حادثة وفاة الشاب محمد غميرة، وهي للأسف ليست الأولى من نوعها منذ سقوط نظام الأسد، ينبغي أن لا تمر كحادثة عابرة، وتنتهي المسألة عند محاسبة أفراد بعينهم، مهما كانت مسؤوليتهم عما جرى. فمثل هذه الحوادث تطرح سؤالاً أكبر يتعلق بطبيعة المؤسسة الأمنية نفسها: هل تغيرت فعلاً عقلية الأجهزة الأمنية، أم أن شيئاً من عقلية النظام السابق ما زال حاضراً داخلها؟
من أخطر ما يمكن أن يبقى بعد سقوط نظام استبدادي هو الثقافة التي أنتجها. ثقافة ترى أن جهاز الأمن وعناصره فوق القانون، وأن امتلاك القوة يمنح صاحبها هامشاً واسعاً للتصرف، وأن المواطن مطالب بالامتثال والخوف أكثر مما هو صاحب حق في مواجهة مؤسسات الدولة.
إن بناء دولة مختلفة لا يبدأ فقط بتغيير الأشخاص أو الشعارات، وإنما بتغيير العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالشرطة والأجهزة الأمنية ليست سلطة فوق المجتمع، وليست مهمتها إصدار الأحكام أو إنزال العقوبات، بل تطبيق القانون وحماية الناس وضبط المشتبه بهم وإحالتهم إلى القضاء، الذي يملك وحده صلاحية تحديد المسؤولية والعقوبة.
إن استمرار حالات التوقيف غير المنضبط، أو إساءة المعاملة، أو منع الموقوف من حقوقه الأساسية، أو توسع الأجهزة الأمنية في استخدام القوة، لا يمكن تبريره بضرورات حفظ الأمن، ولا بالتهديدات الداخلية والخارجية، ولا بثقل الإرث الذي خلّفه النظام السابق.
وحتى عندما يكون الشخص متهماً بجريمة خطيرة، فإن ذلك لا يمنح أي عنصر أمني الحق في تعذيبه أو إهانته أو ضربه أو ممارسة العنف الجسدي أو اللفظي بحقه. احترام حقوق الإنسان ليس امتيازاً تمنحه الدولة لمن تثبت براءته، بل حق أصيل لا يسقط عن الإنسان بسبب الاشتباه أو الاتهام.
وقد أعلنت وزارة الداخلية مؤخراً إصدار ما سمّته “مدونة سلوك” إرشادية لعناصرها، تتضمن قواعد وأخلاقيات للتعامل مع المواطنين. ولا شك أن وجود مثل هذه المدونة خطوة مهمة، لكنها لن تكون كافية إذا بقيت المشكلة في الثقافة المؤسسية وفي آليات العمل والرقابة والمساءلة.
فالقضية لا تتعلق فقط بوجود التعليمات، وإنما بمنظومة كاملة تشمل طريقة تدريب رجل الأمن، وحدود صلاحياته، وآليات توقيف الأشخاص والتحقيق معهم، وحقهم في الاستعانة بمحامٍ وإبلاغ ذويهم، والجهة التي تراقب أداء الأجهزة الأمنية وتحاسب عناصرها عند التجاوز.
إن استمرار حالات التوقيف غير المنضبط، أو إساءة المعاملة، أو منع الموقوف من حقوقه الأساسية، أو توسع الأجهزة الأمنية في استخدام القوة، لا يمكن تبريره بضرورات حفظ الأمن، ولا بالتهديدات الداخلية والخارجية، ولا بثقل الإرث الذي خلّفه النظام السابق. فالحاجة إلى الأمن لا تعني إطلاق يد الأجهزة الأمنية، بل تجعل وضع الضوابط عليها أكثر إلحاحاً.
إن الرقابة على الأجهزة الأمنية لا تحمي المواطنين وحدهم، وإنما تحمي عناصر الأمن أنفسهم أيضاً. فالضوابط الواضحة والرقابة المستقلة تحول دون التعسف في استعمال السلطة، كما توفر حماية للعناصر من الاتهامات الباطلة وسوء التأويل عندما تكون ممارساتهم ضمن القانون.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد إعادة تنظيم الأجهزة الأمنية، بل إعادة بناء حقيقية لعقيدتها وطريقة عملها. نحتاج إلى رفدها بالحقوقيين والمتخصصين في القانون وحقوق الإنسان، ووضع قواعد صارمة للتوقيف والتحقيق، وضمان حق الموقوف في الدفاع والاستعانة بمحامٍ، وإيجاد آليات مستقلة وفعالة للشكاوى والتحقيق والمحاسبة.
وينبغي كذلك أن تكون أماكن التوقيف والاحتجاز خاضعة لرقابة مدنية وقانونية حقيقية، وأن يكون للمحامين والجهات الرقابية المستقلة دور فعلي في متابعة أوضاع الموقوفين، والأمن لا يمكن أن يكون منظومة مغلقة فوق الرقابة والمساءلة، لأنه في تماس دائم مع المجتمع، وفي كل تماس بين القوة الأمنية والمواطن ثمة احتمال لوقوع انتهاك أو تعسف.
يتحقق الانضباط، ولا تصحح الأخطاء، ولا يتحقق القصاص من الجرائم بتغريدة مواساة أو بيان إدانة، وإنما بإصلاح مؤسسي يضع حدوداً واضحة للسلطة الأمنية ويجعل القانون مرجعاً فوق الجميع.
والمفارقة أن ضعف الرقابة الرسمية والمستقلة يترك مهمة كشف التجاوزات في كثير من الأحيان للأهالي ولوسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن يجد بعضهم أن الأبواب الرسمية مغلقة أو غير فعالة. وهذا بحد ذاته مؤشر على حاجة الدولة إلى مؤسسات حقوقية ورقابية مستقلة تستطيع توثيق الانتهاكات ومتابعتها وفق القانون، سواء من داخل أجهزة الدولة، أم المجتمع المدني.
ولا يتحقق الانضباط، ولا تصحح الأخطاء، ولا يتحقق القصاص من الجرائم بتغريدة مواساة أو بيان إدانة، وإنما بإصلاح مؤسسي يضع حدوداً واضحة للسلطة الأمنية ويجعل القانون مرجعاً فوق الجميع.
إن التحدي الحقيقي في المرحلة الجديدة ليس فقط أن يكون لدينا أجهزة أمنية أكثر قدرة على ضبط الأمن، بل أن نبني أجهزة أمنية تعرف أن قوتها مستمدة من القانون، وأنها خاضعة له مثل أي مواطن آخر.
وإذا كانت الحرية والكرامة والحقوق هي من المبادئ التي قامت من أجلها الثورة السورية، فإن ترجمة هذه المبادئ إلى قوانين ومؤسسات وممارسات يومية هي الاختبار الحقيقي للدولة الجديدة. وما لم تُبنَ المنظومة الأمنية على هذه القواعد، وتُخضع لرقابة مستقلة وقيود واضحة في كل مراحل التوقيف والتحقيق والاحتجاز، فإن وفاة محمد غميرة ستبقى إنذاراً بأن “الخطأ الفردي” قد يتحول، إذا غابت الإصلاحات، إلى سلوك مؤسسي قابل للتكرار.
- تلفزيون سوريا
























