في 11 آب 2026 صدر حكم الإعدام بحق بشار الأسد وأخيه ماهرالأسد غيابياً، هذا الحكم بالنسبة لي ليس مجرد الحكم على أشخاص، بل مؤشر على نهاية مرحلة، أما الحكم على الضابط السابق عاطف نجيب وجاهياً بالإعدام كان مكسباً مهماً لأهل درعا خصوصاً، وتكريساً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب أيضاً.
قبل أن أتابع أؤكد رفضي طبعاً لعقوبة الإعدام، ويجب إلغاؤها من القانون السوري، كان هذا الحكم فرحاً للشعب السوري عموماً، ولأهل درعا مهد الثورة السورية آذار 2011 خصوصاً، بمحاكمة عاطف نجيب قاتل أطفالهم، لكن هذا الأمر المفرح أعاد النقاش العام لقضية العدالة الانتقالية بين السوريين.
كنت كتبت مادة في هذا المنبر “العدالة الانتقالية ضحية” في 28 تشرين الثاني 2025، بعد هذا الحكم الذي صدر أخيراً هل لا تزال العدالة الانتقالية ضحية؟ الجواب: نعم، ستبقى حقوقياً وقانونياً ضحية، إلى أن يتم تسليم آل الأسد من قبل موسكو للشعب السوري، هنالك تحفظات من قبل ناشطين فحواها: إن عقوبة الإعدام بحق بشار وأخيه، تعتبر طوق نجاة لهما، لأنه لا توجد دولة تسلم لاجئين عليهم حكم بالإعدام.
في كتاباتي عن ملف العدالة الانتقالية، منذ الأيام الأولى للتحرير، وأنها ضحية مجتمع دولي متورط بشكل أو بآخر بالمقتلة الأسدية في سوريا، فإن ما هو متعارف عليه، أن أي عصابة ديكتاتورية حاكمة، يكون فيها رأسها هو رمزها وخزان معطياتها. من هنا تكمن أهمية محاكمة هذا الرأس، لكن ظروف التحرير في سوريا، وتاريخ الثورة والمقتلة، تجعل من هذه المحاكمة فتحاً لملفات، كثيرة هي الدول التي لا تريد فتحها.
ببساطة أيضاً تستطيع روسيا أن تأخذ ضمانات من الحكومة السورية بعدم إعدامه، فيما لو توفرت لديها الرغبة في تسليمه، فهل هنالك إمكانية لأن تسلمه روسيا للحكومة السورية؟ اعتقد أن روسيا لن تسلمه سواء تم الحكم عليه بالإعدام أو بالمؤبد، لهذا البحث في هذه النقطة هو مضيعة للوقت، لكن مع الاستمرار في المطالبة بتسليمه.
العدالة الانتقالية ليس غايتها فقط الحكم على أشخاص أو إعدامهم، بل غايتها إعدام مرحلتهم كلها، لأن ما يمكن إنجازه في هذا الملف، يسهم في بناء عقد اجتماعي جديد لبلد مثل سوريا، على ما مرت، وتمر به حتى الآن، من أهوال مقتلة الأسدية، إذاً الغاية الأساسية ليس محاكمة جناة فقط، بل خلق سياق اجتماعي وقانوني وحقوقي، لتجاوز تلك المرحلة وإعدامها رمزياً وفعلياً.
وأن تكون السلطة الانتقالية تؤسس لبديل نقيض الديكتاتورية والفساد المالي والسياسي، نقيض القمع والمحسوبيات الدينية والإثنية والطائفية والعشائرية، تؤسس ضمن رؤية مستقبلية، وتصور تطرحه للرأي العام السوري: ما الشكل السياسي الذي سيتوضع عليه نظام الدولة والمجتمع والسلطة.
سوريا المنهكة بانتشار السلاح والفقر، سوريا التي فتتها أوباما على مدار سنوات حكمه إبان زمن الثورة، جعلها بلداً مدمراً ورماداً على حد تعبيره، إن لم تخني الذاكرة في مقابلته مع العربية، عندما سُئل: عن أنه سلّم سورية لإيران وروسيا، لهذا، المرحلة الانتقالية السورية من أصعب المراحل التي يمر فيها بلد مثلها.
ما تحقق حتى الآن رغم أهميته، لكن لا يزال الطريق طويلاً وليس سهلاً، لهذا يجب أن يأتي ملف العدالة الانتقالية في سياق إعدام مرحلة الأسدية بكل تفاصيلها، وعقدها الطغياني.
أيضاً ستبقى العدالة الانتقالية ضحية ومنقوصة، ما لم تتم في سياق انتقال ديمقراطي للبلد، رغم كل الصعوبات التي تواجهها. تهيئة الأجواء من قبل الفاعلين السياسيين والنخب، من أجل وضع سوريا على سكة انتقال ديمقراطي، هنا فقط يمكننا القول ببساطة: حتى لو لم يتم تسليم آل الأسد للبلد، تكون العدالة الانتقالية قد وجدت مبتغاها.
إعدام المرحلة الأسدية لا يمكن أن يتم إذا استمرت ممارسات السلطة والنخب السياسية والثقافية وغيرهم، كما كانت أيام الأسدية، السلطة الانتقالية لا تملك ميزان قوى لجلب آل الأسد من موسكو، لكنها تملك ميزان قوى لبناء بديل مجتمعي كامل، لبناء دولة قانون ونظام ديمقراطي، أعرف أن هنالك من يرى فيما أطرحه، خاصة النخب التي حول السلطة، هو نوع من المثالية! لكنني أراه الواقعية التي نحتاجها، إذا أردنا نجاة البلد.
البديل المجتمعي على كل المستويات هو الغاية الأساسية من العدالة الانتقالية، نحن لسنا أمام حالة ثأر شخصي وإنصاف للضحايا كأفراد أو كمجتمعات محلية، بل نحن أمام بناء بلد، لهذا العدالة الانتقالية هي ملف تراكمي، كلما تقدمت البلد خطوة اقتصادياً أو اجتماعياً أو حقوقياً كلما وضعنا لبنة في إعدام تلك المرحلة، خاصة أننا لا نزال أمام حالة مجتمعات محلية، تخزن السلاح، كونه حكماً في النزاعات! كما حدث من صراع عائلي مؤخراً في حي البياضة بحمص وسقط فيه ضحايا.
أيضاً كلما تقدمت البلد، كلما ضاق الخناق على من لا يريد لها خيراً من بعض الأطراف السياسية، داخلياً وخارجياً، هذا الشعب الذي قدم ما قدم يستحق دولة تليق به، هذه أهم مهام العدالة الانتقالية وهدفها.
لا بد من القول على المستوى الشخصي، رغم كل ما سبق، ما جرى في هذا اليوم حلم بالنسبة لي، لهذا اعتبره أول تباشير انتصار الثورة فعلياً، فرحت مع الناس، لكن الرهان على قيام نظام ودولة وعقد اجتماعي مناقض لما سبق، هو الانتصار لثورتنا المباركة، خاصة أن هنالك سياقاً دولياً داعماً للحاكمين، متمنياً ألا يكون داعماً لهم علينا كسوريين! مع ذلك لا بد من توجيه الشكر لغرفة ردع العدوان ولأميركا، وقبل ذلك شكراً للثورة السورية بوصفها ثورة حرية وكرامة لكل السوريين.
- الثورة السورية






















