من مفارقاتٍ تستحق التأمل في سورية، وهي ليست قليلة هذه الأيام، أنه بعد أكثر من 15 عاماً من الثورة، ونحو عام ونصف العام على سقوط النظام الذي حكم البلاد أكثر من ستة عقود، بالحديد والنار، نعود لنجد أنفسنا أمام السؤال نفسه الذي رافق الدولة السورية منذ نشأتها الحديثة، وحاول السوريون، آخر مرّة حسمه عندما خرجوا عام 2011، ودفعوا ثمناً غالياً لذلك. ولم يكن هذا السؤال مرتبطا يوماً بمن يحكم، بل من أين يستمدّ من يحكمها شرعية حكمه.
عندما نالت سورية استقلالها عام 1946، بدا لأول مرة أن السوريين صاروا أحراراً في اختيار نظامهم السياسي، وبنائه. لكن دولة الاستقلال ولدت وهي تعاني أزمة شرعية كامنة، فقد احتكرت النخب التي قادت الحركة الوطنية ضد الانتداب الفرنسي، السلطة باسم “شرعية التحرير”، لكنها لم تنجح في تحويل هذه الشرعية إلى عقد اجتماعي يجعل السوريين شركاء في بناء دولة ما بعد الاستقلال. لم يكن الانقسام اجتماعيّاً فحسب، بل كان يتعلق أيضاً بمن يملك حق تمثيل الدولة الجديدة، ولهذا لم تصمد الجمهورية البرلمانية السورية سوى سنوات قليلة قبل أن يبدأ عصر الانقلابات العسكرية. ومنذ انقلاب حسني الزعيم في 1949، دخلت سورية مرحلة جديدة من البحث عن الشرعية، فلم تعد السلطة تستمدّ شرعيتها من الانتخابات، بل من الجيش. وكان كل انقلاب يبرّر نفسه بأنه يصحّح أخطاء الانقلاب الذي سبقه. وهكذا أصبحت القوة، لا الإرادة الشعبية، مصدر الشرعية.
ثم جاء حزب البعث عام 1963 ليقدّم إجابة مختلفة. لم يعد الجيش وحده مصدر الشرعية، بل “الثورة”. وهكذا صارت شرعية النظام مستمدّة من كونه يقود “مشروعاً تاريخيّاً” لتحقيق الوحدة العربية، والاشتراكية، وتحرير فلسطين. لكن هذه “الشرعية الثورية”، الشعاراتية في جوهرها، لم تلبث أن تحوّلت إلى حكم فردي تمحور حول شخص حافظ الأسد بعد 1970. هنا دخلت سورية مرحلة ثالثة من إنتاج الشرعية، إذ لم يعد النظام يقدّم نفسه ثوريّاً فحسب، بل ضامناً للاستقرار والسلم الأهلي، بعد سلسلة طويلة من الانقلابات والاضطرابات السياسية. ومع الوقت، أصبحت مؤسّسات الدولة تستمد شرعيتها من السلطة التي تتولّى كتابة الدستور، وتنظيم “الانتخابات”، وتعيين البرلمان، والمحكمة الدستورية، لتغدو هذه المؤسّسات بعدها مصدراً لشرعية النظام الذي أنشأها أصلاً. وهكذا صار إنتاج الشرعية يجري في دائرة مغلقة، السلطة تُنشئ مؤسّسات الدولة، لتتولى هذه منحها شرعية الحكم، أما المجتمع فصار على الهامش متفرّجاً، من شاء صفق، ومن شاء اعتزل. لهذا؛ عندما خرج السوريون عام 2011، كانوا يثورون، في حقيقة الأمر، على طريقة إنتاج الشرعية، وسعياً إلى أن تصبح السلطة ممثلاً حقيقياً لهم، تنبع من إرادتهم، بدل أن تستمر في تهميشهم، وامتهان كراماتهم والتعامل معهم بصفتهم “رعايا الملك”، تنحصر أهمية وجودهم في التجنيد للدفاع عن السلطة ودفع رواتب موظفيها.
يبدو أن سورية ما زالت تواجه السؤال نفسه. اكتمل تشكيل سلطات الدولة الثلاث. بدأ الأمر بمؤتمر الفصائل العسكرية، ثم مؤتمر الحوار الوطني، ثم الإعلان الدستوري، ثم تعيين مجلس الشعب، وأخيراً تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا. شكلياً، اكتمل بناء الدولة، لكن هذه الخطوات تكشف، من الناحية السياسية، عن شيء آخر، فجميع المؤسّسات التي يفترض أن تمنح النظام شرعيته، نشأت بقرار من النظام نفسه. البرلمان لم ينتخبه السوريون، والإعلان الدستوري لم تكتبه جمعية تأسيسية، والمحكمة الدستورية لم تنشأ عن سلطة مستقلة، بل خرجت جميعها من السلطة التنفيذية، والآن يفترض أن تضفي الشرعية عليها. قد يتعذّر بعضهم بالحاجة لاتخاذ خطواتٍ من هذا القبيل في المراحل الانتقالية، وهذه حجّة لها وجاهتها. لكن السؤال الذي يؤرّق حقّاً يرتبط بفلسفة الحكم نفسها، وهو أكثر أهمية من كل النقاشات الدستورية، ويتركّز حول ما إذا كانت سورية تتجه نحو بناء دولة جديدة أم نحو بناء شرعية مؤسّساتية وقانونية للسلطة الجديدة؟
الفرق بين السؤالين جوهري، فمنذ الاستقلال، تغيّرت الأنظمة مرّات. سقطت الجمهورية البرلمانية، ثم نظام الانقلابات العسكرية، ثم نظام الوحدة، وأخيراً، نظام الأسد. الشيء الوحيد المستمر طريقة إنتاج الشرعية. ولهذا؛ لن يكون السؤال الحقيقي الذي سيواجه سورية في المرحلة المقبلة شكل النظام السياسي، ولا عدد الأحزاب، ولا حتى مضمون الدستور الجديد، بل ما إذا كانت سورية ستنجح، هذه المرّة، في نقل مصدر الشرعية من السلطة إلى المجتمع. إذا حدث هذا، ستكون ثورة 2011 قد حقّقت أهم أهدافها. أما إذا بقيت السلطة تنتج المؤسّسات التي تمنحها الشرعية، فهذا يعني أن سورية تنجح في كل مرّة في تغيير حكامها لكنها تفشل في تغيير منطق الحكم الذي يحكمها، كما يعني أن السؤال الذي خرج السوريون للإجابة عنه عام 2011، ما زال معلّقا، وهو لا يتعلق بمن يحكم سورية، بل بمن يمنح حكّامها الحق في حكمها؟
- العربي الجديد






















