هل يجب تعليق اتفاق الامتياز الممنوح لمجموعة موانئ دبي العالمية، لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس، على خلفية الفضيحة المتعلقة بالصلة الشخصية التي ربطت رئيس المجموعة التنفيذي السابق، سلطان أحمد بن سليّم، برجل الأعمال الأميركي المدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين؟ هذا السؤال كان موضع نقاش أو تلميح جدّي، من جانب عدد من المراقبين والنشطاء بالشأن السوري، خلال اليومين الفائتين.
وكما هو معلوم، فقد علّقت مؤسستان دوليتان بارزتان، أعمالهما، مع “موانئ دبي”، جراء فضيحة العلاقة بين ابن سليّم وإبستين. وطلبت كل من المؤسسة البريطانية للتنمية والتمويل وصندوق التقاعد الكندي، من “موانئ دبي”، اتخاذ “الإجراءات المطلوبة”. وسريعاً، تجاوبت المجموعة الإماراتية مع الضغوط عبر إعلان استقالة ابن سليّم من منصبَي رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للمجموعة، وتعيين بديليَن عنه. لكن، كي نفهم سبب تفاعل هذه التداعيات، دعونا نحاول الإجابة على التساؤل الآتي: ما الذي استفز بالتحديد كلاً من المؤسسة البريطانية للتنمية والتمويل وصندوق التقاعد الكندي، في علاقة ابن سليّم بإبستين، بصورة دفعتهما إلى تعليق صفقات وأعمال استثمارية بمئات ملايين الدولارات؟
نجد إشارة للجواب في مضمون إعلان تعليق العمل مع “موانئ دبي”، الصادر عن المؤسسة البريطانية للتنمية والتمويل، والتي قالت إن تقييم الصفقات الاستثمارية يعتمد على ممارسات الحوكمة لشركائها، ويشمل ذلك أولويات مثل المساواة بين الجنسين ونزاهة الأعمال. ونفهم من تحليل العبارة السابقة، أن الإشارات الصريحة لـ”تجارب جنسية”، والتي وردت في رسائل البريد الإلكتروني بين ابن سليّم وإبستين، تحتل حيزاً محدوداً في السبب الذي دفع المؤسسة البريطانية لاتخاذ هذا الموقف. فالإشارة لـ”ممارسات الحوكمة” و”نزاهة الأعمال”، يقصد بها ذاك التعاون الذي كشفته مراسلات ابن سليّم وإبستين، في ترتيب صفقات وأعمال سياسية وتجارية.
ووفق المتاح من تلك المراسلات، كان ابن سليّم يرى في إبستين وسيط علاقات عامة، قادراً على وصلِه بشخصيات نافذة دولياً، على المستويات السياسية والاقتصادية والاستثمارية. وكان إبستين بدوره، يستفيد أيضاً من علاقات ابن سليّم، في الاتجاه ذاته. لا ينفي ذلك، البعد المتعلق بالتجارب “الجنسية”. لكن لا توجد أدلة بعد على تورط ابن سليّم في جرائم إبستين المتعلّقة بإدارة شبكة لاستغلال القاصرات جنسياً. إلا أن الجلّي من مراسلاتهما، أن إبستين كان يسهّل لابن سليّم عقد صلات تتيح له تمرير أعماله وصفقاته المتعلقة بمشاريع “موانئ دبي”. وذاك الحيز هو ما يتعلّق بإشارة المؤسسة البريطانية للتنمية والتمويل إلى “ممارسات الحوكمة” و”نزاهة الأعمال”. فالعلاقات الشخصية بوصفها أساس عقد الصفقات الاستثمارية مع جهات حكومية في دول المؤسسات الغربية، مصدر إشكال. لذلك نجد أن المكتب الإعلامي لحكومة دبي، وفي معرض إشارته إلى استقالة ابن سليّم، قال إن هذه الخطوة تأتي “في إطار تعزيز منظومة الحوكمة والقيادة المؤسسية في الشركة”.
وبإسقاط ذلك على سوريا، يبدو الحديث عن تعليق اتفاق امتياز ميناء طرطوس الممنوح لـ”موانئ دبي”، خشية عدم مراعاة المجموعة الإماراتية لمنظومات الحوكمة والمأسسة، وبناء الصفقات على العلاقات الشخصية، ضرباً من الرفاهية، في بلدٍ يعاني أساساً من فائض شخصنة فاضح في كل أعماله الحكومية. وذلك يقودنا إلى خلاصة بعيدة عن السؤال الذي افتتحنا به مقالنا هذا. فالقضية لا تتعلّق بإبقاء امتياز ميناء طرطوس مع “موانئ دبي”، التي أطاحت برئيسها التنفيذي “التاريخي”، رغم دوره الكبير في تحويلها إلى ما هي عليه اليوم -تدير نحو 10% من التجارة الدولية- بل تتعلّق بأثر الممارسات المغرقة بالشخصنة، والبعيدة عن الحوكمة والمأسسة، في أداء مؤسساتنا الحكومية اليوم، والذي يعني عدم القدرة على اكتساب ثقة مستدامة من جانب المؤسسات الدولية، المالية والاستثمارية. وهي خسارة كبيرة على المدى البعيد لاقتصاد سوريا، المحتاج بشدة لثقة استثمارية دولية فاعلة، لا إقليمية فقط.
من جانبنا، لا نتوقع أن حكومتنا في وارد مراجعة اتفاقها مع “موانئ دبي” في طرطوس. ولا نعتقد أن ذلك ضروري بالفعل، رغم أن فضيحة العلاقة بين ابن سليّم وإبستين، سلّطت الأضواء من جديد على الجدل حول شبهات تهديد “موانئ دبي” للأمن القومي لبعض الدول، وفق مزاعم متداولة بهذا الخصوص. لكن، لا توجد أي مؤشرات على ذلك في الحالة السورية. وذلك خلافاً لسمعة الإمارات في دعم الثورات المضادة، خلال العقد الفائت. إذ لا نجد في علاقتها بالمشهد السوري الراهن، ما يؤشر إلى أنها تعمل بهذا الاتجاه. ورغم أنها تستضيف عدداً كبيراً من رجالات نظام الأسد وشخصياته البارزة، إلا أن أي معطى لم يتم تسجيله لأي تحرك من قبل هؤلاء عبر معقلهم في الإمارات. على خلاف ذلك، تبدو تحركات قيادات من النظام البائد، صادرة عمن هم مقيمين على الأراضي الروسية، أو في لبنان. وفق المعلومات المتوافرة.
يبقى الدرس الذي يجب أن نأخذه من تجربة “موانئ دبي” مع فضائح ملفات إبستين، أن نحرص أكثر وبجدّية، على حوكمة أفضل ومأسّسة أوضح لأداء مؤسساتنا الحكومية. ولجم أدوار الأشخاص، بوصفهم أشخاصاً، في صنع القرار المتعلق بمصائر السوريين.

























