هالني ما قرأته في مقال الدكتور أحمد زيدان مؤخراً على موقع الجزيرة نت، لما يحمله من مغالطات بروباغندا سياسية واضحة. ولفتني أيضاً، لأنه يتناقض في ما يطرحه مع جوهر خطاب الرئيس الشرع في مقابلته التلفزيونية الأخيرة … لماذا ؟
عنوان المقال : لبنان وسوريا بين لحظتي 1976 و 2024 وفي نص المقال يضع الكاتب اللبنانيين أمام ثلاثة خيارات، ولكن كلها لا تستقيم. لماذا ؟
الخيار الأول، هو لحظة يونيو حزيران 1976: أي تدخل عسكري خارجي لنزع سلاح الحزب. وهذا خيار لا يحظى بأي نوع من الاجماع لا في سوريا ولا في لينان، بل إنه مرفوض تماماً ليس فقط من قبل الدولة اللبنانية، ولكن من قبل الدولة السورية أيضاً، وحتى من قبل معظم الدول في الإقليم. لا بل وحتى من قبل أمريكا نفسها، التي قلتم عن رئيسها ترامب أنه يدعو إلى الحلول الهادئة، ويرفض الأسلوب العنفي التدميري (ولكن للمفارقة ترامب نفسه هو الذي دعم الإبادة في غزة، ودعم الحرب الإسرائيلية في لبنان، واعترف قبلها بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل )!
الخيار الثاني، لحظة 8 ديسمبر 2024 : أي حسم عسكري داخلي، كما فعل الثوار ضد نظام الأسد البائد في سوريا. ولا أدري لماذا يغفل الدكتور زيدان في مقاله أن لحظة 8 ديسمبر أتت بعد ثورة عظيمة استمرت لمدة 14 عاماً، دفع فيها السوريون ملايين الشهداء والجرحى والمعتقلين والمهجرين والمختفين قسرياً، وتكبدت البلاد خسائر بمئات مليارات الدولارات، وتجاوزت تبعاتها حدود المنطقة والإقليم، ووصلت إلى أقاصي الأرض، ووصفت من قبل منظمات الأمم المتحدة بأنها أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية. ولا أعتقد أن هذا ما يريده اللبنانيون، وليس هذا ما نريده لهم. لحظة 8 ديسمبر في دمشق حملت فرحاً وفرجاً عظيمين، ولكن سبقهما أعوام طويلة من الدموع والآلام فهل يستطيع لبنان الهش والمأزوم اليوم تحمل هذه الفاتورة الباهظة وهل تستطيع سوريا تحمل انعكاساتها ؟
أما الخيار الثالث، الدمج مع الحكومة اللبنانية: كما حصل بين قسد وبين الحكومة السورية بعد أكثر من سنة على التحرير. للوهلة الأولى يبدو هذا الحل على الورق وكأنه المخرج العقلاني الوحيد ولكنه في الوقع يحمل المغالطة الكبرى، ولا أدري حقيقةً كيف استطاع الدكتور زيدان تقديم هذا الاقتراح. فهذا القياس فاسد من عدة أوجه، لوجود كم كبير من الاختلافات الهائلة الذاتية والموضوعية، في محاولة اسقاط تجربة قسد في سوريا على واقع حزب الله في لبنان.
وفي هذا أقول :
أولاً : قسد في سوريا لم تكن تمتلك أي شرعية سياسية أو دستورية لا قبل التحرير ولا بعده، بل هي سلطة أمر واقع غير معترف بدستوريتها، ولم تكن يوماً جزءاً من النسيج المؤسساتي أو الدستوري في سوريا. أما حزب الله في لبنان، فهو حزب ممثل بكتلة وازنة في البرلمان اللبناني منذ أكثر من 30 عاماً، وشريك أساسي في تشكيل كل الحكومات اللبنانية منذ عقود، وله وزراء وموظفو فئة أولى في جميع المؤسسات والإدارات الحكومية في لبنان. والأهم من ذلك أن سلاحه حظي على غطاء شرعي منذ عشرات السنوات في البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية المتعاقبة تحت ما عُرف بمعادلة (الجيش والشعب والمقاومة) فالدولة اللبنانية هي التي شرعنت هذا السلاح عبر عقود، حتى أصبح الحزب دولة داخل الدولة، وله مشروعية دستورية لم تكن قسد تمتلك أي شيء منها في يوم من الأيام.
ثانياً: لنكن صريحين مع أنفسنا. قسد لم توافق على الاندماج مع الحكومة السورية راغبةً طائعة بناء على عقلانية سياسية اكتشفتها فجأة. بل اندماجها جاء نتيجة مباشرة لسحب المظلة الدولية عنها، بمجرد أن رفعت الجهة الأساسية المشغلة (أمريكا) الغطاء عنها وجدت قسد نفسها مجبرة على الاندماج، والدكتور زيدان يعلم ذلك يقيناً. فهل هذا يمكن تحقيقه في حالة حزب الله اليوم ؟ على العكس تماماً. اليوم نرى أن إيران تتشدد في دعم الحزب، وتصر على حضوره حتى على أجندة مفاوضاتها مع أمريكا.
ثالثاً : لنكن صريحين أكثر مع أنفسنا. قسد لم تمتلك ظهيراً شعبياً وازناً من الحاضنة الشعبية في معظم الأراضي التي كانت تسيطر عليها، أما في حالة الحزب فهو متجذر في وجدان الطائفة الشيعية ليس في لبنان فقط، وإنما في بعض الدول العربية. لذلك محاولة تصوير الحزب على أنه ميليشيا معزولة بدون ظهير شعبي وازن- كما في حالة قسد- هو إخلالٌ خطير في القياس.
رابعاً : قسد في سوريا كانت حالة طارئة، ولم تكن في يوم جزءاً من الوجدان العقائدي أو الهوية الدينية لبيئتها، ولم يتجاوز وجودها على الأراضي السورية حدود ظروف الحرب والتمويل والدعم الأمريكي المباشر. أما الحزب الذي يمتد تاريخه لأكثر من 40 سنة في لبنان، لم يقتصر فيها وجوده على كونه فصيلاً مسلحاً فقط، بل تحول إلى منظومة مجتمعية شاملة، تضم شبكة واسعة من المؤسسات الدينية والطبية والتعليمية والمالية والإعلامية وجمعيات مدنية وأهلية خدمية متنوعة حتى فرق الكشافة. وأصبح وجوده داخل الطائفة الشيعية جزءاً من هويتها الثقافية والسياسية.
خامساً : قسد تنظيم عسكري بخلفية قومية يسارية، ولكن محركها الأساسي في البقاء كان براغماتياً نفعياً محضاً، يعتمد على الحماية الأمريكية سياسياً وعسكرياً . لذا عندما تغيرت التوازنات، كان من السهل عليها أن تذهب للاندماج مع الحكومة السورية، وتتخلى عن أحلام الانفصال والانعزال، مع الحفاظ على نوع من الخصوصية. ولكن في حالة الحزب فهو تنظيم عقائدي ديني صلب، يرتبط بمشروع ولاية الفقيه قبل أن يكون فصيلاً عسكرياً. والعقائد الدينية الصلبة الممتدة لعقود والمرتبطة بمشاريع إديولوجية كبرى، لا يمكن تفكيكها بالتسويات السياسية الناعمة.
سادساً: الفارق الهائل في الإمكانيات العسكرية والترسانة التسليحية بين الطرفين. فقسد التي تمتلك تسليحاً هو في الأساس تسليح مشاة بسلاح خفيف ومتوسط، ليست أبداً كالحزب الذي أصبح اليوم أشبه بجيش نظامي مصغربكل ما تحمله الكلمة من معنى، يمتلك آلاف الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وخبراته القتالية تمتد عبر عقود من الزمن.
في الحقيقة، لا يوجد ما يجمع بين قسد وحزب الله أكثر من اللون الأصفر!
إن طرح الدكتور زيدان للموضوع بهذه البساطة والسطحية لا يمت للواقع بصلة، بل يعكس بشكل واضح بروباغندا سياسية أكثر من كونه تحليلاً موضوعياً للواقع اللبناني.
تفكيك قسد ودمجها في الدولة السورية كان أشبه بتفكيك خيمة نُصبت في العراء لغاية طارئة، وليست كبناء ذات أساسات خرسانية مسلحة كما في حالة الحزب. إن مسألة تفكيك حزب الله في لبنان وسحب سلاحه ليست بهذه البساطة التي يتصورها البعض، وكنت منذ أيام قليلة قد كتبت في صفحتي على منصة الفيسبوك ما يلي :
“من يسمع الصراخ الحالي حول سلاح الحزب، يظن أن الحزب قد ولد بالأمس.
لا، حزب الله لم يولد بالأمس، بل صُنع منذ زهاء 45 عاماً على عين أمريكا و إسرائيل وحلفائهم في المنطقة والعالم نتيجة توافق فرنسي-إيراني.
يقول أحدهم ساخراً: هل كانت الكهرباء والاتصالات مقطوعة في واشنطن و باريس و تل أبيب عندما كان الحزب يطوّر صواريخه ومسيراته ؟
إذاً ما سر هذه الإستفاقة اليوم على نزع سلاح حزب الله ؟
لما كان سلاح الحزب يفتك بالسوريين واللبنانيين بمباركة من أمريكا واسرائيل وحلفائهم، لم نكن نسمع هذه الصرخات الدولية، ولم تكن هناك هذه الجدية والإصرار لنزعه والوعي المتأخر بخطر بقائه، ولكن حينما توجه السلاح الى اسرائيل ارتفع الصراخ!
سلاح الحزب لن يُنزع في يوم أو يومين، ولا سنة أو سنتين، بل يحتاج وقتاً طويلاً لتفكيك الظروف التي أدت إلى وجوده سياسياً وفكرياً ضمن منظومة “حلف الأقليات” (التي تحدث عنها سابقاً وليد جنبلاط الزعيم الدرزي) والمخططات الفرنسية في بلادنا. إنهاء النفوذ الفرنسي في الشرق، بكل ما حمله من تبعات وتداعيات، وتفكيك المنظومات العميقة الناتجة عنه، هي بمثابة نقطة الانطلاق.
لا يمكن للعواصم الكبرى أن تغفل لعقود عن الحزب وسلاحه، وثم تصحو اليوم، وتريد من دولة خارجة من حرب طاحنة (سوريا) أن تتحمل مسؤولية اخفاقات تلك الدول والعواصم طيلة عقود.” انتهى المنشور.
أختم مقالي بالقول: إن أي نظرة لحزب الله في لبنان خارجة عن هذا الإطار، هي “فت أو تغميس خارج الصحن”. العودة للتاريخ هنا ليست ترفاً فكرياً، وهذا الكيان (حزب الله) لم يهبط من السماء فجأة، بل تمت صناعته وبناء قدراته عبر ما يقرب من أربعة عقود ونصف تحت سمع وبصر المجتمع الدولي بأسره. لذلك فإن محاولة تصوير الأمر على أن هناك علاج سحري وسريع لسلاح الحزب في لبنان هو فخ استراتيجي مدمر، ولا شك أن القياس المتعسف يقود إلى استنتاجات كارثية.
السياسة الدولية وما حملته من فكر استعماري تقسيمي في بلادنا عبر عقود من الزمن، هي التي وفرت الغطاء والبيئة الحاضنة لنمو الكيانات المسلحة الموازية للدولة. البداية الحقيقية للحل تكمن في إنهاء هذه العقلية من جذورها، وتحديداً إنهاء النفوذ والمخططات الفرنسية في المشرق، التي هندست ورعت وكرَّست هذه الانقسامات، والتخلص من إرث “حلف الأقليات” هو الخطوة الأولى الضرورية لاستعادة مفهوم الدولة الوطنية الحقيقية، الدولة التي تحتكر السلاح وتحمي جميع مواطنيها دون أي تمييز.
إنه من العبث بل من السخرية مطالبة دولة مثل سوريا التي تخرج للتو من آتون حرب مدمرة، بأن تتحمل مسؤولية إصلاح هذا الخلل التاريخي في السياسة الدولية في منطقتنا. لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتغاضى لعقود عن حزب الله، وثم يأتي اليوم ليطلب من سوريا إنهاء الفوضى والخراب الذي صنعوه وتواطؤا معه! ولأن الجغرافيا السياسية لا تعمل وفق منطق القص واللصق التاريخي، لا في لحظة 1976 ولا في لحظة 2024 يجب علينا إذا أردنا حل المشكلة فعلاً بشكل سليم وآمن ومستدام، أن نبدأ من تحليل جذورها.
أخيراً وليس آخراً، أرجو أن لا يزعج مقالي هذا الدكتور زيدان أو الرئيس الشرع، ويشهد الله أني لا أبغي منه أي غايات شخصية ضدهما، وإنما اكتب لمصلحة سوريا ولبنان معاً. ولكني فقط أسأل بكل ود وحرص لماذا ….
– كاتبة سوريّة

























