في تعداد المكاسب العسكريّة الإسرائيليّة، تحضر لائحة طويلة يتصدّرها تدمير بُنى عسكريّة لأعداء إسرائيل، وقتل قادتهم، واحتلال أراضٍ كانت في عهدتهم، وإلحاق أضرار هائلة، متعدّدة المستويات، بهم.
لكنّ امتلاك جبروت حربيّ لا يعني بالضرورة إحراز مكاسب مماثلة غير حربيّة، وعدم تحقّق الأهداف السياسيّة المرجوّة إسرائيليّاً قد يشير إلى تنافر بين الفعل العسكريّ والتصوّر الاستراتيجيّ الأعرض.
فالحرب في إيران ولبنان، بل في غزّة ذاتها، لم تسفر عن وقائع نهائيّة جديدة. والأهمّ صورة إسرائيل في العالم وخريطة صداقاتها. وهذا لئن أفصحت عنه الأحداث المتفرّقة فاسترجاعُه مُجتمِعاً ينبّه إلى ضخامته. فإسرائيل اليوم، بسبب غزّة ولكنْ أيضاً لبنان ومستوطني الضفّة، ذات صورة فظّة بشعة تُلتَقَط بأطراف الأصابع. وفي أميركا نفسها، آخرِ أصدقائها، بات يلتقي على إدانتها يمين الجمهوريّين القوميّ ويسار الديمقراطيّين، بالشعبويّ منهما وغير الشعبويّ، كما تلتقي تيّارات مناهضة للعنصريّة وأخرى عنصريّة.
وقبل أن يخفت هجوم اليمين عليها، ممثّلاً بـ«ماغا»، سجّل اليسار فوز مناهضيها من «تقدّميّي» الحزب الديمقراطيّ في عدد من انتخاباته لاختيار مرشّحيه إلى مجلس النوّاب.
وبات من المسلّمات أنّ الشبّان الغربيّين هم الأعلى نفوراً حيال العنف الإسرائيليّ، والأشدّ تبنّياً لخطاب حقوقيّ مداره العقاب الجماعيّ والتهجير والإبادة. وهذا علماً أنّ بعض نقّاد القوّة الإسرائيليّة لا يتردّدون في الاحتفال بالقوّة التي يبديها أعداء إسرائيل من دول وميليشيات.
لكنْ عموماً، يتّسع الاعتقاد بأنّ للقوّة حدوداً، وأنّها أحياناً تفاقم المشكلات أكثر ممّا تحلّها. فمع احتساب الخلافات الضخمة بين التجربتين، يبقى أنّ الحكم على مبدأ القوّة قد يكون من علامات تحوّل الأزمنة. فالقوّة التي أبدتها إسرائيل في حرب 1967 ووفّرت لها انتصاراً باهراً مجّدها العالم الغربيّ بأسره، واليوم تغدو مشاركة إسرائيليٍّ في معرض فنّيّ أو فعاليّة أدبيّة أو رياضيّة مسألة عوّيصة.
وكائناً ما كان الحال، فرصد الخسائر والأرباح يظهّر ملامح البؤس الذي يحفّ بصورة الدولة العبريّة. فوفق استقصاء لـ«نيوزويك»، بلغت نسبة تأييد نتنياهو بين البالغين اليهود أنفسهم 32 في المئة مقابل معارضة بلغت نسبتها 59، بينما حصد زهران ممداني نسبة تأييد بلغت 44 في المئة مقابل معارضة بلغت 39.
ومن جهة أخرى ففي المجتمعات، ولكنْ أيضاً في الأوساط الحكوميّة، غدا موضوع الدعم الذي يُقدّم لإسرائيل وحدوده مادّة سجاليّة ملتهبة. وتتلاحق اليوم محاولات غربيّة لإعادة تعريف العلاقة الثنائيّة، وتحذيرات للدولة العبريّة يوجّهها أصدقاء تاريخيّون لها، فيما يتهافت التذرّع باللاساميّة عند كلّ دفاع عن قتل طفل فلسطينيّ.
والمرجّح أنّ الأمر لن يكون سحابة صيف. فهو يستدعي من الإسرائيليّين جهوداً كبرى للحدّ من الضرر، علماً بأنّ ظروف الحرب واستمرارها تصعّب عليهم المهمّة. وفي الاتّجاه ذاته يعمل وجود نتنياهو على رأس ائتلاف يضمّ أحزاباً دينيّة استيطانيّة وقروسطيّة، ويغدو تراجع الثقة بأخلاقه وإرجاع سياساته الحربيّة إلى أزماته الشخصيّة أوسع شعبيّة وتقبّلاً.
وإذ يمسي يهود العالم أقلّ شعوراً بالأمن، يتهدّدهم انبعاث لاساميّة قديمة ونشأة لاساميّة مستجدّة، يكتسب تآكل الصداقات دوراً حيويّاً. فإذا كانت إيران مثلاً، تبعاً لآيديولوجيّتها الحاكمة وصورتها عن نفسها وعن العالم، تشتقّ القوّة من استفزازها الغرب، فإسرائيل التي ترسم صورتها كـ«امتداد للغرب» لن يعود عليها الاستفزاز إلاّ بالخسارة. وثمّة اليوم من يتحدّث، خصوصاً بعد مؤتمر «الناتو» بأنقرة، عن دور تركيّ ينتزع جزءاً من التفويض الغربيّ لإسرائيل. وهذا بعد انقضاء ثلاث سنوات على انحسار التفاؤل بعمليّات سلام ظُنّ أنّ تلّ أبيب ستعقدها مع بلدان عربيّة.
لكنّ المدهش أنّ الخسائر لا تنعكس مكاسب للفلسطينيّين. صحيح أنّ معاناتهم، خصوصاً في غزّة، حظيت بتغطية إعلاميّة جبّارة، وأثارت تعاطفاً واحتجاجاً واسعين. بيد أنّ هذا لا يزال أقرب إلى المواقف المبدئيّة، وهو ما يُرجّح أن يستمرّ هكذا إن لم تظهر قوّة سياسيّة تستثمر التعاطف، وتتجاوز الانقسامات لتنتج قيادة تمثيليّة، كما تحمل برنامجاً مقبولاً دوليّاً وحاسماً في إقراره بوجود إسرائيل ورفض أفعال العنف العدميّ المسمّاة مقاومة، لا سيّما هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
وصحيح أيضاً أنّ الدول التي باتت تعترف بدولة فلسطين صارت أكثريّة ساحقة في الأمم المتّحدة، لكنّ الاعتراف لا يزال أقرب إلى الرمزيّة ما دامت الدولة نفسها غير قائمة، فيما لا تصحبه ضغوط وعقوبات لإنشاء تلك الدولة. ثمّ إذا كانت إقامة الدولة أمراً لا مهرب منه في آخر المطاف، يظلّ مطلوباً تحديد الطرف الذي يقيمها؟ وما إذا كان خيار الدولة قد غدا موضع إجماع تُطوى معه نهائيّاً «حلول» الدولة الواحدة والمقاومة المستمرّة؟
هكذا يجوز الظنّ بأنّ التعاطف الأخلاقيّ والانسانيّ قد لا يصبّ في إحداث تغيير سياسيّ كبير، على ما عرفنا في جنوب أفريقيا وفي حركات نزع الاستعمار الأخرى.
لكنّنا أقلّه نستطيع أن نتساءل: لماذا نشأت هذه المنطقة البرزخيّة بين خسارة إسرائيل وعدم إفادة فلسطين، ومَن سيجني الفوائد إذا استمرّ عجز الفلسطينيّين عن تحقيق الإفادة؟ وهما سؤالان يُستحسن التفكير طويلاً قبل التفضّل بالإجابات عنهما.
- الشرق الأوسط























