يستعرض المقال أسباب التراجع السريع لقسد، باعتباره تفككاً في بنية التنظيم أكثر من هزيمة عسكرية، كما يرسم ثلاثة سيناريوهات محتملة للأزمة.
منذ توقيع اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لم تُسفر المفاوضات بين الطرفين عن أي نتائج ملموسة حتى نهاية العام نفسه، وهو الموعد الذي كان من المفترض أن يُستكمل فيه تنفيذ بنود الاتفاق. تعثّر المفاوضات يعود لأسباب عدة أهمها: تمسّك قيادة «قسد» بمطالب اللامركزية الواسعة، وسعيها إلى دمج قواتها في الجيش السوري ككتل وتنظيمات، إضافة إلى اشتراطها الاحتفاظ بجزء من عائدات الموارد النفطية في مناطق سيطرتها، والانقسام في قيادة الصف الأول، حيث يهيمن “حزب العمال الكردستاني” على صناعة القرار، ويرفض الحلول السياسية.
مع مطلع كانون الثاني/يناير 2026، انتقل التعثّر في ملف المفاوضات إلى تحرّكات ميدانية متسارعة، عقب اندلاع مواجهات عسكرية محدودة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب، انتهت بخروج قسد إلى شرق حلب، لكن سرعان ما امتدت تداعيات المواجهة في حلب إلى شمال شرقي سوريا. وانتهى الأمر بفرض الحكومة السورية سيطرتها على محافظتَي الرقة ودير الزور، بما في ذلك حقول النفط الرئيسية.
في 18 يناير، توصل الطرفان لاتفاق دمج عناصر قسد بشكلٍ فردي في وزارة الدفاع، وإخراج عناصر حزب العمال الكردستاني، لكن الاتفاق لم يُثبّت بسبب محاولة مظلوم عبدي تعديل البنود وسط أنباء عن خلافات حادة داخل قيادة “قسد”، لا سيما تيار قنديل الذي يدفع باتجاه رفض أي حل سياسي، وعلى إثر ذلك عادت الاشتباكات والتوترات للاشتعال مرة أخرى على الجبهات. وفي 20 يناير أعلنت الرئاسة السورية مساء التوصل لـ “تفاهم جديد”. قضى بوقف إطلاق النار لمدة 4 أيام ، ومنح “قسد” مهلة لوضع خطة دمج تفصيلية، وبعد انتهائها أعلنت وزارة الدفاع السورية تمديد وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.
يمكن القول إن ما جرى خلال الأسبوع الفائت، لا يمثل انهياراً عسكرياً، وإنما تفككاً في بنية تنظيمٍ انتهت وظيفته.
أسباب وعوامل التراجع
- أحد العوامل الأساسية لهذا التفكك يتمثل في التناقض الديموغرافي بين القيادة الكردية لـ«قسد» والحواضن الاجتماعية العربية الواسعة في مناطق سيطرتها، ولا سيما في دير الزور والرقة. فعلى الرغم من سيطرتها على المنطقة لسنوات، لم تنجح «قسد» في بناء عقد اجتماعي مع العشائر العربية وإشراكهم في إدارة المنطقة، واعتمدت بدلاً من ذلك، بدرجة كبيرة، على القسر والإكراه، ما أدى إلى تراكم توترات واشتباكات واعتقالات لكثير من أبناء المحافظتين. وبتقدم قوات الجيش السوري، انكشفت قسد بلا حاضنة اجتماعية، وتحوّلت العشائر لقوة حليفة في الخطوط الأمامية شاركت في السيطرة على مناطق واسعة، وأفقدت «قسد» أحد شروط الصمود في أي مواجهة طويلة.
- إلى جانب ما سبق، جعل اعتماد قسد منذ تأسيسها على الدعم الأميركي قدرتها على التحرّك مرهونة بعلاقات الداعم الخارجي وتحوّلاته، ومع بروز اتجاه واضح لدى واشنطن، منذ توقيع اتفاق 10 آذار، يدفع نحو دمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية، وإنهاء “الإدارة الذاتية”، فقدت القيادة العسكرية والسياسية لـ«قسد» غطاءها الدولي، الذي كان يوفّر لها هامش المناورة والاستمرار كقوة مستقلة وانتهت وظيفتها كما أشار المبعوث الأميركي إلى سوريا.
- يُضاف إلى العامل السابق، حساسية هذا الملف بالنسبة لتركيا، وحرص إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أولوية الشراكة مع أنقرة التي تنظر إلى «قسد» بوصفها تهديداً لأمنها القومي، وتعتبرها امتداداً «لحزب العمال الكردستاني»، وهو ما دفع واشنطن إلى تسوية تفضي بإنهاء «قسد».
- شكّل تحرّك دمشق سياسياً في هذا الملف خطوة مهمة أيضاً، إذ أسهم صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 في 16 يناير، الذي ألغى آثار إحصاء 1962 ومنح الجنسية لجميع الأكراد بمن فيهم مكتومو القيد، في فصل المسألة الحقوقية الكردية عن المشروع المسلح، وإضعاف قدرة قسد -جزئياً- على التعبئة والحشد داخل بيئتها. بإصدار المرسوم، سدت الحكومة الذرائع التي كانت «قسد» تستند إليها لتبرير استمرارها كقوة عسكرية تدافع عن حقوق الأكراد.
- أما السيطرة السريعة على الموارد الاستراتيجية في محافظتَي الرقة ودير الزور، وعلى رأسها حقول النفط فأفقدت قسد أهم صناديقها التمويلية، والورقة التي كانت تفاوض دمشق عليها.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن ما جرى خلال الأسبوع الفائت، لا يمثل انهياراً عسكرياً، وإنما تفككاً في بنية تنظيمٍ انتهت وظيفته. لا تزال لدى قسد قوة عسكرية في المناطق التي توجد فيها حالياً (الحسكة-القامشلي)، وتشير المعطيات على الأرض أنها لن تلتزم بتنفيذ اتفاق 20 يناير، وستحاول الحصول على مزيدٍ من الوقت، أو إعادة التفاوض على آليات التنفيذ، ما يجعل احتمال تجدد المواجهة قائماً بدرجة كبيرة.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير شمال شرقي سوريا وعملية بناء الدولة السورية الموحدة، ويبدو أن المنطقة أمام خيارين: إما تسوية سياسية، أو مواجهة عسكرية تحسم الملف.
السيناريوهات المتوقعة
تشير المعطيات الحالية إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة بعد انتهاء مهلة التمديد: يقوم الأول على الدمج التدريجي عبر اعتماد الحسكة نموذجاً أولياً، أما الثاني فيتمثل في الحسم العسكري إذا تعثّر مسار الدمج واستمرت الخروقات، أما الثالث فيقوم على قبول قسد الكامل وغير المشروط لاتفاق 18 يناير والبدء بتنفيذه.
السيناريو الأول: الدمج التدريجي على أساس “نموذج الحسكة” (الأرجح)
نصّ تفاهم “20 يناير” على دمج محافظتَي الحسكة والقامشلي ضمن مؤسسات الدولة، وعلى هذا الأساس، يقوم هذا السيناريو على اعتماد الحسكة كمساحة اختبار قبل الانتقال إلى القامشلي، بحيث يبدأ الدمج بصورة “محكومة وتدريجية”، كأن تكون الشرطة من أبناء المنطقة، وعودة مؤسسات الدولة وخدماتها، مع عدم دخول الجيش إلى مراكز المدينتين، مقابل تثبيت سيادة الدولة على المعابر والطرق الرئيسية. وفي ظل هذا السيناريو، تكون منطقة عين العرب كمساحة ضغط عملياتي لضبط مسار التفاوض، من دون أن تتحول إلى مواجهة عسكرية كبيرة.
يترجّح هذا السيناريو نتيجة لعدة عوامل أبرزها أنه يخدم ما تريده الحكومة التي تسعى لبسط سيادتها من دون الدخول في معركة عسكرية. كما أن النموذج التدريجي يوفر فرصة لاختبار آليات الدمج وتصحيح الأخطاء قبل التعميم، ويقلل من المخاوف لدى سكان المدينتين عبر تقديم نموذج عملي يثبت جدية الحكومة في تقديم الضمانات الأمنية. كما أن قسد تدرك أن موازين القوى تغيرت كلياً لصالح الحكومة، وأن الاستمرار في المواجهة سيؤدي حتماً لخسائر أكبر، ما قد يدفع البراغماتيين منهم للانشقاق عن التيار المتشدد وقبول الدمج كخيار للحفاظ على ما تبقى.
في المقابل، يضعف احتمال هذا السيناريو عاملان: عدم الانضباط داخل قسد، واستمرار التعزيزات والنفير، ما قد يقوّض الثقة المتبادلة سريعاً؛ وثانياً محدودية صبر الحكومة إذا رأت أن الدمج يتحول إلى غطاء للمماطلة أو إعادة التموضع. أي تصعيد عسكري واسع (مسيّرات، استهداف مدنيين، احتكاك مباشر في الحسكة) يُعرضه للفشل.
السيناريو الثاني: الحسم العسكري (احتمال مترفع)
يفترض هذا السيناريو عدم قبول قسد بتنفيذ اتفاق 18 يناير بعد انتهاء المهلة أو عدم تمديدها لفترة إضافية، وهو سيناريو مرجّح الحدوث بنسبة مرتفعة ومتزايدة مع الوقت، فيمكن أن يُفعّل مباشرة في حال فشل المسار السياسي أو استمرار الاستفزازات العسكرية، أو بسبب فشل السيناريو الأول (الدمج التدريجي) أو استحالة تحقق السيناريو الثالث (قبول قسد)، إذ إن استمرار الوضع الحالي من دون حل نهائي غير قابل للاستمرار، وبذلك يبقى هذا السيناريو حاضراً كخيار بديل وجاهز.
ما يرجّح السيناريو تراكم الخروقات الميدانية، وعجز قيادة قسد عن ضبط العناصر والفرق المتشددة، واستمرار وصول التعزيزات بما قد يُفسَّر في دمشق على أنه استعداد لمواجهة عسكرية لا لتسوية سياسية، كما أن إصرار الحكومة على الاندماج بشروطها، ورفضها قيام أي صيغة سيادة منقوصة، يجعل الحسم العسكري خياراً منطقياً إذا استُنفِدت فرص التفاوض، وباتت بلا فائدة.
عسكرياً فإن كفّة الميزان تميل لجانب الحكومة السورية، فالموقف الدولي في صالحها، والجيش يملك زخماً نفسياً عالياً بعد الانتصارات السريعة في دير الزور والرقة، ويحظى بدعم عشائري واسع، ويسيطر على خطوط الإمداد الرئيسية، ويملك تفوقاً جوياً، في المقابل، خسرت قسد عمقها الجغرافي، ومعنويات قواتها منخفضة بعد الهزائم المتتالية، وتعاني من انشقاقات متواصلة، ومع ذلك لديها قدرة خبرة قتالية عالية في حرب العصابات، وتقاتل على أرضٍ قامت بتحصينها وحفر الأنفاق بها، كما أن معبر “سيمالكا” في الحسكة مع كردستان العراق يوفر لها إمداداً بشرياً ولوجستياً.
كلفة هذا السيناريو ستكون خاسرة للطرفين، وهو ليس أولوية للحكومة، وإذا حصل، فسيكون نتيجة لفشل الخيارات السياسية الأخرى. تفضل الحكومة التسوية لتجنب التكاليف الباهظة، وهو ما ظهر منذ توقيع اتفاق 10 آذار 2025، والتسهيلات اللاحقة التي قدمتها لقسد بعد الاتفاق لحثها على توقيعه. ومع ذلك، فإن دمشق لن تقبل باستمرار الوضع الحالي إلى ما لا نهاية، وأمام قسد وقت محدود لاتخاذ قرار على ما يبدو: إما القبول باتفاق 18 يناير، أو المواجهة التي نتائجها شبه محسومة عسكرياً.
السيناريو الثالث: قبول قسد باتفاق 18 يناير (الأقل احتمالاً)
يفترض هذا السيناريو قبول قسد الكامل وغير المشروط لاتفاق 18 يناير، والبدء فعلياً بتنفيذ بنوده من دون مماطلة أو تعديل، مقابل فقط طلب ضمانات أمنية من الحكومة ورعاية دولية للاتفاق كطرف ثالث ضامن، وهو أقل السيناريوهات الثلاثة احتمالاً، لأن المؤشرات الميدانية والسياسية الحالية لا تتفق معه، كاستمرار وصول دفعات شبابية من كردستان العراق استجابةً للنفير العام الذي أطلقته قسد قبل أسبوعين، واستدعاء عناصر من حزب العمال الكردستاني من جبال قنديل، يشير بوضوح إلى أن قسد تستعد للقتال وليس للتفاوض، بالإضافة إلى الاشتباكات المتقطعة بين الطرفين، والخروقات المتكررة، فقد استهدفت قسد مواقع الجيش والمدنيين بأكثر من 40 مسيرة انتحارية خلال يومين (25-26 يناير).
العقبة أمام هذا السيناريو، وهو ما يجعله الأقل احتمالاً، تكمن في الانقسام الداخلي داخل قسد. تيار قنديل، المرتبط تنظيمياً وأيديولوجياً بحزب العمال الكردستاني، يرفض أي تسوية سياسية تؤدي لإنهاء وجوده في سوريا. هذا التيار يفضل القتال على الاستسلام، ويملك نفوذاً وتأثيراً في البنية القيادية والعسكرية للتنظيم. في المقابل، يميل مظلوم عبدي ورفاقه إلى قبول التسوية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن قدرته على فرض هذا الخيار أمام المعارضة الداخلية محدودة. وقد وصلت الخلافات بين الطرفين إلى حد الأزمة، كما ظهر في اجتماع 19 يناير حين حاول عبدي تعديل بنود اتفاق 18 يناير بسبب رفض تيار قنديل تنفيذ شروط الاتفاق.
في النهاية، الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير شمال شرقي سوريا وعملية بناء الدولة السورية الموحدة، ويبدو أن المنطقة أمام خيارين: إما تسوية سياسية، أو مواجهة عسكرية تحسم الملف.
- تلفزيون سوريا
























