الحوار الخامس
“جيوبوليتيك الغذاء” وثيقة وطنية حول السيادة الزراعية السورية:
الأرض حين تستعيد ذاكرة السيادة
سِيادة السنابل: الجغرافيا الزراعية كعقيدة للوحدة والتحرر الوطني في سورية
إذا كانت الخزائن السيادية قد أُفرغت بفعل عقودٍ من النهب الممنهج، فإن التربة السورية، بعمقها الحضاري وضخامة إمكاناتها الكامنة باقية لا تتحلّل، وتظلّ المورد الذي لا يخون. إن معركة “السيادة الغذائية” التي يجب أن تخوضها الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع ليست مجرد خطة لإنقاذ الاقتصاد، بل هي في جوهرها “فعلُ تحررٍ سياسي”؛ فالدولة التي لا تملك قرار رغيفها، لا تملك قرار مصيرها. إننا من خلال هذه الرؤية نحاول أن نعمل على تحويل الزراعة من “نشاط معاشي” إلى “ركيزة أمن قومي” تُحرر الإرادة السورية من الابتزاز الدولي وتجعل من “لقمة العيش” صكّاً للكرامة لا وسيلة للإذعان.
أولاً: تفكيك “إقطاعيات الاستبداد” وتحرير الفلاح السوري
ورثت سورية قطاعاً زراعياً كان ضحيةً لـ “النهب البيروقراطي”؛ حيث حوّل النظام السابق المحاصيل الإستراتيجية إلى وسيلة لتمويل أجهزته الأمنية عبر “سياسات التجويع والاحتفاظ بالهوامش”.
كسر قيود الاحتكار: كانت محاصيل القمح والقطن تُنتزع من الفلاح بأسعار قسرية زهيدة لتُباع لاحقاً في الأسواق باغلى الأثمان في الأسواق
الدولية لصالح طبقة “المنتفعين الجدد”. واليوم، يجب أن ترتكز السياسة الجديدة على “إعادة الاعتبار للقيمة العادلة”؛ فالفلاح هو الشريك الإستراتيجي في السيادة، وضمان ربحيّته هو الضمانة الوحيدة لاستقرار الريف ومنع النزوح نحو العشوائيات.
إحصائيات الفجوة والفرصة: تشير البيانات إلى أن سورية كانت تنتج ما يقارب 4 ملايين طن من القمح سنوياً قبل أن يتسبب الإهمال الممنهج والحرب في انخفاض الإنتاج إلى مستويات حرجة (أقل من مليون طن في بعض السنوات)، مما جعل البلاد رهينة للاستيراد المسيّس. إن دعم الزراعة المحلية من حيث توفير الموارد الأولية للفلاح وتأمين وسائط النقل المناسبة لذلك يسهم بشكل أساسي في العودة بشكل تدريجي إلى سقف الـ 4 ملايين طن مما تعني توفير ما يزيد عن 1.5 مليار دولار سنوياً من فاتورة الاستيراد، وتوجيهها نحو التنمية الداخلية.
ثانياً: “تكامل المحاصيل” كدرعٍ سيادي ضد التفتيت والفتنة
تمثّل الخارطة الزراعية السورية الردّ الطبيعي والفيزيائي على مشاريع التقسيم وسموم الانفصال التي تروّج لها جهات خارجية، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي.
عقيدة “الجسد الواحد”: عندما يتدفق “قمح الجزيرة” السوري ليُعجن بـ “ماء العاصي” ويُخبز بأفران حلب، ويُستهلك بزيت “إدلب والساحل” وفواكه “السويداء وريف دمشق”، نكون أمام “عقد اجتماعي عضوي” لا تستطيع أي حدود مصطنعة تمزيقه.
إبطال مشاريع “الكنتونات”: إن محاولات استغلال معاناة أهلنا في السويداء عبر دعوات الانفصال تتحطم أمام حقيقة الاعتماد المتبادل؛ فالاستقرار التنموي للجنوب مرتبط عضوياً بأسواق الشمال والشرق والمركز، وبالضرورة سيخلق تناغماً جغرافياً اقتصادياً يعود بالنفع على العموم. يجب على الحكومة الجديدة تبنّي “اللامركزية التنموية” لتمكين الفلاح في كل شبر من هذه الأرض، مؤكدةً على أن قوة “سنابلنا” تكمن في وحدتها، وأن “الخبز السوري” هو القاسم المشترك الذي يلفظ الطائفية والمناطقية .
ثالثاً: ابتكار “أدوات المستقبل”..
في ظلّ تدمير 50% من شبكات الري وتعطيل محطات الطاقة، يمكن للحكومة تبنّي إستراتيجيات “الذكاء التنموي” لتعويض العجز المادي :
يعني هذا التوجه الانتقال من “الزراعة التقليدية المُكلفة” التي تعتمد على الوقود الأحفوري (المازوت) والكهرباء العامة المقطوعة، إلى “زراعة ذكية ومستقلة طاقياً”.
1- الاستقلال عن “أزمة الطاقة” الموروثة
في سورية، يعاني الفلاح من “معضلة الطاقة”؛ فشبكات الكهرباء محطمة، والوقود (المازوت) إما مفقود أو يباع بأسعار خيالية في السوق السوداء، مما يؤدّي لموت المحاصيل عطشاً.
الحل: تحويل الآبار والمضخات لتعمل بألواح الطاقة الشمسية يعني أن الفلاح يحصل على طاقة مجانية ومستمرة من “الشمس”، مما يجعله مستقلاً تماماً عن أزمات الدولة أو تقلبات أسعار الوقود.
“2- الأتمتة”: الري بالعقل لا بالجهد فقط
هذا يعني ربط نظام الطاقة الشمسية بحساسات ذكية للتربة
بدل الري العشوائي: يقوم النظام بقياس رطوبة التربة وفتح المياه آلياً بالقدر الذي يحتاجه النبات فقط (الري بالتنقيط المؤتمت)النتيجة المتوقعة: توفير هائل في المياه الجوفية، ومنع تملح التربة، وضمان أفضل نمو للمحصول.
3- خفض تكاليف الإنتاج بنسبة %40
هذا الرقم ليس عشوائياً، بل يعتمد على بنية التكلفة في الزراعة السورية
توفير الوقود: يمثل الوقود والزيوت وصيانة المولدات القديمة الجزء الأكبر من تكلفة الإنتاج. بإلغاء هذه التكلفة، ينخفض سعر المنتج النهائي.
التنافسية: عندما تنخفض التكلفة بنسبة 40%، يصبح المنتج السوري (كالقمح، القطن أو الخضار) أرخص في السوق المحلي وقادراً على المنافسة بقوة في التصدير للخارج، مما يزيد دخل الفلاح.
يجعل من سورية لا تعيد بناء ما تدمر فحسب، بل ” تقفز تقنياً”.
4- التحول إلى “رائد إقليمي” في الاستدامة
بدلاً من العودة لمضخات الديزل الملوثة، تبني سورية “زراعة خضراء”، هذا التوجه يجعل سورية نموذجاً يُحتذى به في المنطقة لكيفية تحويل “الأزمات” (انقطاع الكهرباء) إلى “فرص” (تبني الطاقة النظيفة).
5- السيادة الغذائية كفعل تقني
عندما يمتلك الفلاح شمسه (طاقته) وبئره (ماءه) ونظامه الذكي، فإنه يمتلك قرار إنتاجه. لا يمكن لأي جهة أو “مافيا وقود” أن تبتزه أو تعطل موسمه. هذا هو الجوهر التقني لـ “السيادة”؛ أن تكون مقومات رغيف الخبز نابعة من الأرض والشمس السورية، لا من استيراد المازوت أو انتظار الكهرباء .
التعاونيات الإنتاجية الحديثة: (من الفلاحة الفردية إلى القوة الجماعية)
كانت “الجمعيات الفلاحية” سابقاً مجرد أذرع بيروقراطية للرقابة الأمنية والسياسية. أما النموذج الحديث فيقوم على:
المشاركة في الأصول: بدلاً من أن يشتري كل فلاح “جراراً” أو “منظومة طاقة شمسية” بشكل فردي، تتشارك مجموعة من صغار المزارعين في شراء واستخدام أحدث المعدّات، مما يخفض التكاليف الرأسمالية، ويمكن هنا للدولة تيسير قروض زراعية للفلاحين تساهم في أمتلاكم أدوات الإنتاج.
القوة التفاوضية: حين يبيع 100 فلاح محصولهم ككتلة واحدة، فإنهم يفرضون سعرهم على التجار، بدلاً من أن يستفرد “الوسطاء” و”المافيات” بكل فلاح على حدة وشراء محصوله بأبخس الأثمان.
الإدارة الذكية: على الدولة منح الفلاحين أمكانية استخدام منصات رقمية بسيطة لتنظيم الدور في الري، وتوزيع الأسمدة، وتسويق المحاصيل مباشرة للمستهلك أو المصنع.
الأمن المائي والسيادة: (تحويل الندرة إلى استدامة)
السيادة هنا تعني ألا يرتهن رغيف السوريين لتقلبات المناخ أو لسياسات دول الجوار التي قد تتحكم في حصص المياه الدولية (مثل نهري الفرات ودجلة) وهنا يأتي دور الدولة.
توطين الري بالتنقيط: الانتقال من “الري بالغمر” (الذي يهدر 60% من المياه) إلى الري بالتنقيط المؤتمت، مما يسمح بزراعة مساحات أكبر بنفس كمية المياه المتاحة، ويحمي المخزون الجوفي من الاستنزاف.
الزراعات الملحية: إدخال محاصيل وأصناف بذور (مثل بعض أنواع الكينوا أو الشعير المتطور (نجت التجربة عند عدد من فلاحي دير الزور خلال الفترة الماضية) التي تستطيع النمو في تربة ذات ملوحة عالية أو بمياه ري غير عذبة تماماً، وهي استراتيجية دفاعية لمواجهة تدهور جودة التربة والجفاف.
الدرع البيئي-السياسي: عندما تكتفي سورية مائياً عبر التقنيات الحديثة، تسحب ورقة “الضغط المائي” من يد القوى الخارجية، وتصبح السيادة الزراعية حقيقة واقعة لا مجرد شعار.
رابعاً: البيانات كأداة للتحكم والسيطرة
يجب أن تعمل الحكومة الانتقالية من خلال تصميم “مشروع الإحصاء الزراعي الرقمي” لبناء قاعدة بيانات دقيقة تمنع الهدر وتضمن وصول الدعم لمستحقيه.
استعادة الغطاء النباتي: خطة طموحة لغرس 10 ملايين شجرة مثمرة (زيتون، فستق حلبي، لوزيات) خلال ثلاث سنوات، لتعويض المساحات التي أُحرقت أو قُطعت، مما يعزّز قدرة سورية التصديرية في قطاع “المنتجات العضوية” ذات القيمة المضافة العالية.
خاتمة: خبزُ الأحرار.. حين تثمر الكرامة
لقد ذاق السوريون مرارة “الخبز المغموس بالذلّ” طوال عقود الاستبداد، حيث كان الرغيف يُمنح كمكافأة للولاء ويُمنع كعقوبة للغير. واليوم، رغم الأنقاض وشحّ الإمكانيات، نعلن أن سيادة سورية تبدأ من رحم أرضها
إن الرهان اليوم معقودٌ على تلك “السواعد السمراء” التي لم تنكسر أمام عواصف الرصاص، ولن تنحني أمام تحديات البناء. سورية القادمة هي دولة الإنتاج الحقيقي، الدولة التي تزرعُ كرامتها قبل قمحها، وتأكلُ مما تجود به أرضها؛ لتتحدث بما تمليه عليها إرادتها الحرة. إننا لا نزرع الأرض فحسب، بل نغرسُ “بذور السيادة” في وجدان الأجيال، مؤمنين بأن الشعب الذي حرّر أرضه بسواعده، قادرٌ على إطعام نفسه بكبريائه
سورية القوية.. تبدأ بسنبلة، وتنتهي بدولةٍ لا تُمَسُّ سيادتها.
- كاتب سوري


























