لم يعد السؤال في سوريا اليوم ما إذا كانت محاسبة المسؤولين عن انتهاكات العقود الماضية ضرورة أم لا، بل كيف ينبغي أن تتم هذه المحاسبة. وبعد سنوات طويلة من الإفلات من العقاب، تبدو المحاكمات الجارية لبعض رموز النظام المخلوع خطوة تاريخية طال انتظارها، لكنها في الوقت نفسه تفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة العدالة الانتقالية وحدودها، وحول قدرتها على تحقيق العدالة بعيداً عن ضغط الرأي العام ورغبة السلطة في الاستجابة لتوقعات مجتمع أنهكته سنوات القمع والحرب.
ومنذ أبريل/نيسان الماضي، شهدت دمشق انطلاق ثلاث محاكمات بارزة شملت رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب، والمتهم عبد الناصر براقي، والمفتي السابق للجمهورية أحمد بدر الدين حسون. وتأتي هذه القضايا ضمن المسار الذي تقوده الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات المرتكبة خلال عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد.
ولا خلاف على أن مجرد رؤية مسؤولين سابقين يجلسون في قفص الاتهام يمثل تحولاً غير مسبوق في تاريخ الدولة السورية. وبلد لم يعرف مساءلة أصحاب السلطة لعقود، يجد نفسه اليوم أمام محاكم علنية، وشهادات ضحايا، ومرافعات للادعاء والدفاع، وإجراءات قضائية يتابعها السوريون باهتمام بالغ. وهذه بحد ذاتها رسالة بأن مرحلة الإفلات المطلق من العقاب قد انتهت.
غير أن هذا المشهد الإيجابي لا يحجب مفارقة يصعب تجاهلها. فالمحاكمات التي انطلقت حتى الآن لا تشمل أياً من كبار المسؤولين الأمنيين أو العسكريين الذين ارتبطت أسماؤهم، داخلياً ودولياً، بإدارة منظومة القمع والانتهاكات واسعة النطاق. ولذلك يتساءل كثيرون: هل نحن أمام بداية تدريجية ستقود لاحقاً إلى هؤلاء، أم أن العدالة الانتقالية بدأت بالفعل من الحلقة الأضعف أو الأكثر توافراً أمام القضاء؟
ربما تكون قضية المفتي السابق أحمد حسون المثال الأكثر إثارة لهذا الجدل. فالرجل لا يواجه اتهامات بارتكاب أعمال عسكرية أو أمنية مباشرة، وإنما تتعلق لائحة الاتهام، بصورة أساسية، بدوره في التحريض وتوفير الغطاء الديني والسياسي لممارسات النظام، إضافة إلى اتهامات باستغلال المنصب لتحقيق منافع شخصية. ويرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن القضية تستهدف “الفاعل الخطابي والسياسي”، مؤكداً أن التحريض، إذا ثبتت علاقته بالجرائم، يشكل مسؤولية جنائية لا تقل أهمية عن المسؤولية المباشرة في بعض الحالات.
هذا الطرح يجد ما يسنده في القانون الدولي، الذي لا يقصر المسؤولية الجنائية على من ينفذ الجريمة بيده، وإنما يمتد إلى من يحرض عليها أو يساعد في ارتكابها. ومن هذا المنظور، فإن مساءلة شخصيات مدنية أو دينية ليست خروجاً عن مفهوم العدالة الانتقالية، بل توسعاً في فهم المسؤولية عن الجرائم الجماعية.
لكن في المقابل، لا تبدو الانتقادات الموجهة إلى هذه المحاكمات أقل وجاهة. فثمة من يتساءل عن المعايير التي تحدد من يمثل أمام القضاء ومن يبقى خارجه، خصوصاً مع وجود شخصيات أخرى لعبت أدواراً سياسية أو دينية مشابهة خلال سنوات الصراع من دون أن تطولها الملاحقات حتى الآن. فالعدالة، لكي تكون مقنعة، أو نطبق بمعايير مزدوجة، وينبغي أن تبدو متساوية في تطبيقها.
وتبرز أيضاً ملاحظات تتعلق بطريقة إدارة الرأي العام في أثناء المحاكمات. فقد وجهت انتقادات لتركيز التغطية الرسمية على شهادات الادعاء وإغفال كثير من دفوع الدفاع وشهاداته، دون أن يعني ذلك وجود انحياز مؤسسي، لكن هذا الأسلوب الإعلامي يضعف مبدأ المساواة بين الخصوم، ويؤثر في تشكيل قناعة مسبقة لدى الجمهور، بما قد ينعكس لاحقاً على الثقة بمشروع العدالة الانتقالية نفسه.
ولا يمكن التقليل من تأثير المزاج الشعبي في هذه المرحلة. فآلاف العائلات السورية ما تزال تبحث عن أبنائها المفقودين، وملايين السوريين يحملون ذاكرة مثقلة بالاعتقال والتعذيب والتهجير. ومن الطبيعي أن يطالب هؤلاء بمحاكمات سريعة وأحكام صارمة، بل إن أي تباطؤ قد يُفسر على أنه تهاون في إنصاف الضحايا.
العدالة الانتقالية ليست عدالة انتقامية ولا وسيلة لإرضاء الرأي العام، وإنما منظومة قانونية هدفها الوصول إلى الحقيقة، وتحديد المسؤوليات الفردية، وضمان محاكمات عادلة، مهما كانت فداحة الجرائم المنسوبة إلى المتهمين.
إلا أن العدالة الانتقالية، بطبيعتها، مطالبة بمقاومة هذا الضغط، لا بتجاهله ولا بالخضوع له. فهي ليست عدالة انتقامية، ولا وسيلة لإرضاء الرأي العام، وإنما منظومة قانونية هدفها الوصول إلى الحقيقة، وتحديد المسؤوليات الفردية، وضمان محاكمات عادلة، مهما كانت فداحة الجرائم المنسوبة إلى المتهمين. فالاستجابة للغضب الشعبي قد تحقق مكاسب سياسية مؤقتة، لكنها قد تضعف شرعية الأحكام إذا شعر الناس لاحقاً أن القضاء كان يساير المزاج العام أكثر مما يحتكم إلى الأدلة.
ويبقى نجاح العدالة الانتقالية في سوريا مرهوناً بقدرتها على الجمع بين مطلبين يبدوان متعارضين، لكنهما في الحقيقة متكاملان: إنصاف الضحايا، وصون حقوق المتهمين. فلا يمكن بناء دولة القانون بمحاكمات شكلية أو انتقائية، كما لا يمكن ترميم الثقة بالمؤسسات إذا بقي كبار المسؤولين عن منظومة الانتهاكات بمنأى عن المساءلة.
لقد بدأت سوريا أخيراً السير في طريق العدالة، وهذه خطوة تستحق التقدير. لكن الطريق لن يكتمل إلا إذا أصبح معيار المحاسبة هو حجم المسؤولية القانونية، لا حجم الضغط الشعبي، وإذا أثبت القضاء أن ولاءه الوحيد هو للحقيقة، لا لتوقعات الشارع ولا لحسابات السياسة، عندها فقط يمكن للعدالة الانتقالية أن تؤدي وظيفتها الحقيقية: إغلاق صفحة الماضي دون طمسها، وبناء مستقبل يقوم على سيادة القانون لا على منطق الغلبة والثأر.
- العربي الجديد























