أعادت إسرائيل توتير الأوضاع في سورية، بعدما شنت، فجر اليوم الثلاثاء، سلسلة غارات استهدفت مدرج مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، بما فُسّر بأنه استفزاز لتركيا، التي زار وفد منها قبل ساعات المطار، لبحث إعادة تأهيله. ولم تلقَ الغارات الإسرائيلية قبولاً أميركياً، إذ بيّن المبعوث الأميركي إلى سورية والعراق توم برّاك أن الأمر شكّل “تصعيداً غير ضروري لا يخدم الاستقرار الإقليمي”. ووضعت الضربات الإسرائيلية التنافس التركي – الإسرائيلي في سورية أمام اختبار جديد، بعدما جاء الاستهداف بالتزامن مع معلومات حصل عليها “العربي الجديد” عن زيارة وفد عسكري تركي إلى المطار وبدء خطوات أولية لتأهيل مدرجه. وبينما تحمل الضربة رسائل عسكرية تتصل بإعادة بناء القدرات الجوية السورية والحضور التركي في البلاد، تبرز تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على ضبط التنافس بين اثنين من أبرز حلفائها في المنطقة ومنع تحوله إلى احتكاك عسكري مباشر على الأراضي السورية.
الهجوم على مطار أبو الظهور
للمرة الأولى منذ 25 مارس/آذار 2025 حين استهدفت غارات جوية إسرائيلية مطار تدمر العسكري في سورية، شنّت إسرائيل أربع غارات فجر أمس، على مدرج مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، بعد ساعات من زيارة وفد عسكري تركي إلى المطار وبدء خطوات أولية لتأهيل مدرجه، في وقت تراقب فيه إسرائيل جهود إعادة بناء القدرات الجوية السورية، وسط مخاوف إسرائيلية من تنامي الحضور العسكري التركي في سورية وإمكانية نشر منظومات دفاع جوي. وأكدت مصادر مُطلعة لـ”العربي الجديد” أن الغارات جاءت بعد زيارة وفد عسكري تركي، عصر أول من أمس الاثنين، إلى المطار بهدف تأهيل مدرجه. وأوضحت المصادر أن أعمال تأهيل المدرج كانت لا تزال في مراحلها الأولى، مشيرة إلى وجود عدة عربات إشارة تركية داخل المطار، بالتزامن مع تحليق مسيّرة استطلاعية من نوع “بيرقدار” في المنطقة. وبحسب المصادر، فإنه بعد مغادرة الوفد والمعدات التركية المكان، حلقت طائرة استطلاع إسرائيلية، ليل الاثنين – الثلاثاء، في أجواء المطار قبل أن يتعرض للهجوم.
مصادر: الغارات تمّت بعد جولة لوفد عسكري تركي في المطار
ويلفت استهداف مطار أبو الظهور القريب من تركيا الأنظار بالرسائل الموجهة منه لأنقرة، لكونه قريباً من مناطق النفوذ التركي وفق ترتيبات اتفاق أضنة (الموقع في عام 1998)، الذي يتيح حرية التدخل التركي في الشمال السوري. كما أن الهجوم جاء بعد زيارة وفد عسكري تركي للمطار بشكل مباشر، وعقب إطلاق الرئيس رجب طيب أردوغان تصريحات حول زيارته مستقبلاً إلى سورية، واحتمالية حصول الصراع بين تركيا وإسرائيل على الساحة السورية. وتحدثت مصادر تركية لـ”العربي الجديد”، قائلة أن أي هجمات على سورية منذ ما قبل سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 وبعده، يُعد من قبل أنقرة تهديداً للأمن القومي التركي. ولهذا يعد الهجوم على مطار أبو الظهور تهديداً مباشراً للأمن القومي. ودانت الخارجية التركية بشدة الغارات الجوية الإسرائيلية على مطار أبو الظهور، داعية في بيان “المجتمع الدولي لاتخاذ موقف أكثر حزماً لوقف العدوان الإسرائيلي المتصاعد على سورية ومحاسبة المسؤولين عن هذه الأعمال التي تتجاهل القانون الدولي”.
وقال الصحافي غونغور يافوز أصلان في حديثٍ لـ”العربي الجديد” حول رسائل الاستهداف والخيارات التركية: “في المرحلة الجديدة في سورية تشن إسرائيل هجمات من جنوب غرب دمشق، وأحياناً من مناطق أخرى داخل البلاد، ويأتي الاستهداف الأخير بالهجوم على قاعدة جوية سورية قرب الحدود مع تركيا، وأفادت مصادر سورية بأن إسرائيل هي من نفذته”. وأضاف: “يجري الجيش السوري حالياً عملية إعادة هيكلة في هذه القواعد الجوية، ساعياً إلى تعزيزها وتدعيمها، لا سيما فيما يتعلق بالرادارات وأنظمة الدفاع الجوي، ولكن ليس من الصواب تفسير هذا على أنه رسالة إلى تركيا، فتركيا لا تزال تنظر إلى الصهيونية بوصفها تهديداً دائماً، وتتبنى سياسات واقعية تجاه كل من سورية ولبنان، وتجاه الاحتلال الفلسطيني وتشن إسرائيل هذه الهجمات على سورية بوتيرة متسارعة أحيانا منذ الثامن من ديسمبر 2024 تاريخ سقوط النظام”.
وأوضح يافوز أصلان أنه “على سبيل المثال في السنة الأولى بعد الإطاحة بالأسد، نفذت إسرائيل أكثر من ألفي هجوم، بالطبع لا يتوافق التصريح الذي صدر عن زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى دمشق مع هذه الهجمات، لأن الهجمات شهرية وروتينية، وعمليات مستمرة في جبل الشيخ، ونرى الطبيعة المدمرة والتهديدية للصهيونية”. ولفت يافوز أصلان إلى أنه “جرت محادثات بين الحكومة السورية وإسرائيل بطلب من الولايات المتحدة، وساد مناخ من عدم الصدام، لكن هدف إسرائيل عدم تشكيل جيش سوري قوي وجاهز للقتال، ولهذا السبب تقع مثل هذه الهجمات من حين لآخر على مناطق يعاد تأهيلها، هذا وضع غير مستدام لسورية والمنطقة، وأعتقد أنه مع تعزيز قوات الدفاع السورية وزيادة احتياطاتها، وخاصة أنظمة دفاعها الجوي، ستختفي هذه الأنواع من الهجمات”.
من جانبه، رأى الصحافي أوزغور يورول في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن “إسرائيل لا ترغب في تعزيز نفوذ سورية في المنطقة، بل تسعى إلى إبقائها بعيدة، وبالطبع يثير قصف قاعدة قرب الحدود التركية عقب إعلان الرئيس (رجب طيب) أردوغان عن زيارته لسورية تساؤلات عديدة عن الأهداف منها ورسائلها. ومع ذلك باتت الحكومة السورية معترف بها دولياً، بما في ذلك من قبل الولايات المتحدة، ويزور دمشق العديد من رؤساء الدول والمسؤولين، لذا تعد زيارة الرئيس التركي لسورية أمراً طبيعياً وستتم”. وأكد قائلاً: “كما نعلم نفذ سلاح الجو السوري في الأسابيع الأخيرة بعض الطلعات الجوية بطائرات عسكرية، وفقاً لما ورد في وسائل الإعلام، ومن هذا نفهم أن إسرائيل لا ترغب في تعافي سورية أبداً، ومن المبكر الحديث عن خيارات تركيا في ظل غياب التعليق الرسمي على هذه الهجمات”.
وكانت وزارة الخارجية التركية قد أفادت، اليوم الثلاثاء، بأن وزير الخارجية هاكان فيدان بحث هاتفياَ مع كل من نظيريه القطري والسوري تطورات الأوضاع في المنطقة. وذكرت مصادر دبلوماسية في الخارجية التركية لوسائل الإعلام أن فيدان اتصل برئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وناقش معه خلال الاتصال الوضع في مضيق هرمز. وأضافت أن اتصال فيدان مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، استعرض آخر التطورات في المنطقة، من دون إضافة تفاصيل. وبما يتعلق بسورية، فقد أعرب المبعوث الأميركي إلى سورية والعراق، توم برّاك، عبر منصة إكس، عن قلقه من أن “الغارات الجوية الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري تشكل تصعيداً غير ضروري لا يخدم الاستقرار الإقليمي”. وأضاف اليوم، أن “حكومة (الرئيس أحمد) الشرع لم تتبنَّ موقفاً متشدداً… وأشارت مراراً وتكراراً، إلى تفضيلها خفض التصعيد مع إسرائيل”. وأوضح برّاك أن “الولايات المتحدة استضافت، وستستضيف، مناقشات لتشجيع الدبلوماسية بين البلدين”.
أصلان: مع تعزيز قوات الدفاع السورية ستختفي هذه الأنواع من الهجمات
ونقلت قناة “الإخبارية السورية” عن مصدر عسكري قوله، اليوم الثلاثاء، إن الهجوم أسفر عن أضرار مادية في بنية المطار، من دون وقوع إصابات. وقال الباحث خالد خليل، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن “التنافس الإسرائيلي – التركي على المستوى الإقليمي، وفي سورية بشكل خاص، برز مبكراً بعد سقوط نظام الأسد، باعتبار أن النظام البائد كان أحد أركان المحور الإيراني”. ورأى أن إسرائيل، في ظل حكومة اليمين المتطرف، اعتمدت تجاه سورية نهجاً قائماً على “هواجس القلق الأمني”، لافتاً إلى أن هذا النهج يأتي ضمن التغييرات التي طرأت على العقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي تقوم، بحسب قوله، على إنشاء “أحزمة آمنة” أو ما يوصف في إسرائيل بـ”مناطق تأمين دفاعية استباقية”، بهدف منع تكرار ما تعتبره إسرائيل “كابوس السابع من أكتوبر”.
ذرائع إسرائيل
وأشار خليل إلى أن حكومة اليمين الإسرائيلي استخدمت ذرائع عدة للتدخل في الشأن السوري، من بينها ازدياد النفوذ التركي، مستدركاً بأن “تركيا ليست إيران، ولا تمتلك مشروعاً أيديولوجياً على غرار النظام الإيراني، كما أنها ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأحد أبرز مهندسي القوة والأمن في المنطقة”. في المقابل، بحسب خليل، تحاول دمشق اعتماد مقاربات تتسم بالواقعية السياسية والابتعاد عن “لعبة المحاور التقليدية”، وإرسال رسائل طمأنة إلى معظم دول الإقليم، بما فيها إسرائيل. وأضاف أن السياسة الإسرائيلية تجاه سورية تتعرض أيضاً لانتقادات داخل إسرائيل، مشيراً إلى معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، والذي وجّه انتقادات إلى حكومة بنيامين نتنياهو وحذّر من أن الأنشطة العسكرية غير المبررة في سورية ينبغي استبدالها بمسار يترجم المصالح الأمنية الإسرائيلية إلى أهداف سياسية، من خلال التوصل إلى اتفاق أمني طويل ومستدام.
من جانبه، رأى الخبير العسكري ضياء قدور، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن استهداف مدرج مطار أبو الظهور تحديداً يمثل “رسالة ردعية استباقية مدروسة من قبل إسرائيل، لمنع تحويل المطار إلى قاعدة شمالية، خصوصاً مع تزايد التنسيق السوري – التركي في مجالات التدريب والدفاع والتعاون العسكري”. وحول الأهمية العسكرية للمطار، أشار قدور إلى أنه “ليس مطاراً مركزياً، لكنه يقع في موقع يربط بين ثلاث محافظات هي إدلب وحلب وحماة، ويُعتبر بوابة باتجاه المنطقة الشرقية والبادية السورية”، موضحاً أنه لا يحتوي سوى على مدرج عسكري ومدرج للحوامات. بدوره، اعتبر المحلل عبد الله الأسعد، في حديث لـ”العربي الجديد”، أنه “في كل مرة ترى فيها إسرائيل أن سورية وتركيا تعملان على إعادة تأهيل القوة الجوية والمطارات والبنية التحتية المرتبطة بها، تقوم بمثل هذه التصرفات”، معتبراً أن إسرائيل “قلقة جداً من زيادة وتيرة إصلاح المطارات وإعادة بناء بنيتها التحتية”. وقال إن مطار أبو الظهور “ذو أهمية استراتيجية كبيرة”، وأن إسرائيل تريد من خلال استهدافه توجيه رسالة مفادها أن المطارات العسكرية السورية لا تزال في مرمى ضرباتها.
- العربي الجديد
























