تدخل سوريا عامها الثاني بعد سقوط نظام الأسد، وهي أمام اختبار يتجاوز إدارة المرحلة الانتقالية إلى تحديد شكل الدولة التي ستخرج منها، فالانفتاح الخارجي الذي حققته دمشق، والدعم الذي وفرته دول إقليمية حليفة، يقابلهما في الداخل واقع اقتصادي واجتماعي صعب، وأسئلة ثقيلة حول كفاءة المؤسسات، ومكافحة الفساد، وإعادة الإعمار، واستعادة الجيش قدراته بعد الضربات الإسرائيلية التي طالت بنيته ومقدراته.
في الوقت نفسه، تتحرك السياسة السورية بسرعة ومهنية واضحتين، فملف المفاوضات مع إسرائيل يفتح واحدة من أكثر القضايا حساسية، في ظل استمرار الاحتلال واختلال موازين القوة، بينما يثير ملف حل “قسد” واندماجها في مؤسسات الدولة تساؤلات جديدة، بالتزامن مع الحديث عن ترتيبات دفاعية إقليمية قد تكون سوريا جزءًا منها. وتفتح هذه الملفات حوارًا أوسع حول موقع دمشق في المنطقة، وحدود قدرتها على الموازنة بين حاجتها إلى الاستقرار وسعيها إلى استعادة سيادتها ومكانتها.
في هذا الحوار الخاص مع “نون بوست”، يقدّم السياسي السوري الدكتور خالد خوجة قراءته لهذه التحولات، انطلاقًا من تجربة وخبرة سياسيتين تشكلتا على ضفتي المشهدين السوري والتركي، فقد كان حاضرًا في مؤسسات المعارضة خلال سنوات الثورة السورية، قبل أن يخوض تجربة أخرى في الحياة السياسية التركية إلى جانب رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو. وأتاحت له التجربتان متابعة العلاقة بين دمشق وأنقرة عن قرب، وفهم التحولات التي طرأت على الموقف التركي تجاه سوريا، في وقت تُعاد فيه صياغة كثير من التوازنات التي أحاطت بالملف السوري طوال السنوات الماضية.
كيف تقرأ المسار السياسي الذي تسلكه سوريا اليوم، وما أبرز التحديات التي تراها أمام استقرار المرحلة الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة؟
الخطوط العريضة للمسار الحالي وُضعت في الأساس مع بداية تشكيل الأجسام السياسية لقوى الثورة والمعارضة السورية. الأسلوب المذهل الذي تمت من خلاله عملية التحرير وسقوط النظام بشكل غير متوقع اختزل كلًّا من المسافة الزمنية والخطوات الإجرائية للمسار السياسي، بتشكيل الحكومة الانتقالية، ومن ثم المجلس النيابي، مع الحفاظ على مؤسسات النظام.
لكن تبقى الشروط الرئيسية التي عملت عليها قوى الثورة على مدى سنوات مع المؤسسات الدولية لإدارة البلاد بعد التحرير تحديًا مهمًا أمام الحكم الحالي، في ظل استمرار النفوذ الخارجي داخل مكونات المجتمع السوري من جهة، واعتماد الولاء على حساب الكفاءة من قبل الحكم الحالي من جهة أخرى.
وهذه الشروط تتمثل في تحقيق السلم الأهلي، وإعادة الإعمار، والإصلاح الدستوري، إلى جانب مكافحة الإرهاب والمخدرات، ويتفرع تحت كل بند من هذه الشروط الأساسية إجراءات يجب في النهاية أن تنعكس على حياة المواطن العادي، بتوفير الأمن والغذاء وفرص العمل وبيئة صالحة للسكن.
لو نظرنا إلى ما تم تحقيقه إلى الآن من هذه الناحية، فأعتقد أن الوضع الحالي يستدعي الحكم الانتقالي إلى إعادة نظر شاملة في مقارباته. وأعتقد أن نبض الشارع السوري هو المقياس لنجاح التجربة الحالية أو فشلها، بعد أن اقتربت من نهاية عامها الثاني، فما زال نحو 90% من الشعب السوري تحت مستوى خط الفقر، و65% منهم يعانون من فقر مدقع، حسب تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي.
وما زال قطاع واسع من المواطنين يعتمدون على مساعدات ذويهم في الخارج، بينما يعاني واحد من كل ثلاثة شباب من البطالة. والاقتصاد الموازي الذي كانت تديره شبكة مقربة من الحكم أيام النظام ما زال كما هو، مع تغيّر الوجوه. وعندما نتكلم عن اقتصاد موازٍ، فنحن بالضرورة نعني وجود منظومة فساد تحافظ على سحق الطبقة المتوسطة وتوسّع الفجوة بين طبقة الأغنياء والفقراء، وهذا أكبر عائق أمام التعافي الاقتصادي.
كما أن الضرورة الملحّة لإصلاح البنى التحتية في المدن، كتعبيد الطرقات وتنظيم البيئة السكنية وتوفير الخدمات الضرورية من قبل البلديات، لم ترَ النور، رغم حملات جمع التبرعات التي أُعلن فيها عن جمع مئات الملايين من الدولارات في المدن السورية. لكن، في نظري، يبقى أهم تحدٍّ أمام الحكم الحالي هو إعادة تأسيس القوة الردعية للجيش السوري، بعد تدمير بناه التحتية من قبل الطيران الإسرائيلي.
على مستوى السياسة الخارجية، حصلت قفزات هائلة، آخرها رفع سوريا من لائحة الإرهاب، ويجب ألّا نهمل دور الدول الصديقة كالسعودية وقطر وتركيا، التي تساعد في تشكيل رافعة لسياسة البلاد الخارجية.
كنت من مؤسسي حزب المستقبل وعملت إلى جانب الدكتور أحمد داود أوغلو لسنوات، كيف تقرأ قرار حل الحزب وما الذي انتهت إليه التجربة قياسًا إلى المشروع الذي انطلقت منه؟
عاصرت الدكتور أحمد داود أوغلو خلال سنوات مفصلية من الثورة السورية، ثم عملت معه في السياسة التركية، إلى أي مدى أثّر الملف السوري في مسيرته السياسية وصولًا إلى تجربته الأخيرة؟
الدكتور أحمد، أو الخوجة “الأستاذ” كما نحب أن نناديه، له أيادٍ بيضاء على الثورة السورية حتى قبل انطلاقتها، فقد رأى بوادر الأزمة منذ عام 2008، وحاول أن يحلّها بالتوسط بين المعارضة في الخارج والأسد، مستغلًا العلاقة المتميزة آنذاك بين البلدين. وفي بدايات الثورة، حاول إقناع الأسد لمدة ستة أشهر بتبنّي الحل السلمي. لكن عندما توجّه الأسد إلى القمع، وضع د. أحمد إمكانات الدولة التركية في خدمة الثورة السورية، إلى جانب دولة قطر الشقيقة.
وللمفارقة، عندما تغيّر المزاج العربي والعالمي قبيل التحرير لصالح نظام الأسد، وضعت الحكومة التركية وأدواتها الإعلامية كل اللوم على د. أحمد، بزعم أنه زجّ تركيا في مغامرة خاسرة مع الثورة السورية. وكلنا نذكر يد الرئيس أردوغان التي امتدّت أكثر من مرة إلى الأسد في السنة الأخيرة قبل التحرير.
عندما غادر د. أحمد الحكم عام 2016، بدأت الحملات العنصرية ضد وجود السوريين، واستهدفت هذه الحملات د. أحمد أيضًا، وهو دافع في كل مناسبة عن سياسته في دعم الثورة السورية. وربما يصدر خلال فترة قصيرة كتاب مذكراته عن سوريا، وفيه الكثير من التفاصيل.
كيف تقرأ المسار التفاوضي الذي يقوده وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع إسرائيل، وما الذي يمكن أن تحققه سوريا من هذه المفاوضات في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وغياب الثقة بين الطرفين؟
سأبدأ من نهاية سؤالك؛ لا يمكن أن يجتمع مفهوم الثقة مع مفهوم الاحتلال في ذهن الإنسان الحر. الاحتلال يستوجب التحرير بالضرورة، ونحن أمام واحدة من أبشع حالات الاحتلال في التاريخ البشري، وهو لا يكتفي باحتلال الأراضي السورية واستباحة كامل ترابها، بل يعلن بصراحة أننا من نسل “العماليق” الذين يجب استباحة دمائهم وأعراضهم وممتلكاتهم، ويحرّك أدواته من سكان سوريا ضد الدولة السورية.
أما موضوع المفاوضات، فهو حسب الضرورة، ولا أرى بأسًا بالمفاوضات المباشرة إن تطلب الأمر، بل من خلال تجربتي أرى أن المفاوضات عبر الوسطاء قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى تصور ضبابي لدى الأطراف.
أما عن رأيي الشخصي، فأعتقد أن مسار المفاوضات الأمنية، في وضع سوريا الحالي مع الكيان المحتل، لا يمكن أن يثمر عنه استقرار للبلاد في ظل عصاه المسلّطة على سوريا.
في الواقع، إن المسار الحالي هو من متطلبات الخطة الأمريكية التي تشمل المنطقة، وليس سوريا فقط، لتوسيع اتفاقيات السلام مع إسرائيل، سواءً تحت عنوان الاتفاقية الإبراهيمية أو تطبيع العلاقات أو اتفاقية أمنية. ولكن، كون الأراضي السورية محتلة ومستهدفة باستمرار من قبل الكيان بعد تدمير مخزونها العسكري، فبطبيعة الحال هناك فرق هائل في موازين القوة بين البلدين، وبطبيعة الحال سينعكس هذا على طاولة المفاوضات. ولا يمكن أن ننتظر مخرجات عادلة من هذا المسار.
بعد إعلان مظلوم عبدي اكتمال دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية لـ “قسد ” في الدولة، كيف تقرأ انتقاله من قيادة قوة عسكرية إلى البحث عن دور سياسي، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل المشهد السياسي السوري؟
بعد إسقاط النظام ودعم الحكم الحالي، تريد الولايات المتحدة، في المقابل، تسييل استثمارها العسكري والمادي في قوات سوريا الديمقراطية إلى أصول ثابتة في السياسة السورية، إلى جانب سعيها إلى خلق بيئة مناسبة لاستقرار الكيان عبر الاتفاقيات التي ذكرناها.
وأعتقد أن أهم مكسب لتيار حزب العمال الكردستاني في تركيا وسوريا هو انتزاع الاعتراف بحصر التمثيل الكردي عبر مؤسساته، مستغلًا في تركيا حاجة الرئيس أردوغان إلى تمديد فترة رئاسته لمرّة ثالثة، وفي سوريا الرعاية الأمريكية للعملية السياسية.
وأعتقد أن مقاربة الاندماج في سوريا وعملية الحل في تركيا قد تحققان ترحيل بعض المشاكل الجوهرية الناتجة عن تجاهل حقوق الشعب الكردي في فترة حكم البعث وبعد تأسيس الجمهورية التركية، لكن بسبب طبيعتهما القسرية، لا أعتقد، خاصة في سوريا، أنهما ستساعدان في تحقيق الاستقرار المستدام، كون باقي المؤسسات السياسية الكردية تعاني من سلطوية تيار حزب العمال الكردستاني.
كيف تقرأ احتمال انضمام سوريا إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، وما الذي سيعنيه ذلك لموقع دمشق وتحالفاتها في المنطقة؟
إلى الآن، لا توجد تفاصيل حول الاتفاق والشروط التي يجب على الدول تحقيقها للانضمام إليه. كما أعتقد أن الخطوات العملية التي ستنتج عن هذا الاتفاق هي التي ستحدد طبيعته ومدى فاعليته، خاصة في ظل جهود الولايات المتحدة لإعادة ترتيب الوضع الإقليمي بالتوازي مع الحرب على إيران.
الاتفاق بحد ذاته خطوة مهمة ومفصلية، في الوقت الذي تظهر فيه الولايات المتحدة رسائل متناقضة حول طبيعة دورها المستقبلي في المنطقة. وأعتقد أن سياسة الانفتاح والنأي عن المواجهة التي تتبناها القيادة السورية، إذا اقترنت بإصلاحات داخلية جذرية، تؤهلها للعب دور مركزي في المنطقة، سواء دخلت ضمن هذه الاتفاقية أو عبر اتفاقيات ثنائية مع دول أخرى.
- نون بوست











