خلال الأشهر الأخيرة من العام 2025، بدأت تتشكل ملامح معسكرين كبيرين على مستوى المنطقة، يعيد الفاعلون الرئيسيون فيهما اصطفافاتهم جذريّاً. تلعب السعودية دورا قياديا في تشكيل المعسكر الأول، بعدما أبرمت معاهدة دفاعية مع باكستان في سبتمبر/ أيلول الماضي (بعد أسبوع فقط من العدوان الإسرائيلي على قطر)، يُحتمل انضمام تركيا إليها، نظراً إلى تطور علاقاتها الدفاعية بكل من الرياض وإسلام أباد. ورغم أن مصر ما زالت متردّدة، محاولة إمساك العصا من المنتصف، إلا أن هناك تلاقياً متزايداً لرؤيتها مع الرياض لجهة التهديدات التي تواجهها، خصوصاً في السودان والقرن الأفريقي. في المقابل، تبرُز الإمارات باعتبارها المحرّك الرئيس لتحالف آخر بدأ يتبلور، ويضمّها إلى الهند وإسرائيل، وشكل توقيع اتفاق شراكة استراتيجية دفاعية بين أبوظبي ونيودلهي الأسبوع الماضي أبرز تمثلاته. ورغم أن التحالف الثلاثي (الإماراتي-الهندي- الإسرائيلي) بدأ برعاية أميركية في عهد إدارة الرئيس السابق، جو بايدن، وعقد اجتماعه الأول بصيغة I2U2 عام 2022، وخطا خطوة عملية كبرى إلى الأمام، بعد الإعلان في قمة العشرين في نيودلهي، في سبتمبر/ أيلول 2023، عن إطلاق المعبر الهندي- الشرق أوسطي- الأوروبي، إلا أن التوتر الذي ميز علاقة ترامب مع رئيس وزراء الهند، ناريندا مودي، بسبب إصرار الأخير على شراء النفط الروسي الرخيص الواقع تحت العقوبات، وتفضيل الرئيس الأميركي باكستان، خصوصاً قائد جيشها، الجنرال عاصم منير، الذي التقاه ترامب ثلاث مرّات في ستة أشهر، جعل واشنطن تترك لأطراف التحالف الثلاثي المذكور شأن تطوير تحالفهم، من دون تدخّل منها، علماً أن مستقبل “المعبر الهندي” صار في مهب الريح بعد تفجر الخلاف السعودي- الإماراتي في اليمن.
وفيما تراقب واشنطن تحركات حلفائها، وهم يعيدون تركيب شؤون تحالفاتهم الدفاعية وترتيبها، غير بعيد عنها، تنشغل هي بترتيب أوضاع محور إقليمي آخر، كان تاريخياً في خانة العداء لها. نجاحها الأكبر اقتصر، حتى اللحظة، على سورية التي انتقلت من المعسكر الروسي-الإيراني إلى المعسكر الأميركي، بكل ما يترتّب على ذلك من تغيّرات عميقة في السياسات والمواقف. وفيما تعمل واشنطن على استكمال تفكيك بقية أضلاع هذا المحور ونقله إلى خانتها، بدءاً من إنشاء “مجلس السلام” لإدارة شؤون قطاع غزّة، إلى ضغوطها لنزع سلاح حزب الله في لبنان، وصولاً الى إعادة ترتيب أوضاع العراق، بعيدًا عن النفوذ الايراني، يبقى تركيزها الأكبر منصبّاً على إيران، التي يعدها ترامب “الجائزة الكبرى” في كل “الشرق الأوسط الكبير”، من دون إعادتها إلى حيث كانت قبل سقوط نظام الشاه، لن يكون لكل ترتيبات غرب آسيا، بالنسبة لواشنطن، معنى. هل ينجح ترامب حيث فشل كل الرؤساء الأميركيين من قبله، منذ كارتر؟ يتوقف هذا على أمرين: الأول، قدرة النظام الإيراني على اجتراح مقاربة مغايرة لمقاربة نظام الأسد في التعامل مع المطالب الشعبية، عبر إصلاحات حقيقية، مقنعة، تفوت الفرصة على خصومه لإضعافه، إخضاعه، وربما إسقاطه. والثاني، قدرته على استغلال الصدع الذي يتوسّع بين حلفاء واشنطن الإقليميين. تبدو السعودية، تركيا، وباكستان، وجميعها تريد (بعكس إسرائيل) تجنب حرب جديدة في المنطقة، في موقع فريد للتأثير في قرارات ترامب، الذي يميل بطبيعته إلى الصفقات الرابحة بدل المواجهات العسكرية، المكلفة والطويلة. قد يكون مفيدا هنا أن تتخذ إيران قراراً جدّياً بمراجعة مجمل سياساتها الإقليمية التي نشرت الفوضى عبر المشرق العربي، وأوجدت أعداء غير ضروريين فيها، سبيلاً لإنقاذ ليس إيران فقط، بل المنطقة برمتها، من سياسات الهيمنة الإسرائيلية، التي سترجح كفتها حتمًا في حال سقط النظام في طهران بيد حلفاء إسرائيل. عندها يصبح التحالف الثلاثي رباعيّاً “مميتاً” بصيغة I3U1 (India, Iran, Israel, UAE) بحيث يصبح كل ما شهدناه في غزّة، وغيرها، مجرّد فصل صغير في مأساة رهيبة طويلة.
- العربي الجديد
























