكافحة الإرهاب يمثلان شرطًا ضروريًا لإعادة الإعمار وجذب التمويل والاستثمار.
- إعادة هيكلة القطاع الأمني ودمج المقاتلين السابقين: من التحديات البنيوية التي تواجه الحكومة الانتقالية، احتمالُ استمرار التعدد في الولاءات والهياكل المسلحة. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى إجراء إصلاح شامل للقطاع الأمني، بوصفه أداة استراتيجية طويلة الأمد في مواجهة (داعش). وقد يشمل ذلك إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية والأمنية، وبناء عقيدة مهنية موحّدة تضع مكافحة الإرهاب وحماية المدنيين في صلب مهامها. ويمكن تطوير برامج إعادة تدريب ودمج للمقاتلين السابقين ضمن جيش وطني موحّد، مع التركيز على إعادة التأهيل المهني والعقائدي، وتجنّب إعادة إنتاج البُنى الفصائلية داخل مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، تبرز أيضًا أهمية تطوير جهاز شرطة محلية فاعل، يكون قادرًا على ضبط الأمن اليومي في المدن والبلدات، كي يخفف الضغط عن القوات العسكرية ويحدّ من المساحات التي قد تنشط فيها الخلايا النائمة.
- تعزيز المقاربة الاستباقية لتفكيك الخلايا النائمة: تُعَدّ الاستراتيجية الاستباقية أداة محتملة حاسمة في مواجهة تنظيمٍ يعتمد على خلايا نائمة تتحرّك بشكل لامركزي. ويمكن للحكومة الانتقالية أن تطوّر قدرات العمليات الخاصة والاستخبارات الميدانية، بما يسمح بتفكيك هذه الخلايا قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ. غير أن نجاح هذا المسار لا يرتبط بالبعد العسكري وحده، بل يتطلب معالجة البيئة الحاضنة التي قد يستفيد منها التنظيم. وفي هذا الإطار، تُعدّ السياسات التنموية المحلية، مثل تحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، ومعالجة مظالم المجتمعات المهمّشة، أدوات غير مباشرة لكنها أساسية في تقليص قابلية التجنيد، ولا سيّما في المناطق الريفية والبادية التي شكّلت تقليديًا مسرحًا لنشاط التنظيم.
- بناء إطار قانوني وإعلامي مضاد لخطاب (داعش): إلى جانب الأدوات الأمنية، تبرز أهمية تطوير أدوات قانونية وإعلامية قادرة على تحجيم خطاب (داعش) ونزع شرعيته. ويمكن للحكومة الانتقالية أن توظّف مسار العدالة الانتقالية، بوصفه أداة مركزية لتقويض السرديات التي يتغذى عليها التنظيم، ولا سيما خطاب المظلومية والانتقام، حيث إن إرساء مبدأ المحاسبة الشاملة، سواء بحق عناصر التنظيم أو مرتكبي الانتهاكات من النظام السابق، من شأنه تقليص قدرة (داعش) على استثمار مشاعر الظلم. أما على المستوى الإعلامي، فيمكن تطوير خطاب مضاد، يستند إلى تفكيك الأيديولوجيا الداعشية، دينيًا وفكريًا، عبر إبراز قراءات دينية معتبرة تنقض سرديات التكفير والعنف، بالتوازي مع مراقبة الفضاء الرقمي الذي يستخدمه التنظيم للتجنيد والدعاية. ويُفترض أن تتكامل هذه الجهود مع الإنجازات الأمنية على الأرض، بحيث يُعاد بناء الثقة المجتمعية تدريجيًا في قدرة الدولة الجديدة على حماية مواطنيها.
ثالثًا: السيناريوهات المحتملة لمسار تهديد (داعش)
استنادًا إلى المعطيات الأمنية والسياسية الراهنة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمسار نشاط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومستوى تهديده للحكومة السورية الانتقالية خلال العامَين المقبلين. وتنبع هذه السيناريوهات من إجراء قراءة تحليلية للواقع الميداني، ومن تحليل طبيعة التوازنات الأمنية القائمة، بالاستناد إلى اتجاهات نشاط التنظيم وأنماط تحركه، إضافة إلى مستوى التنسيق الدولي القائم في مواجهته.
- السيناريو الأول: تراجع كبير لتهديد التنظيم
يفترض هذا السيناريو نجاح الحكومة السورية الانتقالية، بدعم قوي ومتواصل من التحالف الدولي، في توجيه ضربات حاسمة لقدرات التنظيم خلال عام 2026. ويتحقق ذلك عبر تعزيز التعاون الاستخباراتي والتدريبي مع الولايات المتحدة، بما يرفع من كفاءة القوات السورية في ملاحقة الخلايا الإرهابية وتفكيك بنيتها التنظيمية. وفي هذا السياق، تتمكن دمشق من اعتقال أو تصفية معظم قيادات الصفين الأول والثاني في التنظيم، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع ملموس في عدد الهجمات، قد يصل إلى نحو 50% مع نهاية عام 2026. ويفترض هذا السيناريو نجاح الحكومة في تنفيذ إصلاحات أمنية داخلية فعّالة، تقلّص فرص تسلل العناصر المتطرفة إلى مؤسسات الدولة، وتُحصّن الجبهة الداخلية من الاختراق. ويرتبط هذا المسار أيضًا باستمرار الاستقرار السياسي الداخلي، وبتعزيز المصالحة الوطنية، بما يُضعف الخطاب الدعائي لتنظيم (داعش) ويجفف منابعه البشرية. ونتيجة لذلك، يتحول التنظيم إلى خطر أمني ثانوي، يمكن احتواؤه عبر أدوات الشرطة المحلية والاستخبارات، بما يشير إلى نهاية مرحلة التمرّد المسلح المفتوح.
- السيناريو الثاني: استمرار حرب استنزاف محدودة
وفق هذا السيناريو، تستمرّ هجمات التنظيم بوتيرة منخفضة نسبيًا، وتتركز في المناطق الريفية وأطراف البادية البعيدة عن مراكز المدن. وتنجح القوات السورية، بدعم من التحالف الدولي، في منع التنظيم من تنفيذ عمليات كبرى أو من السيطرة على مناطق حضرية، إلا أنّ التنظيم سيتمكّن في المقابل من إعادة تنظيم بعض صفوفه ضمن خلايا صغيرة تعتمد أسلوب الكرّ والفرّ. وفي هذا الإطار، يتحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، لا يستطيع التنظيم من خلالها تجاوز سقف معين من التهديد، وفي الوقت نفسه تعجز الحكومة عن القضاء التام عليه. ويظلّ الخطر ضمن جيوب معزولة، مع بقاء مستوى متوسط من الاضطراب الأمني، يتمثل في هجمات متقطعة على الحواجز أو عمليات اغتيال لشخصيات محلية. وقد يترافق هذا السيناريو مع حالة من الكرّ والفرّ السياسي، إذ قد تتراجع بعض الدول مؤقتًا عن دعم دمشق، ما يسمح بنشاط نسبي لـ (داعش)، ثم تعود للتعاون فتتراجع وتيرة الهجمات، من دون إحداث تغيير استراتيجي جوهري في المعادلة. وباختصار، يبقى (داعش) في هذا السيناريو شوكة أمنية مزمنة في خاصرة الدولة السورية، لكنه غير قادر على تقويض الاستقرار بشكل شامل.
- السيناريو الثالث: تصاعد خطير وعودة الفوضى
يمثل هذا السيناريو الاحتمال الأسوأ، حيث يتمكن تنظيم (داعش) من استغلال إخفاقات أمنية أو سياسية جسيمة، لتحقيق تصعيد نوعي يعيد شبح الإرهاب على نطاق مقلق. وقد يتحقق ذلك في حال فشل الحكومة في استكمال إصلاح أجهزتها الأمنية، أو في حال بقاء بعض الفصائل المسلحة خارج إطار الاندماج الكامل، أو استمرار ولاءات متعارضة داخل البنية العسكرية. وفي مثل هذا السياق، قد ينجح التنظيم في تنفيذ هجمات كبيرة داخل مراكز حضرية رئيسة، كدمشق أو حلب، توقع عشرات الضحايا، ما يزرع الفوضى ويؤثر في تماسك الدولة.
من جانب آخر، قد يؤدي اندلاع توترات طائفية، أو صدامات مع قوى أخرى، سواء مع قوات سوريا الديمقراطية/ قسد في الشمال الشرقي، أو مع إسرائيل في الجنوب، إلى فتح ثغرات يستغلها التنظيم لتوسيع نشاطه واستقطاب مجنّدين جدد تحت شعارات عدة، مثل “نصرة السنّة” أو مقاومة “العدو الصهيوني”. وفي هذا السيناريو، يُخشى من تآكل هيبة الحكومة الانتقالية وعجزها عن ضبط الأمن، وقد يؤدي ذلك إلى عودة الانقسامات الداخلية، وربما يؤدي إلى انهيار الدعم الذي يقدّمه التحالف الدولي. ومن أخطر الاحتمالات في هذا المسار، تسلّل التنظيم إلى قلب المؤسسات الأمنية نفسها، مستفيدًا من ضعف الرقابة، وتنفيذ هجمات من داخل أجهزة الدولة، بما يشكل صدمة كبرى ويقوّض الثقة العامة.
هذا السيناريو هو الأقلّ ترجيحًا، إلا أنه يظل ممكنًا في ظلّ وجود أطراف إقليمية معادية قد تعمل على زعزعة الاستقرار السوري. وهناك احتمال بأن تقوم إيران، الداعمة لميليشيات مرتبطة ببقايا النظام السابق، بتسهيل حركة فلول (داعش) بين العراق وسورية، بغية إرباك الحكومة الجديدة. وقد تجد (قسد) مصلحةً في تضخيم خطر (داعش)، لتبرير استمرار تمسّكها بنمط حكم ذاتي منفصل، وهو ما قد يضعف الجبهة الداخلية، ويفتح الباب أمام عودة العنف على نطاق أوسع.
خاتمة
تُظهر التطورات الأمنية في سورية بعد سقوط نظام الأسد أن مواجهة تنظيم متطرف، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لا تُحسَم عبر معركة عسكرية واحدة أو من خلال إضعاف ميداني مؤقت؛ حيث بدا أن التنظيم يمتلك قدرة واضحة على التكيّف مع البيئات الهشّة، وعلى استغلال الفجوات الأمنية والمؤسسية التي رافقت المرحلة الانتقالية، ولا سيّما التأخير في بناء مؤسسات الدولة، وعدم اكتمال منظومات الضبط والحوكمة الأمنية.
في هذا السياق، اتجه نشاط التنظيم إلى إعادة إنتاج التهديد، وإثبات الحضور، والحفاظ على الاستمرارية، أكثر من السعي إلى تحقيق مكاسب عسكرية حاسمة. وقد كانت عمليات التسلّل وتنشيط الخلايا وتنفيذ الهجمات منخفضة الكلفة أدواتٍ رئيسة لاختبار قدرة الدولة السورية على فرض السيطرة وبسط الاستقرار، فضلًا عن استنزاف مواردها الأمنية، في ظل بيئة انتقالية تتسم بتعدد الفاعلين، وتعقيد المشهد الأمني والسياسي.
في المقابل، أعلنت الحكومة السورية الانتقالية اتخاذ خطوات جادة، وإن كانت غير مكتملة، على مسار إعادة بناء المؤسسات الأمنية، وتعزيز التنسيق الداخلي، وتطوير أشكال من التعاون الإقليمي والدولي. وفي هذا الإطار، لا ينبغي التقليل من أهميّة التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، ضمن إطار التحالف الدولي لمكافحة تنظيم (داعش)، سواء من حيث التقارب السياسي-الأمني مع واشنطن، الذي يكتسب طابعًا يتجاوز الاستجابة الظرفية المباشرة، أو من حيث إن هذا التحالف ركيزة أساسية في جهود الاحتواء خلال المرحلة الانتقالية. غير أن فاعلية هذا التعاون تظلّ رهنًا بقدرة الدولة السورية على إعادة تنظيمه على أسس مؤسسية واضحة، تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وبناء القدرات، وتقديم الدعم التقني، بما يعزز الاستجابة الوطنية ولا يستعيض عنها.
قد نشهد تراجعًا نسبيًا في وتيرة العنف في المرحلة المقبلة، إلا أن هذا التحسّن يظل أوليًا وهشًا وقابلًا للانتكاس، في حال تعثّر الإصلاحات الأمنية، أو استمرار الانقسامات المؤسسية، أو تأخّر استكمال بناء أجهزة الدولة القادرة على فرض سيادة القانون بشكل متوازن ومستدام. ومن ثم، فإن تحجيم خطر تنظيم (داعش)، وتقويض قدرته على إعادة إنتاج نفسه، لا ينبغي التعامل معه كغاية سريعة أو إنجاز قصير الأمد، بل كمسار قابل للتحقق على المدى الطويل، وهو مشروط بحدوث تقدّم تدريجي في بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، ومعالجة الأسباب البنيوية التي يستثمرها التنظيم في التجنيد والتغلغل. ويظلّ النجاح في هذا المسار مرهونًا بتكامل الأدوات الأمنية مع الإصلاح المؤسسي، واستمرار الشراكات الدولية ضمن مقاربة واقعية، تتجنب التهوين من التهديد أو المبالغة في تقدير منجزات المواجهة.
في المحصلة، تمثّل السنوات القليلة المقبلة اختبارًا حاسمًا لقدرة الدولة السورية الجديدة على منع عودة العنف المنظم، ووضع أسس استقرار أمني طويل الأمد، في سياق انتقالي معقّد لا يسمح بإجابات سريعة، لكنه يتيح، عبر إدارة متأنية ومراكمة تدريجية للقدرات، تضييق هامش الحركة أمام التنظيمات المتطرفة، ويمنعها من تحويل هشاشة المرحلة الانتقالية إلى فرصة لإعادة إنتاج الفوضى.
[1] وذلك بحسب عمليات الرصد والمتابعة التي يجريها فريق المركز.
[2] ISIL (ISIS) launches first attacks against new Syrian government, Jazeera English, Published on 30 May 2025, https://shorturl.at/03kfa
[3] تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” يستهدف الحكومة السورية الجديدة، معهد واشنطن للدراسات، 22 أيار/ مايو 2025، https://shorturl.at/RCx6p
[4] Three Americans killed by IS gunman in Syria, US military says, BBC, Published on 15 May 2025, https://shorturl.at/BgRZi
[5] هذه خلاصة تحليل البيانات التي جمعها فريق المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة.
- المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة


























