لم تعد إشكالية ( قوات سوريا الديمقراطية ) مسألة مرتبطة بسلوكيات ميدانية أو أخطاء إدارة محلية، يمكن احتواؤها، كما حاول كثيرون تصويرها في السنوات الماضية، أي قبل سقوط النظام، ما بات مطروحا اليوم أعمق وأخطر: مشروع سياسي متكامل يُدفع به بوصفه أمراً واقعاً مستنداً إلى سرديّتين مركزيتين هما:
” العقد الاجتماعي ، ومحاربة الإرهاب ”
هاتان السرديّتان لا تعكسان أزمة شرعية فحسب، بل تكشفان مساراً يهدد فكرة وحدة الجغرافيا السورية نفسها، وليس مجرد تهديد لشكل السلطة القائمة الآن.
يُقدم ما تسميه قسد العقد الاجتماعي باعتباره إنجازا ديمقراطيا متقدما في سياق الانهيار السوري. لكن أي قراءة سياسية جادة لا يمكنها التعامل مع هذا النص بوصفه عقدا بالمعنى المعروف في الفكر السياسي الحديث. فالعقد الاجتماعي، تاريخيا ونظريا، هو تعبير عن سيادة وطنية جامعة، وليس ورقة سياسية كتبت بمزاج انفصالي ، عقد اجتماعي يقوم على إرادة شعبية حرة تُنتج مؤسساتها عبر آليات تمثيل واضحة وليس تغيرات على أسماء مدن ب أكملها وفرض حالة من التخوين على كل من يعارضها . ما جرى في مناطق سيطرة قسد كان العكس تماما وثيقة صادرة عن قوة عسكرية مهيمنة، تمارس كل أنواع الضغط الأمني والعسكري والسياسي على ثلاث مناطق سورية نسبة العرب فيها أكثر من 70 بالمئة. هذا العقد لم ينبثق عن جمعية تأسيسية منتخبة، بل فرض بقوة السلاح، ولم يُعرض على استفتاء عام على الأقل داخل الجزيرة السورية نفسها، ولم يُناقش ضمن إطار وطني سوري شامل. بذلك يتحوّل العقد من أساس للشرعية إلى أداة لغوية رنانة، يمنحها شكلاً أكثر حداثة، تتعالى به على السلطة الانتقالية.
الأخطر من مضمون هذا النصّ، هو وظيفته السياسية الفعلية. فهو لا يسعى إلى تنظيم المركزية إدارية ديمقراطية داخل الدولة، بل يكرّس منطق العقود المحلية الكثيرة التي بدأت بقسد، وستنتهي ربما في الساحل. قسد التي ترفض حتى مناقشة فكرة الوحدة الوطنية تحت مظلة دستور قوي، يشارك به الكورد قبل العرب، العقد القسدي اليوم يعيد تعريف المواطنة خارج الإطار الوطني، ويفتح الباب أمام تعدد مصادر الشرعية. هذا المسار كما أثبتت الثورات العربية ، لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى تفكيك تدريجي للدولة، حيث تتحول كل منطقة إلى كيان سياسي مكتفٍ بذاته، وكل قوة مسلحة إلى مرجعية دستورية بديلة .
إلى جانب ذلك، تُستخدم سردية محاربة الإرهاب بوصفها الركيزة الثانية للمشروع. لا يمكن إنكار أن قسد خاضت مواجهة حقيقية مع تنظيم داعش في مرحلة مفصلية، لكن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه المواجهة إلى تفويض مفتوح للحكم. فمحاربة الإرهاب، بدل أن تكون مهمة أمنية محددة بزمن وأهداف، أصبحت وظيفة دائمة تُعلَّق باسمها السياسة، وتؤجّل الحقوق، ويُغلق النقاش حول التمثيل والشرعية والمستقبل. هذا المنطق ليس جديداً على السوريين، هو ذاته المنطق الذي خبرته البلاد لعقود، حين جرى اختزال الدولة في جهاز أمني يبرر بقاءها بالخطر الدائم من عدو خارجي .
بهذا المعنى، لا تستغل قسد شعار محاربة الإرهاب فحسب، بل تفرغه من مضمونه السياسي، وتحوله إلى أداة لإدامة حالة استثنائية بلا نهاية واضحة، تنتهي حتماً بالانفصال. والأسوأ أن هذه المقاربة، بدل أن تعزّز الأمن، تُنتج بيئة هشّة على المدى المتوسط والبعيد. فغياب الأفق السياسي، وتغييب الشراكة الوطنية، وتهميش المجتمعات المحلية، كلها عوامل ثبت عمليا أنها تغذي التطرف بدل أن تقضي عليه.
المفارقة أن هذا المسار يعيد إنتاج جوهر النموذج الذي ثار عليه السوريون في 2011: دولة تُدار بالخوف لا بالمواطنة، وبالأمن لا بالسياسة. الفارق الوحيد هو اللغة المستخدمة لغة حداثية شكلها عقد اجتماعي وحقوقي ملامح تبدو جذابة في ظاهرها، لكنها تخفي بنية سلطوية، لا تقل إقصاءً وخطورة عن النموذج الذي سبقها ،
سورية ما بعد الثورة، لا يمكن أن تُبنى على مشاريع انفصالية تتقن تبرير أكاذيبها و تتلون كالحرباء ، ولا على عقود مفروضة بقوة السلاح، ولا على أمنٍ معزول عن الشرعية الوطنية. الدولة القادمة، إن كُتب لها أن تقوم، إما أن تُؤسس على عقد اجتماعي وطني جامع، يشمل كل الجغرافيا السورية، ممثلاً بدستور حقيقي، يعيد تعريف المواطنة ويضمن العدالة السياسية والثقافية، أو ستبقى رهينة سلطات أمر واقع، تتنازع فيه الأشكال السياسية حروب إثبات ذات فقط ، و تنتج عدم الاستقرار بديمقراطية كاذبة و محاربة إرهاب يخنق المجتمع المدني والأهلي في الجزيرة السورية ،
خارج هذا الأفق، لن يكون العقد الاجتماعي سوى تزوير سياسي للمفهوم، ولن تكون محاربة الإرهاب سوى وظيفة ضحيتها جزء من الكورد، يقدمون مجاناً لأعداء سورية زعزعة استقرار وحكم مليشيات، يبقي أمن ووحدة سورية مهدداً، لا بخصومها فقط، بل بالمشاريع التي تتعامل مع الدولة بوصفها تفصيلاً صغيراً يمكن الالتفاف عليه.
- كاتب سوري


























