أعلن حزب العمّال الكردستاني (في مايو/ أيار 2025) حلَّ نفسه والتخلّي عن السلاح استجابةً لدعوة زعيمه، عبد الله أوجلان (المسجون في تركيا منذ 1999)، بعد نحو 40 عاماً من الصراع المسلّح، تخلّلتها فترات هدنة مع السلطات التركية والعراقية والإيرانية. وقد قوبل ذلك بترحاب كبير في تركيا، كما في كردستان العراق. أمّا الموقف في شمال شرقي سورية من هذا التطوّر، حيث الإدارة الذاتية الكردية المرتبطة بحزب العمّال، فقد اتسم بالاضطراب والتمويه، وصولاً إلى رفض التخلّي عن السلاح ورفض الاندماج بالدولة السورية في عهدها الجديد، على الرغم من اتفاقٍ على الاندماج وقّع على أعلى مستوى مع دمشق في ما عُرف بـ”اتفاق 10 مارس” (2025).
تمسّكت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بمطلب الانضمام إلى وزارة الدفاع كتلةً قائمةً بذاتها، مع المطالبة بمناصب قيادية في الوزارة، وهو ما يخالف التوجّه إلى حل سائر المنظمات والفصائل العسكرية والمسلحة، وانضواء أفرادها ومرتباتها في وزارة الدفاع. وقد استغلّت “قسد” وقوع الأحداث الشنيعة في منطقة الساحل ومحافظة السويداء، التي ذهب ضحيتها مدنيون كثيرون إضافةً إلى أعداد ليست قليلة من جنود الجيش السوري ورجال الأمن، كي تتمسّك بموقفها من الحفاظ على كتلتها العسكرية، وقوامها نحو 60 ألف مقاتل، كياناً قائماً بذاته.
وبنظرة سريعة إلى الوراء، تشكّلت قوات سوريا الديمقراطية في عام 2015 في ذروة أحداث الثورة السورية، وعشية التدخّل الروسي واسع النطاق، ومع تمدّد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في أنحاء مختلفة من سورية. وأقامت في مناطقها إدارةً ذاتية، وتمتّعت بدعم أميركي سنوي بعشرات الملايين من الدولارات مقابل التجنّد لمكافحة “داعش”. وكان التنظيم الإرهابي آنذاك يشنّ حملات محمومة ضدّ الجيش السوري الحرّ كما ضدّ المدنيين. ونجحت الإدارة الذاتية في إقامة علاقات مع روسيا وإيران. ووسط هذه التشابكات، طرحت “قسد” نفسها قوةً ثالثةً بين نظام الأسد والمعارضة المسلحة. ولم توفّر جهداً في الاشتباك مع قوى الثورة السورية بدعوى أن هذه قوى إسلامية، وهو ما أتاح لها أرضيةً مشتركةً من التخادم مع النظام القائم، رغم الخلاف معه بشأن درجة استقلالية الإدارة الذاتية عن المركز في دمشق. وفي تلك الفترة كانت “قسد” توفّر شحنات النفط للنظام من الحقول التي تسيطر عليها.
حرصت السلطات على تأمين المدنيين وإخراجهم من بؤرة الاشتباكات، وقد استجاب سكّان أحياء الأشرفية وبني زيد والشيخ مقصود لدعوة الخروج
وفي مسارها هذا، كانت أدبيات “قسد” ومجلسها السياسي (مسد) تتحدّث عن سورية ديمقراطية موحّدة وعلمانية، بينما كانت توطّد ركائز استقلالها عن الوطن السوري، فيما تخوض معارك متلاحقة مع “داعش” من جهة، ومع فصائل المعارضة المسلحة من جهة ثانية، وهو ما قلّص الخلافات مع النظام في دمشق. وقد تميّزت مرحلة سقوط نظام الأسد بتوجّس من “قسد”، التي حاولت عرقلة تقدّم فصائل عملية ردع العدوان في حلب من دون أن تنجح في ذلك، كما أشار إلى هذا الرئيس أحمد الشرع في مقابلته المحجوبة مع قناة شمس الكردية. وفي المقابل، سلّم عديدون من ضبّاط النظام وجنوده أسلحتهم لـ”قسد”، كما سلّموهم بعض المناطق في غضون تقهقرهم. وقبل أسابيع، تردّدت أنباء عن التحاق أعداد كبيرة من فلول النظام بـ”قسد”، بما يمثل (إن تأكّد) محاولةً للعودة إلى الوراء وتأجيج ثورة مضادّة، وهو ما أقرّ به مسؤول في هذه القوات، مع أن اتفاق 10 مارس ينصّ على مكافحة هذه الفلول. ولم يكن الأمر يقتضي تنصيصاً على ذلك؛ فالشعب الذي رحّبت أغلبيته الكاسحة بسقوط النظام لن يرتضي إعادة تعويم بعض مكوّنات النظام، وخصوصاً الأمنية والعسكرية منها.
ويمتدّ الرفض الشعبي ليشمل نزعة الاستعراض العسكري وتوتير الأجواء والتهديد بصراع واسع النطاق، فيما تتجه التطلعات إلى التعافي الاقتصادي والاستقرار الأمني وبناء نظام تشاركي لا يستبعد أحداً من المكوّنات. وقد جاءت المظاهر المصاحبة لمعارك حلب أخيراً لتشهد على افتراق “قسد” عن التوجّهات التي تجمع السوريين، بمن فيهم المكوّن الكردي. فقد افتعلت “قسد” هذه المعارك بعد يومين من زيارة قائدها مظلوم عبدي دمشق، لم تنته إلى جديد بشأن القبول بدمج القوات الكردية، رغم تنازلات أبداها الطرف الحكومي. وقد شاءت “قسد” الضغط على الحكومة ومفاوضتها بالسلاح في حلب، وهو ما فتح ملف وجود هذه القوات في جزءٍ من مدينة حلب مساحته نحو ربع مساحة الشهباء.
استغلّت “قسد” الأحداث الشنيعة في الساحل والسويداء لتتشبّث بالحفاظ على كتلتها العسكرية
حرصت السلطات على تأمين المدنيين وإخراجهم من بؤرة الاشتباكات، وقد استجاب سكّان أحياء الأشرفية وبني زيد والشيخ مقصود لدعوة الخروج، ولم تمضِ سوى خمسة أيام حتى عادوا، تغمرهم الفرحة بعدما نُزعت الألغام. ومع انقشاع غبار المعارك ثار التساؤل: ما الذي كانت تفعله “قسد” في تلك الأحياء السكنية؟ وما مبرّر وجودها هناك؟ هل لأن نسبة كبيرة من الأكراد تقطن هذه الأحياء؟ وما العمل مع مناطق سكنية تسكنها مكوّنات أخرى؟ هل تنتشر قواتٌ مسلحة لفرض الأمن الذاتي هنا وهناك لكل مكوّن، على غرار ما فعلته “قسد” في حلب، أم أن الحاجة قائمة إلى أمن وطني موحّد يحمي المواطنين جميعاً ويسهر على الأمن وفق منظومة أمنية عصرية متّفق عليها؟
ومن المؤسف أنه بينما تُكتب هذه السطور، تتوالى الأنباء عن تحشّدات شرقي حلب بين الجانبين استعداداً لجولات جديدة، بعد رفض “قسد” إخلاء مواقعها هناك، فيما يدعو الراعي الدولي لـ”قسد” إلى ضبط النفس، وإلى عدم الانسياق إلى المواجهات المسلحة واللجوء إلى الحوار والتفاوض.
لم تكن السلطات في دمشق منزّهة عن ارتكاب الأخطاء، وخصوصاً في انغلاقها على الحوار مع القوى السياسية والفكرية (لم تُجرِ على سبيل المثال اجتماعات مع الأكاديميين والإعلاميين والفنّانين والكتّاب ورموز المجتمع المدني وبقية صانعي الرأي العام)، مع العزوف عن إجراء انتخاباتٍ في البلديات والجمعيات والاتحادات والنقابات. ومن المفارقة أن دينامية السياسة الخارجية وما تتسم به من زخم، والكفاءة العالية في مكافحة الجرائم الجنائية والاتجار بالمخدّرات وتعقّب فلول النظام (ما يثير الإعجاب حقاً)، يقابلها للأسف ضمور وفراغ في الحياة السياسية الداخلية. … وفي مثل هذه الأجواء، وبعيداً عن حوارات وطنية جادّة وجامعة، تنشط ظواهر شديدة السلبية، مثل عنجهية “قسد” واستعراضاتها العسكرية الخطيرة، أو استشراء النزعة الانفصالية في مناطق أخرى، وهذا من دون التقليل من أثر العامل الخارجي (الإسرائيلي والإيراني) في إذكاء هذه الأنشطة.
- العربي الجديد


























