قبل أن نتخيل عناقاً بين الشيخ نعيم قاسم والرئيس أحمد الشرع، فلنتذكر:
تحت شعار “لن تُسبى زينب مرتين” ذهب آلاف مقاتلي حزب الله إلى سوريا ليشاركوا في المذبحة الكبرى: نصف مليون قتيل وملايين الجرحى، ومئات ألوف المفقودين، عدا عن تهجير وتشريد أكثر من 15 مليون سوري، منهم مليونان تقريباً فروا إلى لبنان.
هكذا، تورط حزب ولاية الفقيه والحرس الثوري إلى جانب ميليشيات شبيهة استقدمتها إيران من باكستان وأفغانستان والعراق، في حرب سمتها الأساسية المجازر والتجويع والقصف العشوائي والمقابر الجماعية ومحو القرى والبلدات وتدمير مدن بأكملها. حرب اتخذت طابعاً إبادياً في بعض مراحلها. وكانت على الأرجح مصدر إلهام لما ستقترفه إسرائيل فيما بعد.
بالطبع، لا علاقة للسيدة زينب، “المقيمة” في دمشق منذ ألف عام تقريباً، بأسباب الحرب السورية. فهي هناك كانت وستبقى، وما كانت بحاجة لحماية من أحد سوى أهل الشام أنفسهم. ولا علاقة لها بدافع حزب الله للإنخراط في نكبة تاريخية حلت بالسوريين وجيرانهم.
السبب الوحيد الذي حضّ حزب الله (وإيران) هو الدفاع عن واحد من أغبى وأسوأ ديكتاتوريي العالم العربي، وينافس بإجرامه صدام حسين ومعمر القذافي في تشييد المقابر الجماعية وتحويل السجون إلى مسالخ بشرية.
من أجل بشار الأسد، قدمت عائلات حزب الله آلاف شبانها، قتلى وجرحى ومعاقين. واكتسبت عداوة الشعب السوري إلى مستقبل غير منظور، يضاف إلى كراهيات وعداوات أخرى ستظل كجروح تاريخية من الصعب التئامها.
وكانت “وظيفة” الأسد تأمين الطريق من طهران إلى بغداد فدمشق وصولاً إلى بيروت وشواطئ المتوسط. بمعنى آخر، اختزال سوريا شعباً ودولة وجغرافيا إلى مجرد “معبر” لتهريب المال والسلاح وبضائع مشبوهة وتجارات سرية، في خدمة مشروع امبراطوري إقليمي قائم على حطام الدول والمجتمعات.
من أجل هذا الطريق الجهنمي، وقع العراق وسوريا ولبنان في جحيم أفظع الحروب والكوارث والانهيارات، التي انبثق منها أيضاً تنظيم داعش، كمولود طبيعي للتوحش وكذروة للهمجية.
وهكذا، بين شعار “لن تُسبى زينب مرتين” وشعار “دولة الخلافة” الداعشية، وقبلهما “الأسد أو نحرق البلد”، اكتمل مشهد لم يعرفه المشرق العربي منذ الاجتياح المغولي.
مناسبة التذكير بكل ما جرى، هي خطبة الشيخ نعيم قاسم التي يعلن فيها استعداد حزبه للقاء أو حوار مع القيادة السورية الجديدة. هكذا، بلا أي إعلان أو تلميح عن اعتذار أو مراجعة، بلا أي إيحاء بندم أو حرج. وبالطبع بلا مخاطبة عموم السوريين أنفسهم. وبلا أي انتباه لما يسميه هو “عوائل الشهداء” الذين خسروا أبناءهم دفاعاً عن بشار الأسد. وهو الحزب الذي يرطن بكلمات من نوع “لن نخون دماء شهدائنا”.
وأرفق قاسم خطب ود الرئيس أحمد الشرع بهجوم لاذع على الدولة اللبنانية، متحدثاً عن “العار والذلّ والخيبة والتنازلات المتتالية“! هكذا، بعد حربين خاضهما بين 2023 و2026، نعرف ويعرف ما جلبته من عار وذل وخيبة وكوارث متتالية.
أما في نيته اللقاء والحوار مع الدولة السورية الجديدة، مبتكراً مقولة “سوريا المستقرّة سند للبنان، كما أنّ لبنان المستقرّ سند لسوريا“، فما هي إلا تجاهل لوجود دولة وحكومة وسلطة لبنانية وحدها المخولة والتي تحمل تفويض الشعب اللبناني في أي حوار أو تفاوض أو لقاء مع دولة أو حكومة أخرى. وهذا ليس غريباً عن حزب اعتاد لعقود ازدراء الدولة والحدود والنظام السياسي وإرادة الكثرة الغالبة من اللبنانيين.. تماماً كما ازدرى إلى حد الإجرام إرادة السوريين. وأغلب الظن أن “السند” الذي يقصده قاسم هو إعادة إحياء طريق طهران- بيروت، والمعابر التي كانت ذات يوم شريان تصنيع وتهريب الكبتاغون وما شابه.
الأفدح في خطبة قاسم، كما في سائر السياسات السائدة اليوم في هذه المنطقة التعسة، أن كل ما حلّ من فظائع ونكبات وتحويل جغرافيات شاسعة إلى أرض مقابر، لا يغير شيئاً ولا يأتي بعبرة ولا بمراجعة أو إعادة نظر أو ندم أو اعتذار.. فقط “عفا الله عما مضى” أو التناسي أو التضليل. ففي مجتمعات أخرى أصابها أقل مما أصابنا، صنعت ثورات أخلاقية وقيمية وفكرية وانقلبت جذرياً، “تكفيراً” عن ماضيها أو اتعاظاً من خطاياها.
هيهات أن نطلب هذا من أمثال نعيم قاسم (ودهاقنة سياسيي لبنان، ومنهم من يكتب مذكراته) وكل قادة هذه البلدان الخربة.
- المدن






















