يضع التفجير الذي استهدف حافلة ركاب في مدينة جرمانا بريف دمشق، أول من أمس الخميس، وأسفر عن سقوط 14 جريحاً، الحكومة السورية أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على فرض الأمن، كما يعيد تسليط الضوء على حساسية مدينة جرمانا باعتبارها إحدى أكثر المناطق تعقيداً من الناحية الأمنية والاجتماعية.
ووقع التفجير بعد ساعات فقط من صدور بيان عن مشايخ ووجهاء وأهالي جرمانا شدد على التمسك بالدولة السورية، ورفض التدخلات الخارجية، والتأكيد أن المدينة ليست “صندوق بريد” لتبادل الرسائل بين القوى المتصارعة، مع التشديد على وحدة سورية واعتبار دمشق وجهة المدينة والغوطة عمقها الاجتماعي والجغرافي. هذا التزامن جعل كثيراً من التحليلات تنظر إلى التفجير باعتباره محاولةً لإضعاف الرسالة التي حملها البيان، أكثر من كونه عمليةً تستهدف المدينة لذاتها.
وكان قد أُصيب 14 شخصاً بجراح، مساء الخميس الماضي، بانفجار عبوة ناسفة استهدفت حافلة نقل ركاب في مدينة جرمانا بريف دمشق. وقال مدير صحة ريف دمشق الدكتور توفيق حسابا، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا)، إن الحصيلة النهائية للإصابات بلغت 14 إصابة، بينها ثلاث بحالة حرجة، مؤكداً عدم تسجيل أي وفاة.
وأكدت وزارة الداخلية، في بيان أمس الجمعة، أنها تواصل عبر قوى الأمن الداخلي إجراءاتها الأمنية والتحقيقية في مدينة جرمانا بريف دمشق. وأضافت الوزارة أن “الوحدات المختصّة باشرت منذ اللحظات الأولى لوقوع التفجير تطويق موقع الحادث، وجمع الأدلة، ومتابعة التحقيقات لكشف ملابسات الجريمة، وتعقب المتورطين فيها وتقديمهم إلى العدالة”.
تفجير جرمانا يهدف إلى ضرب الاستقرار
أدهم القاق: تفجير جرمانا يهدف إلى ضرب الاستقرار النفسي وإعادة إنتاج الشعور بانعدام الأمن
ويعتبر الكاتب السياسي السوري أدهم القاق التفجير في جرمانا امتداداً لسلسلة التفجيرات التي شهدتها دمشق خلال الفترة الماضية، والتي استخدمت فيها عبوات ناسفة بدائية الصنع. ووفق تفسيره، فإن الهدف لا يقتصر على إيقاع الضحايا، بل يتمثّل في ضرب الاستقرار النفسي وإعادة إنتاج الشعور بانعدام الأمن داخل العاصمة السورية ومحيطها، بما ينعكس على صورة الدولة، في مرحلة تسعى فيها إلى تثبيت الاستقرار بعد سنوات طويلة من الصراع. كما يربط القاق، في حديث لـ”العربي الجديد”، بين التفجير والبيان الذي أصدرته المرجعيات المحلية في جرمانا، معتبراً أن العملية جاءت بعد إعلان موقف سياسي واضح يؤكد الهوية الوطنية السورية للمدينة ويرفض الانخراط في مشاريع الانقسام.
استهداف جرمانا يطاول صورة التعايش
وتذهب القراءة التي يقدمها الناشط السياسي كنان مسعود؛ المنحدر من مدينة السويداء، في الاتجاه نفسه، لكنها تضيف بعداً آخر يتعلق بالرمزية التي تمثلها جرمانا. ويقول، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن المدينة لا تعدّ مجرد منطقة ذات غالبية درزية، بل تمثل نموذجاً اجتماعياً يضم الدروز والمسيحيين وأعداداً كبيرة من الوافدين من دير الزور ومناطق سورية أخرى، الأمر الذي جعلها طوال السنوات الماضية مثالاً على استمرار التعايش رغم الأزمات. ويضيف: من هذا المنطلق، فإن استهدافها لا يقتصر على ضرب الأمن المحلي، وإنما يطاول أيضاً صورة التعايش التي تمثلها المدينة، ويعيد إنتاج روايات الانقسام الطائفي وعدم الاستقرار. ويؤكد مسعود أنه لا يمكن تحميل المسؤولية لأي جهة في ظل غياب نتائج التحقيقات، وأن الحديث يقتصر على قراءة المستفيد من زعزعة استقرار الم
ويبرز عامل آخر يمنح التفجير أهمية خاصة، ويتمثل في الطبيعة الأمنية لمدينة جرمانا نفسها. فالمدينة تعيش حالة من ازدواجية السيطرة، إذ تتبع رسمياً لمؤسسات الدولة السورية وأجهزتها الأمنية، لكنها تضم أيضاً مجموعات مسلحة محلية من أبناء الطائفة الدرزية تعمل بصورة مستقلة. ولا يعني ذلك وجود مواجهة بين الطرفين، لكنه يخلق واقعاً أمنياً مركباً تتوزع فيه المسؤوليات وتتداخل فيه الصلاحيات، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور ثغرات يمكن استغلالها لتنفيذ عمليات من هذا النوع. هذه الخصوصية تجعل أي خرق أمني في جرمانا أكثر حساسية من الناحية السياسية، لأنه يطرح تساؤلات حول مستوى التنسيق بين مختلف القوى الأمنية الموجودة على الأرض، وحول قدرة الدولة على احتكار الملف الأمني داخل المدينة.
كما أن التفجير لا يمكن فصله عن سلسلة العمليات التي شهدتها دمشق خلال الأشهر الماضية. فالعاصمة تعرضت لعدة هجمات بعبوات ناسفة، وأعلنت السلطات في بعض تلك القضايا توقيف خلايا قالت إن التحقيقات أظهرت ارتباطها بتنظيم داعش. تكرار العمليات يشير إلى أن البيئة الأمنية المحيطة بدمشق ما تزال تواجه تحديات حقيقية، وأن نجاح الأجهزة الأمنية في تفكيك بعض الخلايا لم يؤد بالضرورة إلى إنهاء خطر الهجمات بالكامل.
كنان مسعود: استهداف جرمانا يطاول صورة التعايش التي تمثلها المدينة
ومن زاوية سياسية، يضع التفجير الحكومة السورية أمام تحديين متوازيين. الأول هو التحدي الأمني المباشر، والمتمثل في منع تكرار التفجيرات وكشف منفذيها بسرعة، لأن استمرار العمليات من شأنه أن يثير الشكوك حول قدرة الأجهزة الأمنية على تأمين العاصمة ومحيطها. أما التحدي الثاني فهو الحفاظ على الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية، ولا سيما في المناطق ذات الخصوصية الاجتماعية والأمنية مثل جرمانا، حيث يشكل التعاون بين السكان والسلطات أحد العناصر الأساسية لمنع تحول التوترات المحلية إلى أزمات أوسع.
ولعل اللافت أن ردود الفعل الرسمية ركزت على هذا الجانب تحديداً. فقد ربطت وزارة الداخلية بين التفجير والمواقف الوطنية التي صدرت عن وجهاء المدينة، داعية إلى عدم الانجرار وراء محاولات بث الفتنة، فيما شدد عدد من المسؤولين على أن العملية لن تعرقل جهود الدولة في حماية المواطنين وتعزيز الاستقرار. ويعكس هذا الخطاب محاولة رسمية لاحتواء الآثار السياسية للتفجير، ومنع انتقاله من كونه حادثاً أمنياً إلى أزمة تمس العلاقة بين الدولة والمكونات المحلية.
في المقابل، فإن البيانات التي صدرت عن أهالي جرمانا، وكذلك بيان أهالي دير الزور المقيمين في المدينة، حملت رسائل موازية تؤكد التمسك بالوحدة الوطنية ورفض استغلال الحادث لإثارة الانقسام، وهو ما يعكس إدراكاً محلياً لحساسية المرحلة، ومحاولة لقطع الطريق أمام أي توظيف سياسي أو طائفي للتفجير.
وبذلك، يكشف تفجير جرمانا أن التحدي الذي تواجهه سورية اليوم لا يقتصر على ملاحقة منفذي التفجيرات، بل يمتد إلى كيفية حماية الاستقرار الاجتماعي في المدن المختلطة، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة في المناطق ذات البنية الأمنية المعقدة. كما يؤكد أن التفجيرات المتكررة لم تعد تقاس بعدد الضحايا فقط، وإنما بقدرتها على توجيه رسائل سياسية وإثارة الشكوك حول الاستقرار في مرحلة تسعى فيها دمشق إلى تكريس صورة التعافي واستعادة مؤسسات الدولة لسيطرتها. وبينما يبقى تحديد الجهة المنفذة رهناً بنتائج التحقيقات الرسمية، فإن المؤكد أن التفجير يمثل اختباراً جديداً لقدرة الدولة على الجمع بين المعالجة الأمنية الصارمة، والحفاظ على السلم الأهلي.
- العربي الجديد























