-
-
1
بُني جسر الرقة القديم بين منتصف شتاء ونهاية ربيع عام 1942، على يد وحدات هندسية بريطانية ومن قوات فرنسا الحرّة، التي كانت بحاجة إلى معبر على الفرات يُسهّل تقدمها من العراق نحو الشامية السورية في خضم الحرب العالمية الثانية. كانت عملية البناء معقّدة، بدأت من الضفتين في آنٍ واحد للالتقاء في منتصف النهر، واستُخدِمت فيها قساطل معدنية جُهّزت بخردة أنابيب من شركة نفط العراق، إلى جانب مخلفات حربية متنوّعة. بعد الاستقلال أُلبِسَ نصف الجسر الجزراوي هيكلاً إسمنتياً، ثم حُقنت دعاماته بالباطون. وبعد أن خسر أهميته لصالح «الجسر الجديد»، الأعرض والأمتن، الذي بُني بإشراف فني يوغسلافي أواسط الستينيات، أُغلقَ الجسر القديم طويلاً أمام السيارات خلال الثمانينيات والتسعينيات، قبل أن يُعاد فتحه أمام السيارات الصغيرة مطلع الألفينات.
من نشأته بقيت لوحة تذكارية بالإنكليزية في طرفه الجزراوي تروي سيرة بناء الجسر، كما بقيت حجرات إسمنتية للحراسة على طرفيه فيها فتحات قنّاصة. وعنه أُلِّفت أغنية «من فوق جسر الرقة سلّم عليّا بايده». لعقدين ونيف كان هو جسر الرقة، قبل أن يصير جسراً «عتيجاً» يقابله غرباً جسر جديد يصل بينهما كورنيش من الضفة الجزراوية بطول كيلومترين.
قصفَ طيران التحالف الدولي جسري الرقة في أوائل شباط (فبراير) 2017، خلال عملية عزل المدينة تمهيداً للمعركة ضد تنظيم داعش الإجرامي. وخلال حكم قسد، وبدعم أميركي، جرى إصلاح الجسرين: القديم بشكل مهلهل وغير سليم هندسياً، والجديد بتأنٍ أكبر، مع زركشة وألوان وبريق أكثر. صباح أمس الأحد، وقبيلَ انسحابها من المدينة، فجّرت قوات قسد الجسرين المُرمَّمين، وكأنها تتأكد من ألا تترك شيئاً من عهدها يُتحسَّر عليه.
بجسور مدمّرة ابتدأَ حكمُ قسد لمدينة الرقّة، وبجسور مدمّرة انتهى.
2
كانت قوات سوريا الديمقراطية قوات المشاة في حرب التحالف الدولي لطرد تنظيم داعش الإجرامي من الرقة. كانت حرباً ذات أساس عادل، استهدفت تنظيماً مُوغِلاً في الوحشية، بلغ في مشهدية القتل والتمثيل بالموت مصاف البورنوغرافيا. ومن سوء حظ الرقة أن ولادة داعش في حربه الأهلية الجهادية مع جبهة النصرة حصلت فيها، وأن التنظيم تمترس في المدينة بعد حرب مطلع 2014 التي نجحت في دحره من حلب وإدلب. ورغم عدالة الحرب ضد داعش، ورغم كون أهل الرقة المادة الأولية التي مارس عليها التنظيم تفننه في القتل والتنكيل والتمثيل بالجثث، فقد حُرموا من اعتبارهم شركاء في تلك الحرب، وعُومِلوا، هم ومدينتهم، كأعداء خلال حرب صيف 2017. دُمِّرت النسبة الأوسع من المدينة، وقُتل آلاف من أهلها وأهل ريفها القريب في قصفٍ عديم الاكتراث بمصير المدنيين.
بعد انتصار التحالف واندحار داعش، تصرّفت قسد كقوة احتلال في المدينة. استثمرت في التحطّم الاجتماعي لمدينة مكلومة لتزيده تحطيماً، وتحت عناوين برّاقة مُستعارة من أدبيات ما بعد الحداثة وتنظيرات أوجلان الأحدث، حكمَ تنظيمٌ ستالينيٌ قمعي المدينة عبر ممارسة إبادة سياسية تامة لسكانها، وحصارهم في لا-ذات صامتة، سالبة، لا تبحث إلا عن العيش، وفقط العيش، بلا صوت. أي نشاط سياسي سابق كان سبب قمع أو نفي، وأي نشاط حالي -خدمي وتنموي حصراً- خارجَ الأطر الضيقة المتاحة يُعرِّضُ صاحبه لتهمة الانتماء إلى داعش.
اعتُقلَ أحمد الهشلوم، مدير مبادرة تنموية صغيرة ومُرخَّصة من سلطات الأمر الواقع، في شباط (فبراير) 2020 مع ثلاثة من زملائه. رُكِّبَت لهم ملفات مغرقة في البوليسية حول أدوار قيادية مزعومة في داعش، ونشرت وكالة تابعة لقسد تأكيداً أن الهشلوم نفسه «أمير» في التنظيم. بعد أسابيع طويلة من الاعتقال والتنكيل، أُطلق سراحهم بتدخل من التحالف الدولي. وبعد فترة قصيرة اضطرَ الهشلوم إلى مغادرة الرقة تحت التهديد، ويعيش اليوم في دمشق محروماً من بيته وأهله.
وفوق المَحق السياسي الكامل للسكان، وخنقِ أصواتهم وإراداتهم، وتغريبهم عن شؤون مدينتهم وبلدهم، امتلأت المدينة بديكورات «الإدارة الذاتية» وكومبارساتها: بالمجالس والمؤتمرات واللجان، وبالتجمعات واللقاءات والتظاهرات للمطالبة بحرية القائد آبو، بمشاركة متحمسة من زمرة من الرجال «لابسين عرب» وبشوارب غليظة، لعبوا بكثير من الحماس وبانعدامِ كرامة دورَ الديكور البليد في المشهديات المزركشة، و«انشقَّ» جُلّهم عن قسد بين مساء أول أمس السبت وأمس الأحد.
وفي إدارة الشؤون العامة، ساد اقتصادُ محاسيب وفساد فاحش قد يُفسِّر، ولو جزئياً، الاندحار السريع الذي حصل.
مع سقوط نظام الأسد، أوغلَ سلوك قسد كقوة احتلال في المدينة في اللامعقولية. كان هناك توقٌ عامٌ لدى أهل الرقة، المقيمين والنازحين داخل سوريا وخارجها، لأن يكونوا جزءاً من سوريا المُحتمَلة بعد سقوط الأسد. لم يُسمح لهم بذلك. لم تُحترَم إرادتهم، وقُمعت احتفالات الأيام التي تلت سقوط النظام نهاية 2024، بما في ذلك فتح النار مباشرة على متظاهرين في وسط المدينة وسقوط قتلى بينهم. كما قُمعت مظاهرات احتفالية باتفاق عبدي–الشرع في آذار (مارس) الماضي. وباسم محاذير أمنية خُلبيّة، مُنعت الاحتفالات بالذكرى الأولى لسقوط النظام، فاحتفل أهل المدينة داخل منازلهم أو ملثمين في «مظاهرات طيّارة». كان باقي البلد في عام 2025، بكل فظاعته وعظمته؛ في حين كانت الرقة مرمية في هوتة عام 2012 لا نهاية له.
بين هذه الأحداث لم تتوقف حملات الاعتقال، سواء بغرض التجنيد الإجباري أو لأسباب سياسية. عبدالله دربوك مُغيَّب قسراً في سجون قسد منذ أكثر من أربعة أشهر ولم يظهر بعد. وفتح سجن التعمير أرانا مشاهد فظيعة لزنزانات مكتظة بالنساء والأطفال الصغار، يبقى في عهدة المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية أن تكشف عن معاناتهم وتُعينهم على حياتهم بعد هذه المحنة.
أمس، وقبل أن تدخل سيارة عسكرية واحدة تابعة لقوات السلطة المركزية المدينة، وفيما كان أهل المدينة بلا مياه، وتحت رحمة قنّاصة قتلوا عدداً غير محصيٍ بعد من السكان، بينهم طفلة ووالدها أثناء محاولتهما الهرب من منطقة الخطر، كان الإعلام الحربي لقسد يُعلن أن قواته تتصدى لتسرّب عناصر من داعش إلى المدينة. قِسدُ الختام.
3
سيرة قسد في الرقة، وفي ما يُشبهها ديمغرافياً من الجزيرة السورية، هي سيرة ممارسات قوة احتلال. هذا كان يُرى بالعينين.
وكان يُرى أيضاً أن لقصة قسد، كقوة عسكرية فاعلة في سوريا، تضاريسُ كثيرة. فهي النسخة الأخيرة من تطورات بدأت بعسكر الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وأعادت إنتاج نفسها داخل المسار السوري الفظيع، وإن بعينٍ ونصف مشغولةٍ دوماً بتركيا. ومنذ انطلاقتها تحالفت هذه القوة، ضمناً أحياناً وبصراحة أحياناً أخرى، مع جيش الأسد في أكثر من موضع، في الجزيرة وفي ريف حلب. كما كان يُرى بالعينين أن لهذه القوة شرعية كردية، لأنها تمكنت، بدعم لا غبار عليه من التحالف الدولي، من حماية أهلها من إبادة على يد داعش كانت وشيكة. وبالعينين أيضاً أَمكنَ، خلال الأيام الأخيرة، رؤية أن في داخلِ ما عُدَّ دوماً تنظيماً صلباً نفوسٌ وأهواءُ متضاربة. عينان قد لا تكفيان لمشاهدة ما اقترفه أبو عمشة وأضرابه (من ضباط حاليين وقادة فرق في «الجيش العربي السوري» الجديد) في عفرين من نهب وتهجير وقتل واعتداء على نفوس أهلها الأكراد وكراماتهم، بما في ذلك منعهم من الاحتفال بالنوروز، تحت الحجج ذاتها التي استخدمتها قسد لمنع أهل الرقة من الاحتفال بذكرى سقوط الأسد، وبنهج قوّة الاحتلال نفسه. أدوات الأمن القومي التركي هؤلاء ليسوا نكاتاً وأغاني ذاتَ إيقاع لاصق فحسب، بل مجرمون فاقعون ولصوص.
لا يوفر النظر في سِيَرِ عموم فصائل هذا البلد وجيوشه وقوى أمره الواقع كثيراً من الجمال والبهاء، لا بعين ولا بعينين؛ ولا الجماعات الأهلية التي (لا) تمثلها هذه القوى تَظهرُ فعلاً على صورة ملائكة صرفاً، ولا شياطين محضاً.
وبعينين تنظران إلى تاريخ هذا البلد وهذه المنطقة، يجب القول إن الاكتفاء بشعار أن قسد لا تُمثّل الأكراد غير كافٍ لبناء سياسة وطنية سورية، حتى بحدّها الأدنى. لا لأن قسد تمثل الأكراد، ولا لأن العكس صحيح، بل لأن حقوق الأكراد الثقافية واللغوية لم تظهر في خطاب السلطة – ومن الجيد جداً أنها ظهرت – إلا في سياق عمليتها السياسية مع قسد، سواء في اتفاق آذار أو في المرسوم الأخير بعد معارك حلب، ودوماً تحت الرعاية والإشراف الأميركيين. هذه واحدة من خطايا كثيرة في مسار «بناء الدولة» لدى سلطة مسكونة بالمركزية، وبتمركُز فئوي على رمزية عربية–سُنّية إقصائية، وضمن دائرة حكم غير شفافة وشديدة الضيق. وهو ما يرتبط أساساً بأن الحقوق السياسية لعموم السوريين والسوريات لم تظهر، حتى لفظياً، إلا على سبيل الغفلة، سواء في «مؤتمر الحوار الوطني» المُخزي وتحضيراته الهزلية، أو في الإعلان الدستوري، أو في طريقة إعداد «مجلس الشعب».
بعينين نرى أن فرصة أخرى ستضيع إن ساد، مجدداً، زهوُ انتصار فئوي يترك سوريين وسوريات خلفه، ويُعمِّقُ اغترابَ أناسٍ عن مصيرهم ومصير بلدهم. إن كان عزلُ أهلِ الرقة عن الواقع السوري الجديد بعد سقوط الأسد واحدة من خطايا قسد الأشنع، فإننا نرى شَبَه ذلك اليوم في آثار نبرة انتصارية تترك سوريين وسوريات، من كرد ودروز وعلويين وغيرهم، خلفاً. حين وُقِّعَ اتفاق آذار بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي كَتبتُ أن الاتفاق يمكن أن يكون فرصة عظيمة لمستقبل سوريا، كما يمكن أن يذوب في اللاشيء. لم يكن عظيماً، ولا كان لا شيء. وبالنَّسق نفسه، يمكن لاتفاق أمس أن يكون فرصة لمسار تَسوَوي، أكثر سياسة وأقل درامية، يفتح ديناميكية جديدة مختلفة عن عقليات «الحسم» سورياً، وبما فيه نفعٌ للجميع؛ كما يمكن أن يكون لا شيء أو شَبَهه. قسد، بتعدّد نفوسها الداخلية، مسؤولة عن مصيره، لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق «الدولة»، وعلى عاتق المراهنين عليها من فاعلين في الشأن العام. ما جرى خلال الأشهر الماضية في الساحل والسويداء من فظائع يُبيّنُ أن كثرة الكلام العمومي، مهما كان جيداً، لا تكفي حتى لتغليف مقطع «عوّي ولاك» واحد.
4
استخدمتُ في هذا النص تسميتي «الجزيرة» و«الشامية» لوصف ضفتي الفرات: الأولى على يسار جريانه، باتجاه دجلة؛ والثانية على يمينه، باتجاه حلب فالبحر المتوسط وبادية الشام فدمشق. هذه أسماء تاريخية، أقدم من سوريا نفسها، يعرفها أهل المنطقة، كل أهلها. كان مُخزياً شيوع مصطلحات عسكرية من نوع «شرق الفرات» و«غرب الفرات» خلال السنوات الماضية، ومن العيب أن تستمر، وخصوصاً على الألسن الرسمية.
أفدحُ وأعمقُ عيباً أن يُقال عن الجزيرة السورية إنها «الجزيرة العربية»، خاصة من قبل إعلام رسمي ومسؤولين في «الدولة السورية». لا مكان هنا لأي تقريشٍ في نِسَبِ «المكوّنات»: لم تُسَمَّ المنطقة كذلك يوماً، ولم تظهر هذه التسمية إلا نكاية بالأكراد، وفقط نكاية بالأكراد. هذا أَحطُّ استخدامٍ للعروبة، التي تُذَمّ، ويا للعجب، في مقامات أخرى على ألسنة عروبيي النصف-دوام نفسهم.
مؤسف أيضاً الإصرار على استخدام تسمية «الجيش العربي السوري» لوصف القوات التابعة للسلطة المركزية. فلا مقومات جيش قائمة بعد، ولا للعروبة مقامٌ بنّاء، حتى لو افتراضياً، في وظيفة هذه القوات في «سوريا الجديدة»: فلا هي تُقاتل من أجل وحدة عربية، ولا يُتوقَّع أن تواجه أعداء الأمة العربية، ولا أي أعداء خارجيين من أي نوع. لكن السبب الأعمق للنفور من هذا الاسم هو كونه الاسم البعثي–الأسدي الذي ارتُكبت تحته فظائع العقد ونصف العقد الماضيين. سلطة غيّرت كثيراً من رموز البلد دون اكتراث بالإجراءات أو الطقوس أو الشرعية المؤسساتية، كان يُفترض أن تكمل معروفها وتغيّر هذه التسمية المقيتة. لم تفعل. ولا قراءةَ لذلك إلا بوصفه مُثيراً للأسى.
مثيرٌ للأسى كذلك تَلاحُقُ التصريحات الرسمية وشبه الرسمية المُحتفِلة بـ«الموارد» العائدة إلى كنف «الدولة»، ولا سيما النفط والحبوب. في هذا استمرارٌ لسلوك الاستعمار الداخلي الذي مارسته الدولة السورية تاريخياً مع الجزيرة، واستمرارٌ لتغييب ناسها، كل ناسها، كبشر ذوي أهلية وإرادة وتاريخ وكرامة.
استمراريات كثيرة، بنيوية ورمزية، تحتاج إلى عهد قطيعة معها إن كان لهذا البلد أن يبلغ مُستقَرَّه. نحتاج إلى الصراحة، والتواضع، والإيثار، والكرم والكرامة، وجبر الضرر والخواطر. لا تكفي عينان. البلد بحاجة إلى عيون كثيرة. سوريا بحاجة إلى القَطْع مع الفئوية الانتصارية، وإلى مؤتمر وطني تأسيسي يحضر فيه الجميع، كل الجميع، أحراراً ومتساوين.
ونحتاج إلى جسور.
-


























