ثماني غارات إسرائيلية كانت كافية لإعادة مطار أبو الظهور العسكري إلى واجهة الأحداث بعد سنوات طويلة من خروجه عملياً من الخدمة، لكنها فتحت في الوقت نفسه ملفاً أكبر من المطار نفسه، يتعلق بمستقبل الوجود العسكري التركي في سوريا، وبالجيش السوري الذي تحاول الحكومة إعادة بنائه، وبالحدود التي يريد الاحتلال الإسرائيلي فرضها على أي قوة عسكرية جديدة تنشأ على الأراضي السورية.
ففي الساعات الأولى من صباح الثلاثاء 18 آب الجاري، استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي مدرج مطار أبو الظهور العسكري ومنشآت داخله، في هجوم لم يسفر عن خسائر بشرية، لكنه شكّل أول ضربة إسرائيلية معروفة تستهدف منشأة حكومية سورية منذ الهجمات التي وقعت في آذار الماضي، منهياً نحو خمسة أشهر من الهدوء النسبي على هذا المستوى.
ولم يكن المطار في ذلك الوقت قاعدة جوية سورية عاملة بالمعنى التقليدي، ولا كانت فيه أسراب مقاتلة تهدد إسرائيل، بل كان منشأة متضررة ومتوقفة عن الاستخدام العملياتي منذ سنوات ويجري العمل على إعادة تأهيلها.
وفي جواب مباشر على استهداف مطار يقع في ريف إدلب الشرقي، على بعد مئات الكيلومترات، وقريب من تركيا، قالت إسرائيل إن الهدف “منع تحول مطار أبو الظهور إلى موطئ قدم عسكري تركي جديد داخل سوريا”.
قاعدة تركية أم مطار سوري؟
بعد الغارة، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن سوريا كانت على وشك الإخلال بما وصفه “الوضع القائم المتفق عليه في المسائل الأمنية”، عبر السماح بنشر قوات تركية في مطار أبو الظهور، وقال إن إسرائيل وجهت تحذيرات مسبقة إلى سوريا قبل أن تلجأ إلى العمل العسكري.
وذهب نتنياهو بعد ذلك إلى مخاطبة تركيا بشكل شبه مباشر، مؤكداً أن إسرائيل لن تسمح بوجود عسكري تركي في سوريا يشكل تهديداً لها، ومقدماً الهجوم باعتباره رسالة كان ينبغي لتركيا أن تفهمها.
في مقابل ذلك، كشف وزير الخارجية، أسعد الشيباني، أن سوريا أبلغت إسرائيل قبل الهجوم بأنه لا توجد خطة لإنشاء قاعدة تركية في أبو الظهور، وإن المطار سيبقى تحت السيطرة السورية، وكان يجري تأهيله ليستخدمه سلاح الجو السوري.
وأكد الشيباني أن الضباط الأتراك الذين دخلوا الموقع كانوا هناك في إطار التدريب والتعاون العسكري مع دمشق، وليس للتحضير لانتشار تركي دائم.
وكشفت وكالة “أسوشيتد برس”، نقلاً عن مسؤولين سوريين، أن وفداً عسكرياً تركياً كان قد زار أبو الظهور قبل ساعات من القصف وغادر المكان قبل تنفيذ الغارة، في واحدة من أوضح الإشارات إلى حساسية النشاط التركي حول المطار بالنسبة إلى إسرائيل.
من جانبها، نفت تركيا الرواية الإسرائيلية، واعتبرت أن إسرائيل تستخدم ادعاءات “لا يمكن الدفاع عنها” لتبرير اعتداءاتها على سوريا، وأكدت أنها ستواصل تعاونها مع الحكومة السورية بصورة مشروعة في مجالات الأمن والاستقرار وإعادة بناء الدولة.
وفي بيانها الأول عقب الهجوم، قالت الخارجية التركية إن إسرائيل تواصل “بتهور” استهداف البنية التحتية والقدرات السورية، وإن غاراتها تنتهك وحدة البلاد وسلامة أراضيها، مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ موقف أكثر حزماً تجاهها.
ماذا سأل رئيس الموساد الشيباني؟
وعلى الرغم من ذلك، كشفت تفاصيل ظهرت بعد ذلك أن القضية أوسع بكثير من سؤال وجود قاعدة تركية في مطار أبو الظهور، فقبل أربعة أيام فقط من الغارة، تلقى أسعد الشيباني اتصالاً من رئيس جهاز “الموساد”، رومان غوفمان، في مستوى مرتفع وغير اعتيادي من التواصل المباشر بين الجانبين.
ووفق مصادر تحدثت إلى “رويترز”، تناول الاتصال المخاوف الإسرائيلية من التوسع العسكري التركي داخل سوريا.
ولم تقتصر الأسئلة الإسرائيلية على وجود الجنود الأتراك أو القواعد التي يمكن أن يستخدموها، بل شملت أيضاً مبيعات الأسلحة التركية إلى سوريا، وتزويد الجيش السوري بطائرات مسيّرة، وأشكال الدعم العسكري التي تقدمها أنقرة لدمشق.
فبعد سقوط النظام المخلوع، كانت تركيا أحد أبرز الداعمين السياسيين والاقتصاديين والعسكريين للحكومة السورية الجديدة، وأصبح ملف إعادة بناء المؤسسات العسكرية أحد مسارات التعاون بين البلدين.
وتشمل مجالات التعاون بين الجانبين التدريب والاستشارات والمعدات، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى إعادة تشكيل مؤسسة عسكرية خرجت من حرب طويلة ثم خسرت جزءاً مهماً مما تبقى من بنيتها بسبب الضربات الإسرائيلية التي أعقبت سقوط الأسد.
وتنظر إسرائيل إلى توسع تركيا عسكرياً في المنطقة باعتباره تحولاً استراتيجياً، لا مجرد مساعدة فنية للجيش السوري، وظهرت الحساسية الإسرائيلية، قبل أكثر من عام، عندما عاين مسؤولون عسكريون أتراك مطارات سورية أخرى، قبل أن تستهدف إسرائيل بعض المنشآت التي ارتبط اسمها بإمكان وجود تركي فيها.
لماذا يقلق إسرائيل جيش سوري يُعاد بناؤه؟
منذ سقوط نظام الأسد المخلوع، في كانون الأول 2024، تعاملت إسرائيل مع البنية العسكرية السورية وفق فرضية لم تعلنها بهذه الصيغة صراحة، لكن ضرباتها المتتالية جسدتها على الأرض: انتقال السلطة في سوريا لا يعني أن الحكومة الجديدة يجب أن ترث تلقائياً القدرات العسكرية السابقة أو أن يُسمح لها بإعادة بناء تلك القدرات من دون قيود.
وخلال الأيام والأسابيع التالية لسقوط الأسد، تعرضت قواعد جوية ومخازن أسلحة ومنظومات دفاع جوي وصواريخ ومواقع عسكرية سورية لموجة واسعة من الضربات الإسرائيلية.
وترافق ذلك لاحقاً مع فرض خطوط حمراء على تحركات الجيش السوري نفسه في الجنوب، ومع عمليات استهدفت بنية عسكرية عندما رأت إسرائيل أنها قد تسمح بتشكيل قدرات تهدد حرية عملها.
وتبدلت طبيعة الذرائع الإسرائيلية في الاعتداءات على سوريا تدريجياً، حيث ارتبطت معظم الضربات الإسرائيلية المعلنة على سوريا، خلال حكم نظام الأسد، بمواجهة الوجود الإيراني، ومنع نقل الأسلحة إلى “حزب الله”، وضرب البنية التحتية العسكرية لإيران وميليشياتها.
ورغم سقوط نظام الأسد وحلفائه لم تنته الهجمات الإسرائيلية، فالمشكلة بالنسبة لدولة الاحتلال لم تعد فقط أن تقع الأسلحة السورية في الأيدي التي لا تريدها، بل باتت تشمل ما يمكن أن تفعله بها الدولة الجديدة نفسها، ومن يساعد هذه الدولة على إعادة بناء قوتها.
لماذا مطار أبو الظهور مهماً؟
لا يبدو مطار أبو الظهور، بحالته الحالية، واحداً من أقوى الأصول العسكرية السورية، فهو يقع على بعد نحو خمسة كيلومترات شرقي بلدة أبو الظهور في ريف إدلب الشرقي، في منطقة قريبة من تماس محافظات إدلب وحلب وحماة، ويبعد نحو 70 كيلومتراً عن الحدود التركية.
ويملك المطار مدرجاً إسفلتياً يبلغ طوله قرابة ثلاثة كيلومترات، وهي مواصفات تتيح له، بعد تأهيله، استقبال طائرات عسكرية متنوعة.
وخلال سنوات الحرب، تعرض المطار لحصار طويل، قبل أن تسيطر عليه “جبهة النصرة”، في أيلول 2015، ثم استعاده نظام الأسد بدعم من روسيا وميليشيات إيران، في 2018، ودمرت الحرب جانباً كبيراً من بنيته وجعلته غير صالح للاستخدام الفعلي لسنوات.
ويوضح ذلك أن الأهمية الحالية للمطار لا تنبع من طبيعة بنيته أو ما يحتويه بالفعل، بل مما يمكن أن يصبح عليه، فموقعه قريب نسبياً من تركيا، وبعيد عن الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، ويقع في منطقة تتمتع فيها أنقرة بنفوذ لوجستي وسياسي كبير.
وتجعل هذه العوامل من مطار أبو الظهور مكاناً مناسباً مستقبلاً للتدريب ونقل المعدات وتشغيل الطائرات والمسيّرات وإعادة تأهيل وحدات من القوات الجوية السورية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحوله إلى قاعدة تركية.
رسائل إلى تركيا واعتداء على سوريا
لم تُخفِ إسرائيل أن إحدى رسائل غارتها على مطار أبو الظهور موجهة إلى تركيا، إذ اتهم وزير الدفاع الإسرائيلي الرئيس التركي بإدخال بلاده في “مغامرات خطرة في سوريا”، مؤكداً أن إسرائيل لن تسمح بأي تحرك تعتبره تهديداً لأمنها.
إلا أن جوهر القضية يبقى أن إسرائيل نفذت اعتداء داخل أراضي دولة مستقلة، واستهدفت منشأة سورية بسبب تعاون عسكري محتمل بين دمشق وأنقرة، فمهما كانت طبيعة القلق الإسرائيلي من الدور التركي، لا يمنح ذلك تل أبيب حق تقرير مع من تتحالف سوريا، أو من يدرب جيشها، أو من يزودها بالسلاح، ما دام هذا التعاون يتم بقرار من الدولة السورية وداخل أراضيها.
ومن هنا، لا يتعلق السؤال فقط بما إذا كانت تركيا تخطط لإنشاء قاعدة في أبو الظهور، بل بما إذا كانت إسرائيل تحاول فرض قيود تتجاوز حدودها، لتحدد شكل العلاقات العسكرية التي يحق لسوريا إقامتها.
فسوريا، بوصفها دولة ذات سيادة، تملك من حيث المبدأ حق بناء شراكاتها الدفاعية والعسكرية مع تركيا أو غيرها، وإعادة تأهيل مطاراتها وتسليح جيشها وتحديد طبيعة وجود الخبراء أو القوات الصديقة على أراضيها، من دون أن تتحول هذه الخيارات تلقائياً إلى مبرر لقصف إسرائيلي.
وتزداد حساسية المسألة مع حديث إسرائيل عن “وضع قائم متفق عليه” في القضايا الأمنية، رغم عدم الإعلان عن اتفاق نهائي يمنحها حق الاعتراض على تشغيل مطار في إدلب أو على وجود خبراء أتراك فيه.
ولذلك، تبدو الغارة على مطار أبو الظهور جزء من توجه إسرائيلي أوسع يسعى إلى تحويل اعتبارات الأمن الإسرائيلي إلى قيود مفروضة داخل الأراضي السورية نفسها، لا على المناطق المحاذية للجولان المحتل فحسب، بل على بنية الجيش السوري وعلاقاته وتحالفاته في عمق البلاد.
واشنطن: بين وقف الاعتداء وحماية مسار التفاوض
من جانب آخر، أظهرت الغارة أن التوتر التركي الإسرائيلي داخل سوريا لم يعد خلافاً سياسياً مجرداً، بل بات يحمل خطر احتكاك عسكري مباشر، فالمبعوث الأميركي، توم باراك، وصف الهجوم بأنه “تصعيد غير ضروري”، وكشف أن تركيا لم تُبلغ مسبقاً بالغارة، وأن واشنطن تعمل على آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا، خشية أن يؤدي سوء تقدير إلى مواجهة أوسع.
لكن منع الاشتباك لا يحل أصل المشكلة، المتمثل في استمرار الاعتداءات الإسرائيلية داخل سوريا كلما رأت أن تطوراً عسكرياً أو شراكة خارجية لا ينسجم مع حساباتها الأمنية.
وفي الوقت نفسه، تحاول واشنطن الحفاظ على مسار التفاوض السوري الإسرائيلي، بينما تؤكد سوريا استعدادها لمناقشة ترتيبات أمنية شرط ألا تتحول هذه الترتيبات إلى انتقاص من السيادة السورية أو إلى حق إسرائيلي في التحكم بانتشار الجيش السوري وتسليحه وتحالفاته.
وهنا تبرز العقدة في أي اتفاق محتمل بين سوريا وإسرائيل، حيث يمكن أن تشمل المفاوضات ترتيبات الحدود ومنع التصعيد وضمانات أمنية للطرفين، لكن ذلك يختلف جذرياً عن منح إسرائيل حق الاعتراض على خيارات سوريا الدفاعية داخل أراضيها أو على تعاونها العسكري مع دول أخرى.
ولهذا ركزت الإدانات السورية والعربية للغارة على انتهاك السيادة السورية، فالمشكلة لا تتعلق فقط بضربة منفردة على أبو الظهور، بل بمحاولة فرض واقع أمني إسرائيلي يجعل من أي قدرة عسكرية سورية مستقبلية، أو أي شراكة دفاعية لا ترضى عنها تل أبيب، هدفاً محتملاً للتدخل العسكري.
من يحدد شكل الجيش السوري الجديد؟
حتى الآن، يبدو من الصعب الجزم بأن هدف الغارة على مطار أبو الظهور كان منع إعادة بناء سلاح الجو السوري، كما لا توجد أدلة كافية للقول إن إسرائيل تعارض كل شكل من أشكال تسليح الجيش السوري، لكن المعطيات التي سبقت الغارة تجعل المسألة أوسع بوضوح من قاعدة تركية محتملة.
فرئيس جهاز “الموساد” سأل عن السلاح والمسيّرات والتعاون العسكري، وإسرائيل سبق أن قصفت مطارات ومقدرات سورية بعد سقوط الأسد، ونتنياهو يربط الوجود التركي بأمن إسرائيل، في حين تقول دمشق إن المطار المستهدف كان سيبقى سورياً ويستخدمه الجيش السوري.
وهكذا تضع الغارة ثلاثة مشاريع متعارضة أمام بعضها:
- تركيا تريد سوريا مستقرة وحليفة، وقادرة على بناء مؤسسات أمنية وعسكرية تعتمد جزئياً على الدعم التركي.
- سوريا تريد استعادة قدرتها العسكرية وإعادة بناء جيش قادر على السيطرة على الأراضي السورية والدفاع عنها.
- أما الاعتداءات والمواقف الإسرائيلية تشير إلى رغبة في ضمان ألا ينتج عن سقوط نظام الأسد جيش سوري جديد، أو وجود عسكري إقليمي جديد، يمكن أن يحد مستقبلاً من تفوقه أو من حرية عمله داخل سوريا.
وبين هذه المشاريع المتعارضة، تحاول الولايات المتحدة رسم منطقة وسطى: جيش سوري يعاد بناؤه، وعلاقة سورية تركية تستمر، وضمانات أمنية لإسرائيل، من دون أن تتحول سوريا إلى ساحة مواجهة بين حليفين لواشنطن.
وفي الخلاصة، قد لا تكون القيمة الحقيقية لضربة مطار أبو الظهور في الأضرار التي لحقت بالمدرج أو المنشآت، لكنها كشفت للمرة الأولى، بشكل واضح، أن السؤال الذي يجري التفاوض عليه بعد سقوط الأسد لم يعد فقط كيف تبدو الحدود بين سوريا وإسرائيل؟ بل أيضاً كيف سيبدو الجيش السوري الجديد، ومن سيسلحه ويدربه، وأين ينتهي حق سوريا في بناء قوتها وأين تبدأ الخطوط الحمراء التي تريد إسرائيل فرضها؟
- تلفزيون سوريا


























