تصدرت الصور القادمة من ميونيخ عن الاجتماع الذي ضم كلاً من أسعد الشيباني ومظلوم عبدي وإلهام أحمد إلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو واجهة اهتمام السوريين خلال اليومين الماضيين.
وكان التفاعل مع هذا الحدث من نوعين: الجمهور الكردي عموماً قرأ في انعقاد الاجتماع بهذه الصيغة مكسباً معنوياً أو “نصراً” رمزياً عوضهم جزئياً عن المناخ السلبي الذي سيطر في الأسابيع الأخيرة بعد خسارة قسد لمناطق سيطرته وفقدان ظهيره الأمريكي واضطراره للموافقة على توقيع اتفاق الاندماج والبدء بتنفيذه. وربما هذا هو هدف وزير الخارجية الأمريكي من عقد الاجتماع، أي إعطاء قسد وجمهوره الكردي جائزة ترضية معنوية مفادها أن واشنطن لم تتخل عن حليفها السابق.
في حين واجه الجمهور الموالي لسلطة دمشق الخبر وصوره بفتور أقرب إلى الاستياء. يمكن أخذ ردة فعل أحد المثقفين المتحمسين في ولائهم كعينة معبرة عن هذا المناخ.
فهذا المثقف الذي واظب، طوال الأشهر السابقة، على الدفاع عن “فلسفة” التحول الثوري الذي حدث في سوريا في الثامن من كانون الأول 2024، وعلى الهجوم على خصوم السلطة الجديدة المفترضين أو نقادها الذين “فشلوا في فهم التحول الثوري العميق” وفقاً لرطانته، ولم يتفوه بكلمة في نقد السلطة، لم يتحمل تلك الصور القادمة من مؤتمر الأمن والتعاون الدولي المنعقد في ميونيخ، فطالب الشرع والشيباني، بالاسم، بتقديم توضيح عما حدث لأن ضم عبدي وأحمد إلى الوفد السوري في اللقاء مع روبيو “أثار استياء الشعب” بحسب تعبيره!
يسعى عبدي، في تصريحاته الإعلامية، إلى تقديم صورة عن الاتفاق مع دمشق لا تعكس حقيقته، بل فيها الكثير من التجميل
واضح أن كلاً من الكرد الذين تحمسوا لحدوث الاجتماع، وموالي السلطة الذين استاءوا منه، قد حمّلوا الاجتماع بأكثر مما يحتمل من دلالات، وفهموه بالمعنى نفسه: استمرار الحماية الأمريكية لقوات سوريا الديمقراطية، وإن كان بالمعنى السياسي فقط، والتعامل مع قادتها على قدم المساواة مع وزير خارجية دمشق. وربما زاد تصريح للشيباني من قوة هذا الانطباع حين قال: “نحن لا ننظر إلى قوات سوريا الديمقراطية كعدو، بل كشريك”. هذا فوق طاقة جمهور السلطة الذي اشتغل، طوال الأشهر السابقة، بأقصى طاقته لشيطنة قسد وتحريض السلطة على شن حملة عسكرية ضدها. وحين تحقق ما أراد من “نصر” بدءًا من مدينة حلب ووصولاً إلى الحسكة والقامشلي وكوباني، فقد كان يأمل في سحق العدو وإذلاله. من المفيد الإشارة هنا إلى ردود فعل هذا الجمهور نفسه على تعيين نور الدين عيسى محافظاً للحسكة، بعدما اقترحت قيادة قسد اسمه وفقاً لاتفاق 29 كانون الثاني بين دمشق وقسد. فقد نشرت وسائل إعلام مقربة من السلطة آراء رافضة لهذا التكليف، وتأخر الشرع في إصدار مرسوم بتكليفه إلى حين اجتماع ميونيخ المشار إليه، تاركاً المجال لردود فعل من هذا النوع، مع أن الرجل قد باشر مهامه بعد عودته من دمشق حيث اجتمع مع رئيس السلطة الانتقالية.
بالمقابل يسعى عبدي، في تصريحاته الإعلامية، إلى تقديم صورة عن الاتفاق مع دمشق لا تعكس حقيقته، بل فيها الكثير من التجميل بهدف الحفاظ على معنويات جمهوره. فيقول إن الاتفاق يتضمن دمج القوات العسكرية لقسد في إطار ثلاثة ألوية تنتشر في نقاط محددة في محافظة الحسكة، إضافة إلى لواء في منطقة كوباني يتبع محافظة حلب. في حين تقول مصادر السلطة إن انضمام عناصر قسد سيكون فردياً في تلك الألوية التي ستضم عناصر من خارج قسد أيضاً ولن تكون صافية. وبشأن الإدارة الذاتية للمناطق ذات الغالبية السكانية الكردية ثمة تحريف لفظي مماثل بين ما يقوله عبدي وما يقوله ممثلو سلطة دمشق.
من المحتمل أن الوساطة الأمريكية ووساطة البارزاني قد سمحتا للجانبين بقول ما يشاءان كل لجمهوره “تيسيراً” للاتفاق الذي سنعرف محتواه الحقيقي أثناء التطبيق.
وحقق عبدي وإلهام أحمد “نجاحا” رمزياً آخر في ميونيخ حين التقيا مع الرئيس الفرنسي ماكرون الذي سبق وأعلن مراراً دعمه لقسد. وعلى رغم القيمة الرمزية لهذه اللقاءات فهي تبقى مهمة من حيث تأثيرها السياسي والنفسي، سواء على سلطة دمشق أو جمهورها الذي قد يبدأ بكبح جماح عدوانيته تجاه الجماعات التي يعتبرها خطراً على سلطته أو تجاه أي نقد ينال منها.
بمجرد أن بدأ تطبيق اتفاق الاندماج بدأ البحث عن عدو جديد لمواصلة المعركة التي يراد لغبارها أن يغطي على الفشل في إدارة المرحلة الانتقالية في مختلف الميادين، وعلى الانتهاكات اليومية، فأخذ السؤال يدور حول الهدف الجديد، الدروز أم العلويون، بل دارت توقعات غير بريئة بشأن التدخل في لبنان أو العراق، في إطار الاستعدادات الأمريكية – الإسرائيلية لتوجيه ضربة جديدة إلى إيران ما لم ترضخ للشروط الأمريكية تحت التهديد.
السوريون منهكون، لا يريدون المزيد من الحروب، بل استعادة الحياة الطبيعية.
كاتب سوري
- القدس العربي


























