ليست حالة فنزويلّا التي اختطف دونالد ترامب رئيسها وزوجته، نادرةً أو فريدةً من نوعها. يرجع ذلك إلى هشاشة النظام الدوليّ، وأنّ الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتّحدة لا تأبه لقوانينه وتنظيماته ومفوّضيّاته. لماذا حصل الاختطاف؟ ما هي مصائر النظام الدوليّ؟ لماذا لا يستطيع حلفاء فنزويلّا المقاومة والتصدّي؟!
يعود الخصام الأميركيّ مع فنزويلّا لأكثر من عقدين، وبالتحديد إلى عام 2003- 2004 عندما قام الجنرال هوغو شافيز بالاستيلاء على السلطة، ثمّ صار يفوز في انتخاباتٍ ديمقراطيّة!
ما أعجبت الشعبويّة الفنزويلّيّة الولايات المتّحدة لأنّ فنزويلّا تملك أكبر احتياطي للنفط في العالم، وكانت الشركات الأميركيّة هي التي تستثمر هناك، وهي التي أنشأت المنشآت النفطيّة في بلد كان الأغنى والأكثر رفاهيّة (أكثر من ثلاثين مليون عدد سكّانه) في الكاريبي وأميركا الوسطى والجنوبية.
منذ عام 2005 فرضت الولايات المتّحدة حصاراً على تصدير النفط بعدما قام شافيز بتأميمه. لكنّ النظام صمد وأقام علاقات وثيقة مع روسيا والصين وكوبا… وإيران. ثمّ لمّا توفّي شافيز في مرضٍ عضال استخلف أكثر أنصاره حماسةً، وهو نيكولاس مادورو.
تحوّلت الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانيّة في البلد المحاصَر إلى ملاحم. مرّتين بل ثلاثاً كانت المعارضة السياسيّة تدّعي الفوز في الانتخابات، لكنّ مادورو ظلَّ في السلطة، تدعمه الفئات الأكثر فقراً وحاجةً إلى الامتيازات التي تمتّعت بها في عهود الرئيسين الشعبويَّين، وبخاصّةٍ أنّ الجيش وقوّات الأمن ظلّت شديدة الولاء.
منذ عقدٍ ونيّف ساء الوضع الاقتصاديّ في فنزويلا كثيراً، وهاجرت الملايين من الطبقة الوسطى، علاوة على المعارضين السياسيّين الذين لم تنكسر موجات معارضتهم. وبعد عام 2015 على أثر انتخابات برلمانيّة اعتبرها الغربيّون مزوَّرة، أقدم الأميركيّون ودول الاتّحاد الأوروبيّ على اعتبار النظام فاقداً للشرعيّة ودعموا شرعيّة زعيم المعارضة ثمّ زعيمتها ماريا كورينا ماتشادو (التي حصلت على جائزة نوبل للسلام) لتولّي السلطة، من دون أن يتزحزح مادورو أو يتردّد.
موقف روسيا والصين، وهما حليفتان استراتيجيّتان لمادورو. لكنّ المراقبين قالوا إنّ روسيا المنهكة في حربها على أوكرانيا لا تستطيع أن تفعل شيئاً
ثلاثة أسباب للسّخط الأميركيّ
في عام 2020 أضاف الأميركيّون إلى اتّهامات النظام بعدم الشرعيّة، اتّهامه بصنع المخدّرات وتهريبها إلى الولايات المتّحدة. هكذا صارت هناك ثلاثة أسباب لسخط الولايات المتّحدة على نظام مادورو:
1- عدم شرعيّة النظام بسبب تزوير الانتخابات.
2- شيوعيّة النظام وتحالفه مع كلّ خصوم الولايات المتّحدة في أميركا وفي العالم.
الاتّجار بالمخدّرات وتصديرها بالتهريب إلى الولايات المتّحدة.
في عام 2020 كان ترامب يُنهي فترة رئاسته الأولى، وعلى الرغم من كثرة تهديداته لم يفكّر يومها في غزو فنزويلّا ولا خطف رئيسها بخلاف ما حصل قبل أيّام.
ليست المرّة الأولى التي تقوم فيها الولايات المتّحدة من طريق استخباراتها بخطف الرؤساء أو اغتيالهم أو تنظيم انقلابات ضدّهم، ودائماً بحجّة الشيوعيّة أو العنف الشديد أو تجارة المخدّرات. لكنّها المرّة الأولى التي تقوم فيها بعمليّةٍ بهذه الضخامة وهذه العلنيّة.
ماذا يعني ذلك بالنّسبة للنّظام العالميّ؟
بالطبع سينعقد مجلس الأمن وستُدين أغلبيّته العمليّة، لكنّ إصدار قرار بالإدانة غير ممكن لأنّ الولايات المتّحدة تملك حقّ الفيتو. ما يؤثّر أكثر هو مواقف الدول في الكاريبي ودول أميركا الوسطى وأميركا اللاتينيّة. لكن هل تجرؤ أكثريّة من الدول وهي بالعشرات على معاداة أميركا أو سحب سفرائها؟

احتجّت المكسيك التي تقع على حدود الولايات المتّحدة فجرى إقفال الحدود، وهذه مصيبة على المكسيك لضخامة الاستيراد والتصدير بين البلدين. احتجّت كوبا بشدّة فصرخ فيهم الأميركيّون: من أنتم أيّها الفاشلون لتحتجّوا على التصرّفات العادلة للأمّة العظيمة؟!
يعود الخصام الأميركيّ مع فنزويلّا لأكثر من عقدين، وبالتحديد إلى عام 2003- 2004 عندما قام الجنرال هوغو شافيز بالاستيلاء على السلطة
ما هو الاحتمال الثالث لإزعاج أميركا؟
موقف روسيا والصين، وهما حليفتان استراتيجيّتان لمادورو. لكنّ المراقبين قالوا إنّ روسيا المنهكة في حربها على أوكرانيا لا تستطيع أن تفعل شيئاً مثل إرسال جنود أو الغضب على أميركا.
أمّا الصين التي احتجّت بشدّة فشراكتها مع أميركا أكبر من هذه الاعتبارات. هناك نوع من الإحباط يخالج الدولتين الكبيرتين اللتين ازدادت دعوتهما إلى تعدّد الأقطاب وإزالة التفرّد الأميركيّ.
لا أحد إذاً يستطيع في الظروف الحاضرة الوقوف في مواجهة الولايات المتّحدة. جرّبت دول الاتّحاد الأوروبيّ منذ ثلاث سنوات وأكثر الالتفاف من حول أوكرانيا ومساعدتها بالمال والسلاح. لكنّ مبادرة السلام الترامبيّة الآن تعني التنازل لروسيا عن إقليم دونباس، الذي تبلغ مساحته عشرات آلاف الكيلومترات.
هذا سبب إضافيّ لإثارة شهوة روسيا التي تريد وقف الحرب التي أنهكتها كما أرهقت أوكرانيا بالطبع. لا يفيد روسيا الآن التحزّب لحليفتها فنزويلّا مهما كانت الأسباب. وحدها الصين تستطيع الانحياز لكنّه سيبقى محدود الفائدة ولن يدفع روسيا باتّجاه التأثير لمصلحة مادورو.
أين صار نظام العالم؟
كان النظام هشّاً على الدوام، لكنّه لا ينهار الآن تحت وطأة تجاهل ترامب للشرعيّة الدوليّة فقط، بل تحت وطأة الحروب المتكاثرة التي لا يكاد مبعوثو الأمم المتّحدة يعلمون عنها شيئاً! الأميركيّون هم الذين أقاموا النظام بعد الحرب الثانية، وها هم يهدمونه لأنّهم ما عادوا يرون لأنفسهم فائدةً فيه من أيّ نوع.
شنّت روسيا حرباً على أوكرانيا من دون حجّةٍ شرعيّة. خطفت أميركا رئيس جمهوريّة فنزويلّا، فهل تقوم الصين باحتلال تايوان وإعادتها إلى الوطن الأمّ كما تهدّد في كلّ حين، “وما في حدّ أحسن من حدّ”!
لا مقياس غير مَن هو الأكثر قوّة من الناحية العسكريّة. يعني ذلك أيضاً وأيضاً، ما دام الأمر كذلك، أنّه لا أمل لإمكان سحب إسرائيل من الأراضي التي تحتلّها في غزّة والضفّة ولبنان إلّا إذا أرادت الولايات المتّحدة إرغامها على ذلك.
- أساس ميديا



























