شهدت الجغرافيا العسكرية شرقي سوريا تحولات دراماتيكية، تمثلت في الانحسار المتسارع لنفوذ “قوات سوريا الديمقراطية” عن معاقلها الاستراتيجية في حلب وغربي الفرات التي احتفظت بها منذ عام 2015. وقد تلازم هذا التراجع مع تغيير جذري في موازين القوى؛ إذ نجح الجيش السوري في العبور نحو الضفة الشرقية للفرات مستعيداً الرقة وحقول الطاقة الحيوية، بالتوازي مع تصاعد نفوذ القوى العشائرية التي فرضت واقعاً ميدانياً جديداً في أرياف دير الزور والحسكة الجنوبية.
هذه التطورات الميدانية، ستؤسس لمرحلة جديدة من السيطرة الميدانية العسكرية مختلفة عما كانت عليه خلال العقد الماضي. ولا شكّ أن هذه التحوّلات الميدانية وما سيليها، سيؤثر في مستقبل سوريا كدولة مركزية موحدة. لكن سيكون لها أيضاً تداعيات استراتيجية في الإقليم؛ أولها تعثّر الاستراتيجية الإسرائيلية لتأسيس “ممر داوود” الذي ارتكز أساساً على فرضية الفراغ الأمني (الدولتي) شرقي سوريا.
يُعد هذا المشروع إحياءً لمخطط قديم يمهد لـ”إسرائيل الكبرى”. وينطلق الممر، وفقاً لمنظري الصهيونية التوراتية، من شمال فلسطين مروراً بهضبة الجولان، ليعبر محافظتي درعا والسويداء، ثم صحراء حمص الشرقية ودير الزور، وصولاً إلى شرق الفرات على الحدود السورية مع تركيا والعراق، وينتهي في كردستان العراق، راسماً حدود دولة مزعومة في عهد النبي داود.
لكن، مع استعادة الجيش السوري السيطرة على دير الزور ومحور الفرات، فقد المشروع حلقته الجغرافية الأهم، إذ لا قيام لـِ “ممر داود” من دون رابط الفرات، مما يضعه أمام طريق مسدود. بالإضافة الى الواقع الميداني المستجد، يمكن فهم تعثّر المشروع الإسرائيلي، وعدم قدرة الأكراد على تحقيق حلم “الكانتون الكردي” المستقل، نتيجة عوامل رئيسية أبرزها ما يلي:
1- الفيتو التركي القاطع: حيث تعتبر تركيا أن تأسيس كيان كردي مستقل (يعدّ بمثابة “إسرائيل ثانية” تدمج كرد سوريا والعراق) أو حتى ذا حكم ذاتي موسع، تهديداً وجودياً وممراً “للإرهاب”، وسبباً مباشراً للحرب (Casus Belli).
2- غياب الرافعة العسكرية الميدانية: من دون احتلال عسكري إسرائيلي دائم أو وكيل محلي موالٍ ومتمكن عسكرياً، يتحول “ممر ديفيد” من خطة استراتيجية إلى مجرد خريطة نظرية.
3- الواقع الديموغرافـي والعشائري: في الشمال الشرقي السوري، ورغم السيطرة الكردية السابقة، لا تزال الغلبة الديمغرافية السكانية للعشائر العربية.
لطالما أعلن الأكراد السوريون أن لهم الحق بالسيطرة على تلك المناطق باعتبارها جزءًا من كردستان التاريخية، وحيث يدّعون أنهم منذ مئة عام فقط كانوا على وشك تحقيق حلم تأسيس الدولة، لولا تغيّر المعادلات الدولية.
لكن، من المفيد ذكره هنا، أن الأراضي السورية لم تكن يومًا جزءًا من كردستان التاريخية، فاتفاقية سيفر لعام 1920 (بحسب الخرائط المنشورة)، والتي يستند إليها الأكراد باعتبارها أول وثيقة دولية تثبت حقهم في تقرير مصيرهم ضمن دولة مستقلة، لا تضم لا من قريب ولا من بعيد أي منطقة سورية. زد على ذلك، لم يتم النزوح الكردي من تركيا إلى سوريا إلا بعد الاقتتال بين الأكراد و”الحركة الكمالية” في العام 1925، ثم توالت الهجرات إلى سوريا فيما بعد. ما يعني أن الظاهرة الكردية في سوريا لم تكن يوماً جزءاً من حركة قومية كردية تاريخية عمرها مئات السنين.
4- الاستراتيجية الأميركية: اصطدمت المحاولة الإسرائيلية لاستخدام الشمال الشرقي (الخاضع للسيطرة الكردية) كركيزة لتأسيس الممر بسياسة الولايات المتحدة. يبدو أن الأميركيين، وسعياً منهم للاستقرار ومنع عودة الفوضى الجهادية، غلّبوا تماسك الدولة السورية على دعم المشاريع الانفصالية الإسرائيلية التي قد تؤجج التهديدات لكل من تركيا والعراق وإيران، وتزيد من زعزعة استقرار المنطقة.
على المستوى الدولي، يمثل الدعم الأميركي للسلطات الحالية في سوريا تحولاً عن استراتيجية “الفوضى الخلاقة” التي طبقتها إدارة الرئيس جورج بوش في العراق بعد 2003. إذ خلصت الإدارة الأميركية الحالية إلى أن سوريا مركزية ومستقرة (تتماهى سياسياً مع المصالح الأميركية لأول مرة في تاريخها الحديث) تخدم مصالح واشنطن أفضل من دولة مفككة تُفرّخ التطرف وتستجلب التدخلات الخارجية.
لكن، من المفيد الإشارة الى أن التباين في الرؤى بين “استراتيجية الاستقرار” الأميركية في سوريا و”استراتيجية التفتيت” الإسرائيلية، لا يعني القطيعة. فالولايات المتحدة ترى أن وجود دولة سورية موحدة بحكومة مركزية يصب في مصلحة الأمن الإسرائيلي طويل الأمد. وهذا التباين لا يلغي استمرار الولايات المتحدة في ضمان “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل، والتغاضي عن حرية عملها وسياساتها التوسعية في الجنوب السوري وجنوب لبنان وفلسطين.



























