أفاد مصدر خاص لـ”المدن” بأنه سيكون هناك إعلان عن حلّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) و”الإدارة الذاتية”، ولكن ليس في الوقت الحالي كما يتم تداوله بالإعلام لأن هناك الكثير من الملفات لم يتم حلها.
وأوضح المصدر في “قسد”، أن الإعلان سيكون سياسياً قانونياً أكثر من كونه واقعياً حيث سيكون واحداً من أكثر التحولات السياسية في البلاد منذ سقوط النظام السابق. لكن قراءة هذا التطور بوصفه نهاية نهائية لـ”قسد” أو للمشروع السياسي والعسكري الذي نشأ في مناطق سيطرتها، قد تكون متسرعة.
ففي الحالة الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، لم تكن الأسماء ثابتة، ولا البنى التنظيمية مغلقة على شكل واحد حيث أظهرت هذه القوى قدرة فائقة على التكيف وإعادة تعريف نفسها وفق التحولات السياسية والعسكرية المحيطة بها من PKK إلى وحدات حماية الشعب YPG ثم إلى “قسد” وكذلك إلى فروع مختلفة في تركيا والعراق وإيران ومسميات متعددة من حيث التوجه العسكري أو السياسي أو الإداري حيث جرت سلسلة من التحولات التي لم تكن مجرد تبديلات لغوية، بل عمليات انتقال بين أدوار مختلفة: من تنظيم عابر للحدود، إلى قوة عسكرية محلية، إلى تحالف متعدد المكونات، ثم إلى سلطة أمر واقع تدير مساحة واسعة من الأراضي السورية.
إعلان مرتقب وسط ملفات لم تُحسم
كما أفاد مصدر خاص لـ”المدن” من داخل الحكومة السورية بأنه تجري ترتيبات للإعلان رسمياً عن حلّ “قسد” و”الإدارة الذاتية” مع ترجيحات بعقد مؤتمر صحافي، لكن ليس في الوقت الحالي.
لكن الإعلان لا يزال مشروطاً بعدد من الملفات. من بينها استكمال التعيينات الإدارية في محافظة الحسكة وأريافها، إضافة إلى قضية عودة المهجّرين الأكراد إلى مناطق تل أبيض ورأس العين.
ويبدو أن هذا الربط ليس تفصيلاً إجرائياً. فكل طرف يحاول أن يدخل المرحلة المقبلة من موقع تفاوضي مختلف. دمشق تريد تثبيت أن الاندماج يعني انتهاء البنى العسكرية والإدارية المستقلة. بينما تريد قسد ضمانات سياسية وأمنية واجتماعية قبل التخلي عن بنية تشكلت خلال أكثر من عقد ولهذا قد يكون الإعلان السياسي أسهل من تنفيذ مضمونه.
التنظيم الذي اعتاد تغيير الشكل
تتميز تجربة حزب العمال الكردستاني والقوى المرتبطة به بالقدرة على التكيف مع البيئات المختلفة.
لم يكن التنظيم ثابتاً في صيغة واحدة. فمن تنظيم مسلح ذي مشروع أيديولوجي واضح، انتقل إلى تشكيلات وواجهات مختلفة بحسب طبيعة الساحة والظروف الإقليمية والدولية.
وبغض النظر عن الموقف السياسي من هذه التحولات، فإن النتيجة العملية كانت قدرة على البقاء وإعادة الانتشار.
في سوريا، مثّل الانتقال إلى صيغة “قسد” محطة مهمة. فبدلاً من الظهور كقوة كردية خالصة، جرى تقديمها كتحالف عسكري متعدد المكونات، الأمر الذي سمح لها بالحصول على دعم دولي واسع في الحرب على تنظيم الدولة.
لكن هذا التحول لم يتوقف عند الجانب العسكري. فمع السيطرة على مساحات واسعة، نشأت مؤسسات مدنية وأمنية وعسكرية واقتصادية وتعليمية، وأصبحت “الإدارة الذاتية” واقعاً سياسياً وإدارياً يتجاوز فكرة القوة المسلحة حيث انتقلت المسألة من تنظيم يملك السلاح إلى سلطة تدير الأرض، حيث حل “قسد” لا يعني بالضرورة اختفاء بنيتها فخلفها شبكة واسعة من المقاتلين والكوادر والموظفين والمؤسسات والقيادات والبعد الإيديولوجي العابر للحدود وبالتالي فإن تفكيك الاسم لا يعني تلقائياً تفكيك البنية التي نشأت حوله.
مصالح دمشق من الاندماج
بالنسبة إلى دمشق يمثل هذا الخيار فرصة لإنهاء وجود قوة عسكرية مستقلة خارج وزارة الدفاع، من دون الدخول في مواجهة شاملة مع قوة تمتلك عشرات آلاف العناصر، وخبرة عسكرية واسعة، وبنية تنظيمية متماسكة حيث أمام دمشق ملفات كبيرة لم تنتهِ منها حيث دمج قسد هو مفتاح حل بقية الملفات وخاصة ملف السويداء والاتفاق الأمني مع إسرائيل واحتمالية دخول الجيش السوري إلى لبنان.
فإذا اندمجت قسد إلى الجيش السوري وخضعت فعلياً لسلسلة القيادة العسكرية المركزية، وتغيرت بنية القرار والانتشار، فإن الأمر سيكون تحولاً حقيقياً.
أما إذا بقيت التشكيلات الجديدة مرتبطة عملياً بقياداتها السابقة، أو احتفظت بتسلسل قيادة خاص (كيان موازي) وهو الأرجح فإن الدمج يتحول إلى إعادة إنتاج لقوة مستقلة داخل مؤسسة الدولة وهنا تحديداً سيكون الاختبار الأصعب أمام دمشق فلا يقتصر هدف الاندماج على استعادة المباني أو رفع العلم الرسمي. التحدي الأكبر هو إنهاء فكرة وجود بنية عسكرية وأمنية وإدارية مستقلة داخل الدولة.
حزب العمال من تنظيم ارهابي إلى داخل الدولة
تستطيع الدولة دمج مقاتلين وموظفين وموظفات في مؤسساتها. لكنها تواجه تحدياً مختلفاً إذا انتقلت معها شبكات القرار والولاء والتسلسل التنظيمي وهنا يصبح الفرق كبيراً بين دمج القوة البشرية وبين دمج البنية التنظيمية فالأول يمكن أن يكون جزءاً من بناء الدولة أما الثاني فقد ينتج مؤسسات رسمية تحمل في داخلها مراكز قرار غير رسمية.
عودة المهجّرين: الشرط الذي يؤخر الإعلان؟
ملف عودة المهجرين الأكراد من تل أبيض ورأس العين أحد أبرز الملفات التي يمكن أن تؤخر الإعلان الرسمي فالعودة ليست قضية إنسانية فقط، بل قضية سياسية مرتبطة بمستقبل المناطق التي خرج منها السكان.
أما دمشق، فتجد نفسها أمام ملف بالغ التعقيد، إذ ترتبط العودة بالواقع الأمني، وملكية العقارات، ومصير السكان الحاليين، وانتشار الفصائل، والضمانات المحلية.
ولهذا فإن عبارة “عودة المهجرين” تخفي وراءها أسئلة أكثر تعقيداً من حيث ضمان العودة وإدارة المناطق وكيفية علاج النزاعات على الملكية.
هل يدخل حزب العمال إلى الجيش السوري؟
السؤال الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة هو ما إذا كان انتقال عناصر “قسد” إلى الجيش السوري سيعني انتقالاً بشرياً فقط، أم انتقالاً أوسع، فمن الناحية الرسمية لا يعني دمج مقاتلين سوريين في الجيش السوري وجود حزب العمال الكردستاني داخل الدولة، لكن من الناحية السياسية والأمنية ستبقى مسألة الكوادر والشبكات والولاءات محل مراقبة.
فالقوة التي أمضت سنوات طويلة في بناء بنية عسكرية وأمنية وإدارية لا يمكن أن تفقد ذاكرتها التنظيمية بين ليلة وضحاها، ولهذا فإن التحدي أمام دمشق لن يكون فقط في إدخال الأفراد إلى المؤسسات، بل في ضمان أن تصبح المؤسسة هي مصدر القرار والولاء فإذا نجحت الدولة في ذلك فإن الدمج سيكون استعادة فعلية للسيادة، أما إذا بقيت البنى القديمة قادرة على إنتاج القرار من داخل المؤسسات الجديدة، فإن سوريا قد تنتقل من مشكلة “قوة خارج الدولة” إلى مشكلة “قوة داخل الدولة”.
وربما تكون المفارقة أن “قسد” قد لا تنتهي بالطريقة التي يتوقعها خصومها حيث لا تبقى قوة مستقلة، لكنها قد تنتقل إلى صيغة أخرى، والإدارة الذاتية تترك وراءها كوادر ومؤسسات وشبكات.
فنحن لسنا أمام نهاية مشروع بل أمام مرحلة جديدة من قدرة هذا المشروع على التكيف حيث أن التجربة قائمة على إعادة التموضع أكثر من الثبات.
ففي سوريا الجديدة، قد لا تكون المعركة المقبلة على الأسماء، بل على من يملك القدرة على إعادة إنتاج نفسه داخل الدولة.
- المدن





















