فاصلة الأسبوع
أحالت الأقمار الصناعية إلى غرف العمليات صوراً لحركة مريبة في الشرق الأوسط، بدت كأنها غزوة ضخمة انطلقت من جزيرة العرب باتجاه سوريا. التدقيق: لم تكن مجنزرات، بل سيارات، ولوحظ فوق بعضها غسالات و”بسكليتات”، وذاك الذي فوق التاهو ليس سبطانة مدفع، بل سجادة. التقرير النهائي: لا يوجد جيش يغزو وسلاحه غسالات وسجاد و”بسكليتات” أطفال! هذه ليست غزوة جيش، بل غزوة “بابا نويلات”.
عند الحدود يتعرض الزوج لنيران صديقة: “لو سمعان كلامي وطالعين بالليل ما كان اكلنا كل هالشوبات”، وفي الكراسي الخلفية يصرخ ضحايا التسويق والتظليل الإعلامي عن أحلى صيفية: “بابا.. ليش اختفى النت”؟
ويكتفي الزوج بإطلاق الحكمة الخالدة: “الغربة بتاكل العمر”. ومثلما اختفى النت، اختفت الطرق السريعة، وبدأت السيارة بالعطاس من كثرة حفر الطريق، “شدي حيلك يا بطة”. أخيراً يصل بابا نويل إلى المنزل وتبدأ عملية الإنزال، ملابس، وألعاب، وشواحن، وعطور، وأندومي وقهوة سعودية لزوم الاندماج الثقافي، وغسالة بدل تلك التي استعارها “الشباب الطيبة”، وهدايا لا تظهر في التقارير الرسمية.
ويتوافد أشخاص، بعضهم لم يتذكر منذ سنوات حتى إرسال أو تحويل واتساب “جمعة مباركة”، لكنهم تذكروا فجأة الخبز والملح بعد أن وصلهم إشعار هاتفي: “تم رصد مغترب في الجوار”.
وبعد انتهاء المراسم، وبرغم قلة الحال، تبدأ سلسلة الولائم نهاراً، ثم رحلة البحث عن النسخة القديمة من نفسه ليلاً. يتجه إلى ذاك المقهى، يلتقي الأصدقاء، ويتأمل وجوههم التي أكل الزمن منها أكثر مما أكلت هي منه، يستعيدون ذكرياتهم للمرة الألف، وكأنهم لم يجتمعوا لتبادل الأخبار، بل ليستعيدوا النسخة الاحتياطية من أنفسهم.
ثم يتلمس شعره عفوياً حين يلاحظ أن أغلب أصدقائه صاروا صلعاً ومحللين استراتيجيين أيضاً. وتنتهي الإجازة كرمشة عين، وتبدأ قسوة المغادرة، وتصبح السيارة هدفاً مشروعاً لهجوم معاكس. فبعد أن أتت ممتلئة بالهدايا، بدأت تمتلئ بمعلبات لا تنتهي صلاحيتها كباقي المعلبات.
الأوامر العسكرية صارمة: “دبس الفليفلة وزيت الزيتون تحت، والملوخية فوق. وحط جريدة تحتن لأنو الزيت بيشرشر”. أما عن فقرة الحمولة القصوى المذكورة في كتيب السيارة، فهي مجرد اقتراح غير ملزم للأم التي تقود المعركة الأخيرة بمساندة الابنة لحشر “تنكة” جبنة إضافية في السيارة. فـ “التنكة” بالنسبة لها ليست حمولة زائدة، بل قضية أمن غذائي.
يقول الحفيد: “التحميل الزايد بيخرّب السيارة يا تيتا”، فترد بثقة خبير ميكانيك: “لا ما بيخربوا يا فصعون”. يبحث الحفيد على جوجل عن معنى كلمة “فصعون”. ويتسلل الوجوم إلى وجوه الكبار و”الفصاعين” الذين استمتعوا بأحلى صيفية، واعتادوا اللعب في الحارة، واكتشفوا أن سندويشة دبس البندورة بالنعناع أطيب وأرخص من البرغر، وتعلموا أن ليس كل شخص أكبر منهم قليلاً هو “عمو”، كما تعلموا الفرق بين “عمو وخالو”، واكتشفوا أن العمات والخالات يمتلكن أسلوباً خاصاً في القبلات يشبه “كاسات الهوا”.
وتنطلق السيارة، وركابها ينظرون للخلف أكثر مما ينظرون للطريق. فكل تلك الكيلومترات التي قطعوها، والهدايا التي جلبوها، وكل الخيرات التي عادوا بها، ليست سوى محاولة متكررة لإبقاء الطريق إلى البيت سالكة.
ولهذا، سيظل جيش “بابا نويلات” يعبر الحدود مرتين: مرة بالجسد ومرة بالقلب، يغزو بغسالات وعطور، ويغتنم ما تيسر من “قطرميزات”، ليتأكد أن الوطن ما زال بخير، وليؤكد له أنه ما زال وسيبقى ينبض في قلوب من غادروه.
ولا يقطع هذه الخاتمة العاطفية سوى صوت الزوجة وهي تنظر إلى الحقائب المكدسة في السيارة، وتسأل السؤال الذي يحلم بسماعه كل مغترب: “لك وين بدنا نروح بكل هالمكدوس”!
- الثورة السورية






















