كل أمةٍ تُبتلى في طريق نهضتها. ولا توجد دولةٌ في العالم، مهما بلغت درجة تقدمها، لم تعرف حوادث السير، أو الأخطاء الإدارية، أو الكوارث الطبيعية، أو الإخفاقات المؤلمة. بل إن التاريخ يكاد يجمع على حقيقة بسيطة: الدول لا تُبنى رغم أخطائها، وإنما تُبنى من خلال الطريقة التي تتعامل بها مع أخطائها.
ولهذا، فإن أكثر ما ينبغي أن يشغلنا بعد الحادث المروري الأليم على طريق دير الزور – دمشق ليس مجرد البحث عن المسؤوليات الفنية أو الإدارية، على الرغم من أهميتها، وإنما التفكير في الطريقة التي استقبل بها جزء من خطابنا العام هذه الفاجعة. فقد احتاجت المأساة إلى دقائق فقط كي تتحول، عند بعض النخب والمؤثرين، إلى معركةٍ سياسية كاملة الأركان.
قبل أن تُعرف الوقائع، كانت الأحكام قد صدرت. وقبل أن تبدأ التحقيقات، كانت الاتهامات قد اكتملت. وقبل أن تنتهي فرق الإنقاذ من أداء واجبها، كان بعضهم قد أنهى محاكمته للدولة، وأصدر حكمه النهائي عليها. وهنا يكمن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: هل أصبحنا، بعد كل ما مررنا به، عاجزين عن استقبال أي حادثة بوصفها حادثةً تحتاج إلى فهم، لا إلى استثمار؟
وهل تحولت سنوات الثورة، بكل ما فيها من آلام وتضحيات، عند بعضنا، إلى مدرسةٍ في الارتياب الدائم، بحيث لم نعد نرى في أي مأساة سوى فرصة جديدة لتأكيد قناعاتنا المسبقة؟ ربما كان من الإنصاف أن نعترف بأن هذا السلوك لم ينشأ من فراغ. فسوريا لم تخرج من سنوات عادية، وإنما من واحدة من أعنف التجارب التي عرفتها المجتمعات المعاصرة. خمسة عشر عاماً تقريباً من الحرب والتهجير والاعتقال والانقسام، كافية لأن تترك آثاراً عميقة في النفوس، وأن تجعل كثيرين يعيشون في حالة استنفار دائم، وكأن المعركة لم تنتهِ بعد.
وهكذا، تتكون، من حيث لا يشعر أصحابها، عادةٌ ذهنية ترى كل حادثة امتداداً للحرب، وكل خطأ دليلاً نهائياً على صحة التصورات المسبقة، وكل أزمة مناسبة لإعادة إنتاج الخصومات القديمة. غير أن الاعتراف بهذا الإرث النفسي لا يعني الاستسلام له. فنجاح الثورات لا يُقاس فقط بقدرتها على إسقاط نظام، وإنما بقدرتها على مساعدة المجتمع في الانتقال من عقلية الصراع إلى عقلية الدولة، ومن ردود الفعل إلى بناء المؤسسات، ومن البحث الدائم عن الخصوم إلى البحث الدائم عن الحقيقة.
فإذا بقينا نحاكم الدولة الجديدة بالأدوات النفسية التي فرضتها سنوات الحرب، فإننا سنحمل الحرب معنا إلى زمن السلم، وسنحوّل كل أزمة إلى معركة، وكل خطأ إلى دليل على انهيار كل شيء، وكل فاجعة إلى مناسبة جديدة لتعميق الانقسام. وهذا، في تقديري، أحد أخطر التحديات التي تواجه سوريا اليوم، لأن إعادة بناء الإنسان أصعب بكثير من إعادة بناء الحجر.
والمفارقة أن هذه العقلية لا تؤذي الدولة وحدها. إنها تؤذي الحقيقة نفسها. فالفرق كبير بين مواطنٍ يطالب بالمحاسبة بعد اكتمال الوقائع، وبين من يعتبر أن إدانة الدولة هي الخطوة الأولى، وأن البحث عن الوقائع مجرد تفصيلٍ لاحق لا يغير شيئاً. هذه ليست مساءلة. وهذا ليس نقداً. إنها، في كثير من الأحيان، أحكام جاهزة تبحث عن مناسبة جديدة لإعلان نفسها.
ولعل ما يدعو إلى القلق أكثر أن هذا السلوك لم يعد استثناءً، وإنما أخذ يتحول إلى نمط متكرر في الحياة العامة. فأي حادثة.. وأي أزمة.. وأي إخفاق.. تتحول، خلال دقائق، إلى ساحة اصطفاف سياسي، وكأن السوريين لم يعودوا قادرين على الحزن المشترك، إلا بعد أن يختار كل فريق خندقه.
وكأن الموت نفسه لم يعد يجمعنا، وإنما صار يفرقنا. هذه ليست مشكلةً في وسائل التواصل الاجتماعي فحسب. إنها مشكلة في الثقافة السياسية التي بدأت تتشكل بعد سنوات الحرب. فالحروب الطويلة لا تدمر الطرق والجسور فقط، بل تترك داخل النفوس آليات دفاع قاسية، تجعل الإنسان يرى العالم كله من خلال ثنائية الصديق والعدو.
وفي زمن الحرب، قد يكون لهذا المنطق ما يفسره. أما في زمن بناء الدولة، فإنه يتحول إلى عبء ثقيل على المجتمع كله. لأن الدولة لا تستطيع أن تتعلم إذا حُكم عليها قبل أن تحقق. ولا تستطيع المؤسسات أن تكسب ثقة الناس إذا كانت كل أزمة تتحول فوراً إلى شهادة وفاة. ولا يستطيع المجتمع أن ينضج إذا بقي يعيش بعقلية الميدان وهو يحاول بناء دولة.
ليس المقصود هنا الدعوة إلى الصمت، إطلاقاً.. أو التغاضي عن الأخطاء، أو منح أي مؤسسة حصانة من النقد. على العكس تماماً. إن الدولة القوية هي التي تحقق بشفافية، وتحاسب المقصر، وتعلن النتائج، وتتعلم من أخطائها. لكن المجتمع القوي أيضاً هو الذي يمنح الحقيقة فرصةً لتظهر، قبل أن يكتب نهايتها بنفسه. وثمة فرق حضاري عميق بين ثقافةٍ تقول: “لننتظر حتى نعرف ما حدث”، وثقافةٍ أخرى تقول: “نعرف مسبقاً ما حدث، ولن تغيّر الوقائع شيئاً.” الأولى تبني دولة. أما الثانية فلا تبني سوى مزيد من الشك.
إن إعادة إعمار سوريا لن تكون مشروع إسمنت وحديد فقط. فالطرق يمكن إصلاحها. والجسور يمكن إعادة بنائها. والقوانين يمكن تعديلها. أما الأعصاب التي أنهكتها سنوات الحرب، والثقافة التي تعودت أن تبحث عن خصمٍ في كل صباح، فهذه هي المهمة الأصعب.
إن سوريا تحتاج إلى إعادة إعمارٍ أخلاقية، بقدر حاجتها إلى إعادة إعمارٍ عمرانية. تحتاج إلى أن نتعلم من جديد فضيلة التريث. وفضيلة انتظار الحقيقة. وفضيلة أن نميز بين النقد المسؤول، وبين تحويل كل مأساة إلى وقود لمعركة جديدة. فالأوطان لا تنهض لأن طرقها أصبحت أفضل فقط. إنها تنهض حين يصبح مجتمعها أكثر قدرة على حماية الحقيقة من الضجيج، والإنصاف من الانفعال، والوطن من الاستقطاب.
- الثورة السورية






















