تتزايد التساؤلات حول مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا، ومدى قدرة الضغوط الأمريكية على دفع حكومة بنيامين نتنياهو إلى تعديل سياساتها الميدانية، في ظل تمسك إسرائيل بترتيبات أمنية جديدة على حدودها.
ويأتي ذلك بعد أن أفاد موقع أكسيوس الأمريكي بأن الرئيس دونالد ترمب طلب من نتنياهو البدء بسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية، واتخاذ خطوة مماثلة في لبنان.
ونقل الموقع عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين أن ترمب أبلغ نتنياهو، خلال اتصال هاتفي جرى الخميس الماضي، بأن الوجود العسكري الإسرائيلي داخل سوريا يفاقم التوترات وقد يؤدي إلى تصعيد، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي قال -بحسب مسؤول أمريكي-: “إنهم لا يريدون وجودكم هناك، وينبغي لكم إعادة نشر قواتكم”.
في المقابل، أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن نتنياهو طرح خلال المكالمة الحاجة إلى إقامة مناطق أمنية على طول الحدود الإسرائيلية، في إشارة إلى استمرار تمسك تل أبيب بمطالبها الأمنية.
وبين المطالب الأمريكية والحسابات الإسرائيلية، يبقى السؤال: هل تنجح ضغوط ترمب في تغيير قواعد الاشتباك الإسرائيلية في سوريا؟
لقاء ترمب والشرع في أنقرة.. هل غيّر مقاربة واشنطن؟
تزامن الطلب الذي وجّهه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية واللبنانية مع حراك دبلوماسي شهدته العاصمة التركية أنقرة، ما دفع إلى ربط الموقف الأميركي الجديد بنتائج اللقاء الذي جمع ترمب بالرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وجاءت المكالمة الهاتفية بين ترمب ونتنياهو بعد يوم واحد من اجتماع الرئيس الأمريكي مع نظيره السوري أحمد الشرع، الذي عُقد، الأربعاء 8 من تموز الجاري، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة، بمشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وذكرت رئاسة الجمهورية العربية السورية أن الرئيسين أكدا خلال اللقاء أهمية مواصلة التنسيق في الملفات المشتركة، بما يدعم وحدة سوريا وسلامة أراضيها، ويعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.
ويرى الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش أن الموقف الذي نقله موقع “أكسيوس” يعكس إلى حد كبير التقييم الذي استمع إليه ترمب خلال اجتماعات أنقرة، موضحًا أن الرئيس الأمريكي تبنى قناعة بأن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوبي سوريا ينطوي على مخاطر قد تدفع نحو مزيد من التصعيد.
ويقول علوش في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إن تقييم ترمب استند إلى الرؤية التي عرضها كل من الرئيس أحمد الشرع والرئيس رجب طيب أردوغان، واللذين شددا على أن استمرار الانتشار الإسرائيلي داخل الأراضي السورية يمثل عاملًا مهددًا للاستقرار ويقوض فرص تثبيت المرحلة الجديدة التي تشهدها سوريا.
ويضيف أن الرسالة التي نقلها الرئيس الشرع إلى الإدارة الأميركية كانت واضحة، ومفادها أن دمشق لا تستطيع التعامل مع الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية بوصفه أمرًا واقعًا يمكن استمراره لفترة طويلة، وأن أي مسار لإعادة الاستقرار يتطلب إنهاء هذا الوجود والعودة إلى ترتيبات تحترم السيادة السورية.
ويشار إلى أن توقيت ما كشفه موقع “أكسيوس” يتقاطع مع سلسلة خطوات أمريكية متزامنة، من بينها لقاء أنقرة، وإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إضافة إلى تصريحات ترمب بشأن التعهدات التي قدمها الرئيس الشرع فيما يتعلق بملف “حزب الله”، وهو ما يعكس، بحسب الكثير من التقديرات، وجود ترتيبات أمريكية أوسع لا تقتصر على العلاقة بين سوريا وإسرائيل، وإنما تمتد أيضًا إلى الملف اللبناني وإعادة رسم معادلات الأمن الإقليمي.
واشنطن تراهن على استقرار سوريا
تعكس الرسائل الأمريكية الأخيرة تجاه إسرائيل تحولًا لافتًا في مقاربة واشنطن للملف السوري، إذ لم تعد تنظر إلى الجنوب السوري من زاوية أمنية إسرائيلية فقط، بل باتت تربط استقرار سوريا بتعزيز سلطة الدولة ومنع أي تصعيد قد يهدد مسار المرحلة الانتقالية.
ويرى الباحث في العلاقات الباحث محمود علوش أن هذه هي المرة الأولى التي يكشف فيها مسؤولون أميركيون وإسرائيليون عن طلب أمريكي مباشر من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف التصعيد في الجنوب السوري، معتبراً أن ذلك يمثل تطورًا مهمًا في الموقف الأميركي، لا سيما تجاه الوجود العسكري الإسرائيلي في تلك المنطقة.
ويشير علوش إلى أن ما أورده موقع “أكسيوس” بشأن تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب لنتنياهو من أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري قد يؤدي إلى تصعيد ومفاقمة التوترات، يحمل دلالتين أساسيتين؛ الأولى أن واشنطن باتت تنظر إلى هذا الوجود بوصفه عاملًا يهدد الاستقرار، وليس وضعًا يمكن إدارته إلى حين التوصل إلى ترتيبات أمنية.
ويؤكد أن أهمية الموقف الأمريكي تكمن في ترجمته إلى أدوات ضغط فعلية على الأرض، مشيرًا إلى أن السؤال المطروح يتمثل في مدى استعداد واشنطن لممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل، وحدود قدرتها على فرض هذا التوجه.
من جانبه، يرى المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو أن إدارة ترمب تنظر إلى التحولات في سوريا باعتبارها فرصة لتعزيز الاستقرار الإقليمي بما يخدم المصالح الأمريكية، ولذلك تدفع باتجاه بسط سلطة الحكومة السورية على كامل الأراضي.
ويضيف سعدو في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن هذا التوجه تجسد في عدة ملفات، من بينها الضغوط الأمريكية على “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) للتوصل إلى تفاهمات مع دمشق، إلى جانب التحركات المتعلقة بالجنوب السوري، بما يعكس رغبة أمريكية في احتواء بؤر التوتر.
ويخلص سعدو إلى أن الولايات المتحدة، رغم استمرارها في إعطاء أولوية لأمن إسرائيل، باتت تدرك في الوقت ذاته أن استقرار سوريا يمثل مصلحة مشتركة، ليس فقط على المستوى الإقليمي، وإنما أيضًا في إطار المصالح الاستراتيجية الأميركية.
إسرائيل تتمسك بالمناطق الأمنية رغم الضغوط الأميركية
في المقابل، لا تبدو الحكومة الإسرائيلية مستعدة لإحداث تغيير جوهري في انتشارها العسكري داخل الأراضي السورية، رغم الضغوط التي تحدثت عنها الإدارة الأميركية، إذ تشير المعطيات إلى تمسك تل أبيب بخططها الرامية إلى تكريس وجود طويل الأمد في الجنوب السوري، وربطه بترتيبات أمنية تعتبرها ضرورية لحماية حدودها.
وفي هذا السياق، نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤولين بارزين في الحكومة الإسرائيلية أن عدداً منهم يؤيد الإبقاء على سيطرة مفتوحة المدة على المناطق التي احتلتها إسرائيل في جنوبي سوريا، فيما يدفع بعض الوزراء باتجاه إنشاء مستوطنات إسرائيلية في تلك المناطق، بما يعكس توجهاً يتجاوز الإجراءات العسكرية المؤقتة نحو تثبيت وقائع جديدة على الأرض.
ويتقاطع ذلك مع ما أفادت به مصادر مطلعة لموقع تلفزيون سوريا، التي كشفت أمس الأربعاء أن قوات الاحتلال الإسرائيلي شرعت في بناء مستشفى داخل بلدة قلعة جندل في منطقة جبل الشيخ بريف دمشق الغربي.
وأوضحت المصادر أن أعمال البناء بدأت قبل فترة وجيزة، في إطار تحركات إسرائيلية تهدف إلى التأثير في مواقف المجتمع المحلي، ومحاولة تقديم إسرائيل بوصفها داعمة للدروز السوريين. وتقع بلدة قلعة جندل في منطقة جبل الشيخ، ويقطنها الدروز منذ عام 1925، بعد انتقال سكانها المسيحيين إلى مدينة قطنا في ريف دمشق.
وفي قراءته للمطالب الإسرائيلية، يرى المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو أن تل أبيب تسعى إلى فرض منطقة أمنية واسعة تمتد عبر محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، بحيث تبقى خالية من الأسلحة الثقيلة، لكنه يعتبر أن هذا الطرح “غير واقعي” بالنظر إلى اتساع هذه المناطق وأهميتها الاستراتيجية، فضلاً عن قربها من العاصمة دمشق.
ويشير سعدو إلى أن أي تفاهم محتمل قد يتجه نحو صيغة وسط، تقوم على تنظيم انتشار السلاح الثقيل أو تحديد أماكن وجوده، بدلاً من سحبه بالكامل، مرجحاً أن يعود هذا الملف إلى طاولة المفاوضات خلال المرحلة المقبلة إذا استؤنفت الاتصالات غير المباشرة بين الجانبين.
ويضيف أن الضغوط الأميركية، رغم جديتها، ستظل محكومة باعتبارات استراتيجية أوسع، إذ لا تزال واشنطن تنظر إلى أمن إسرائيل باعتباره أولوية في سياستها الإقليمية. كما يرى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يشعر بأن المكاسب التي حققتها إسرائيل في غزة ولبنان وفي المواجهة مع إيران تمنحه هامشاً أكبر للمناورة، وهو ما يجعل احتمالات استجابته السريعة للمطالب الأمريكية بشأن الانسحاب من الأراضي السورية محدودة في المرحلة الحالية.
- تلفزيون سوريا

























