يصعب تجاهل الكلام الأخير الصادر عن الرئيس السوريّ أحمد الشرع، وهو كلام يعكس إلى حدّ كبير رغبة واضحة في لعب دورعلى الصعيد اللبنانيّ من زاوية مختلفة، وهذا هو الأهم، عن الطريقة التي اعتمدها النظام السوريّ السابق الذي عاش ما يزيد على نصف قرن.
من بين ما قاله الشرع في حديث إلى “الجزيرة”: “لدينا تخوّف كبير من انفجار الوضع داخل لبنان لأنّ ذلك سينعكس على سوريا بشكل سلبيّ”. يربط بذلك مباشرة بين الاستقرار في لبنان والإستقرار في سوريا. يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقول إنّ “بقاء السلاح خارج سلطة الدولة اللبنانيّة سيترك نتائج سلبيّة كبيرة على المنطقة، ونحن ندعم أن تحتكر (الدولة اللبنانيّة) تطبيق القانون والسلاح وقرار السلم والحرب”.
يصعب تجاهل الكلام الأخير الصادر عن الرئيس السوريّ أحمد الشرع، وهو كلام يعكس إلى حدّ كبير رغبة واضحة في لعب دورعلى الصعيد اللبنانيّ من زاوية مختلفة
ذاكرتان مثقلتان… وشكوك تحاصر أيّ تقارب
وضع الرئيس السوريّ حدّاً لِما يروّج له كثيرون عن طيّ صفحة “الحزب” في الذاكرة السوريّة، إذ قال إنّ “الحزب” شارك النظام البائد على مدى 14 عاماً في حربه الهمجيّة على الشعب السوريّ وتسبّب في التهجير وقتل عدداً كبيراً من الناس ولا يزال حتّى الآن يحمل السلاح وينتشر على الحدود السوريّة – اللبنانيّة”. أزال كلّ لبس في شأن الأوهام التي بنى عليها “الحزب” حساباته في ما يخصّ النظام الجديد في سوريا.
ما يمكن اعتباره أخطر من ذلك إشارته إلى أنّ “الدولة السوريّة تحاول تمكين الدولة اللبنانيّة من الإيفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها، ونحن نحتاج إلى حلول واقعيّة وعمليّة حتّى لو صبرنا عليها وتمهّلنا في اتّخاذ الخطوات والإجراءات النافعة”.
يعني مثل هذا الكلام، بطريقة أو بأخرى، استعداد سوريا الجديدة لتوفير غطاء لأيّ مفاوضات بين لبنان وإسرائيل وللنتائج التي يمكن أن تترتّب على هذه المفاوضات بالحد الأدنى من التشاور.
مثلما أنّ الذاكرة السوريّة لا تزال طريّة حيال دور “الحزب” في الحرب الأهليّة التي امتدّت أربعة عشر عاماً، وما خلّفته من تهجير وقتل وانخراط مباشر إلى جانب النظام السابق، فإنّه لا تزال الذاكرة اللبنانيّة طريّة هي الأخرى حيال الأدوار السوريّة المتراكمة على مدى عقود.
من مصلحة سوريا ولبنان أن يتنبّه الرئيس الشرع إلى أنّ هذه الازدواجيّة في الذاكرة الجماعيّة تجعل أيّ خطاب يتحدّث عن “ترابط المصالح” أو “إخراج لبنان إلى برّ الأمان” أو “تمكين الدولة اللبنانيّة”، يُقرأ فوراً بكثير من الشكّ، وليس كفرصة جديدة لطيّ صفحة صعبة من تاريخ العلاقات بين البلدين.
ثمّة قلق مشروع من أن تحمل اللغة، التعاونيّة في ظاهرها، احتمالاً كامناً لإعادة إنتاج علاقة غير متكافئة، حتّى لو جاءت هذه المرّة بثوب دبلوماسيّ ناعم.
بين الهواجس الأمنيّة وشبح الوصاية
عبّر الشرع عن هواجس حقيقيّة بشأن وجود “الحزب” على الحدود ومشاركته السابقة في الحرب. يستوجب هذا الأمر برأيه وبرأي أغلبيّة لبنانيّة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانيّة، ولكنّ سياق التصريحات قد يُفسّر في بيروت كمحاولة لتوظيف الجرح السوريّ في إعادة ترتيب المشهد اللبنانيّ الداخليّ، وتحويل الذاكرة السوريّة المؤلمة إلى أداة ضغط سياسيّ، الأمر الذي يضع العلاقة الثنائيّة أمام اختبار سياديّ حادّ. فليس أسهل من تعميق الانقسامات اللبنانيّة اليوم على هذا النحو، بما يجعل أيّ تعاون رسميّ بين دمشق وحكومة الرئيس العاقل نوّاف سلام عرضة للاتّهامات بالخضوع.

لا تزال الذاكرة اللبنانيّة تحتفظ بتفاصيل طويلة عن النفوذ الأمنيّ والسياسيّ السوريّ السابق الذي رفع شعار “شعب واحد في بلدين”. يجعل ذلك بعض صياغات الخطاب السوريّ تبدو كتحذير مستتراً أكثر ممّا تبدو عناوين موضوعيّة. آخر ما يريده البلدان هو مناخات سوء تفاهم تكون نتيجتها المحتملة شلّ الملفّات العمليّة المشتركة، من الحدود إلى اللاجئين إلى الاقتصاد، وجعل التقدّم رهيناً بتوازنات سياسيّة معقّدة بين بيروت ودمشق.
تحتاج الذاكرتان الطريّتان إلى أن تلتقيا على أرضيّة مشتركة للمصالحة، لا أن تتصادما في ساحة الخطاب السياسيّ والرسائل المبطّنة والتوتّر المقنّع.
في النهاية، يظلّ الأكثر إثارة في الحديث هو التفريق بين الاتّفاق الأمنيّ مع إسرائيل والانسحاب من الجولان المحتلّ منذ 1967. يقول الشرع في هذا الصدد: “نجاح الاتّفاق الأمنيّ مع إسرائيل قد يمهّد لسلام شامل من دون التفريط في حقّنا بالجولان”.
تبدّل النّظام… واستمرار الحسابات الاستراتيجيّة
من الواضح أنّ النظام السوريّ الجديد يختلف عن النظام البائد في الكثير من الأمور من دون أن يختلف عنه في بعض المسائل الجوهريّة، أقلّه لجهة سعيه إلى تأمين نفسه داخليّاً أوّلاً وإقليميّاً ثانياً.
يفعل ذلك عن طريق الرسائل الموجّهة إلى لبنان من جهة، وإلى إسرائيل من جهة أخرى. ذهب حافظ الأسد إلى لبنان حيث ارتكب كلّ الجرائم التي ارتكبها، وهي جرائم تابع بشّار الأسد ارتكابها بمساعدة أكبر من إيران وتورّط عميق لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” في السياسة الداخليّة اللبنانيّة.
لا بدّ من التذكير بأنّ الأسد الأب كان يعتمد في كلّ وقت على الاتّفاق، اتّفاق النقاط الست، الذي توصّل إليه مع إسرائيل، بواسطة وزير الخارجيّة الأميركيّ هنري كيسينجر في العام 1974، والذي استهدف تأكيد أنّه ليس في وارد أن يشكّل أيّ تهديد للدولة العبريّة انطلاقاً من جبهة الجولان. كان ذلك الاتّفاق تمهيداً فعليّاً لتدخّل سوريّ في لبنان استهدف وضع اليد على البلد وتمزيقه.
- أساس ميديا






















