لم تعد الدعوات الصادرة عن قيادات “قوات سوريا الديمقراطية” للتدخل الخارجي مجرد مواقف إعلامية ظرفية، بل باتت مؤشراً سياسياً دالاً على انسداد الأفق الذي يواجه هذا الكيان في لحظة إقليمية مفصلية، تتسم بإعادة ترتيب الأولويات الدولية وتبدّل خرائط النفوذ.
فالتصريحات التي فتحت الباب أمام تلقي الدعم من أي طرف “قادر على المساعدة”، بما في ذلك إسرائيل، تعكس انتقال “قسد” من موقع الشريك المرحلي في ترتيبات دولية محدودة الهدف، إلى موقع كيان يسعى لإعادة تعريف نفسه خارج السياق السيادي السوري، في وقت تُعاد فيه صياغة معادلات الدولة والمرجعية في البلاد.
ويتجلّى هذا التحول بوضوح في تصريحات إلهام أحمد، الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، ولا سيما في مقابلتها مع قناة I24 الإسرائيلية، حين دعت إلى تدخل دولي لصالح “قسد”، مؤكدة لاحقاً وجود قنوات تواصل مع شخصيات إسرائيلية، واستعداد قواتها لتلقي الدعم من “أي مصدر كان”.
هذه اللغة لا تعكس فقط ضيق الخيارات السياسية، بل تكشف انتقال التنظيم من موقع المناورة ضمن هوامش تفاهم دولي معروف، إلى موقع استدعاء الحماية الخارجية المباشرة، في لحظة تتراجع فيها قابلية المجتمع الدولي للتعامل مع كيانات غير مندمجة في إطار الدولة.
هذا التحوّل لا يمكن فصله عن إدراك متزايد داخل قيادة «قسد» بأن الغطاء الأميركي الذي حكم علاقتها بالتحالف الدولي قد بلغ حدوده الوظيفية.
فواشنطن لم تُخفِ يوماً أن دعمها لـ”قسد” كان مرتبطاً حصراً بمكافحة تنظيم “داعش”، لا بإعادة هندسة الدولة السورية أو رعاية كيان سياسي دائم خارج سلطتها.
ومع تغيّر الأولويات الأميركية وبروز الدولة السورية مجدداً كفاعل قابل للتعامل، وجدت قوات سوريا الديمقراطية نفسها أمام واقع جديد لم تُحسن تقدير تبعاته، في هذا السياق، وقد تبدو الدعوات إلى الاستعانة بإسرائيل تعبيراً عن سوء تقدير استراتيجي مضاعف.
فالتجربة القريبة في الجنوب السوري، ولا سيما في السويداء، أظهرت أن التدخل الإسرائيلي لم يستهدف حماية جماعات محلية أو ضمان استقرارها، بل استخدام الانقسامات الداخلية كأداة لإضعاف الدولة ومنع تشكّل سلطة مركزية مستقرة.
وقد أكدت تحقيقات صحافية دولية، أبرزها ما نشرته “واشنطن بوست”، أن إسرائيل تجاوزت الدعم السياسي إلى تسليح وتمويل مجموعات مسلحة محلية بعد سقوط نظام الأسد عام 2024، ما ساهم في تفجير صراعات داخلية دامية ومواجهات مباشرة مع الدولة السورية.
بالتوازي، نفّذت إسرائيل سياسة ميدانية قائمة على فرض وقائع جديدة بالقوة، شملت احتلال مساحات إضافية من الأراضي السورية وتنفيذ مئات الغارات الجوية، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف الدولة السورية في لحظة إعادة التشكّل، ومنعها من بسط سيادتها على كامل أراضيها.
في المقابل، تشير التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا إلى تحوّلين أساسيين.
الأول: يتمثل في قرار أميركي بترجيح دعم الدولة السورية بوصفها الشريك الأكثر قدرة على إدارة المرحلة المقبلة، بدل الاستمرار في الاستثمار في كيان وظيفي محدود الأفق مثل “قسد”.
أما التحول الثاني: فيتصل بقدرة الحكومة السورية على تفادي أخطاء جسيمة وقعت فيها سابقاً، ولا سيما في ملف السويداء، الذي وُصف رسمياً لاحقاً بأنه “فخ إسرائيلي” جرى الوقوع فيه، مع محاولة اعتماد مقاربة أمنية وسياسية أكثر ضبطاً.
ضمن هذا السياق، لا يمكن فهم أزمة «قسد» بوصفها أزمة تفاوضية تقنية أو خلافاً مرحلياً حول ترتيبات أمنية، بل كنهاية نموذج سياسي-أمني ارتبط بمرحلة جيوسياسية باتت من الماضي.
فالعلاقة بين “الدولة الراعية” والوكيل المحلي تُحدَّد بطبيعة الهدف النهائي للدعم، وفي حالة قوات سوريا الديموقراطية كان الهدف الأميركي واضحاً ومحدوداً، مكافحة تنظيم داعش، لا إنتاج كيان سياسي مستقل أو دائم.
تاريخياً، استفاد حزب العمال الكردستاني وفروعه من تقلبات السياق الدولي، متنقلاً بين رعاة مختلفين، غير أن سقوط النظام السابق وتغيّر موازين القوى الإقليمية أنهيا هذه المعادلة بصورة حاسمة.
ومع ذلك، تعاملت “قسد” مع الواقع الجديد بعقلية الماضي، فاختارت الهروب إلى الأمام وطلب الحماية من الخارج، بدل إعادة التموضع ضمن الإطار الوطني السوري.
بالنسبة لدمشق، يشكّل أفول “الإدارة الذاتية” نقطة تحوّل استراتيجية في مسار المرحلة الانتقالية، إذ يقطع الطريق على سيناريوهات التفكيك، ويغلق الباب أمام رهانات فلول النظام المخلوع، ويعزّز فرص استعادة السيادة المركزية وفتح مسار إعادة الإعمار. كما يحمل هذا التحول دلالات إيجابية على مستوى السياسة الخارجية، سواء لجهة تعميق التنسيق السوري-التركي، أو إعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة على قاعدة الدولة الواحدة.
أما بالنسبة لـ«قسد»، فقد تقلّصت خياراته إلى حدّها الأدنى: إمّا القبول بالاندماج ضمن مؤسسات الدولة وفق شروطها، بما يحفظ حداً من المشاركة السياسية ويخفف الكلفة الأمنية، أو الانزلاق إلى مسار تصادمي عالي الكلفة لن يكون في مصلحتها على المدى المتوسط.
ما تكشفه التصريحات الأخيرة لقادة قسد هو انتقال واضح من موقع الفاعل إلى موقع المبرِّر، ومن منطق المبادرة إلى منطق الدفاع. وما تواجهه اليوم ليس مجرد أزمة تفاوض، بل نهاية زمن الكيانات الوظيفية، في لحظة يُعاد فيها بناء الدولة السورية على قاعدة السيادة والمرجعية الواحدة: إمّا الاندماج في هذا المسار، أو الخروج من المشهد السياسي.
- الثورة السورية






















