في رده على سؤال مذيعة الجزيرة ليلى الشيخلي حول: لماذا يقف بعض المثقفين السوريين ضد شعبهم ويدعمون النظام ويشاركون في تلفيق أكاذيبه حول وجود مندسين وسلفيين وعصابات بين المتظاهرين؟.
حدّد المفكّر عزمي بشارة، بما معناه، عاملين مهمين يدفعان بعض المثقفين السوريين إلى هذا السلوك الذي يصل إلى حدّ تخوين كل من يخالف النظام برأي، هما أولاً الخوف.. حيث من المعروف أن هذا النظام هو الأشد استبداداً وقمعاً في المنطقة، والثاني هو المصالح المادية التي نشأت بين الكثير منهم وبين النظام على مختلف الأشكال والصور. وأبدى عزمي بشارة خوفه من عامل ثالث رغم أنه لا يتمنّى ولا يرجّح وجوده هو أن يكون هؤلاء المثقفون يؤمنون فعلاً بفاشية النظام، ويشرعنون قتله للمدنيين تحت شتّى الذرائع، وهو أمرٌ خطير بالنسبة لصورة المثقف…
ويبدو أن عزمي بشارة محقّ في إعادته السبب إلى عاملي الخوف والمصلحة حيث أثبت النظام للمتشككين من أصدقائه قبل أعدائه، وللهاربين من تصديق هواجسهم من المثقفين العرب الخائفين على بلد طالما شكّل لهم حلماً قومياً نبيلاً، وبصورة مخيفة أنه ليس الأشدّ قمعاً في المنطقة فحسب، بل هو نظام حافظ الأسد الرهيب نفسه المستعدّ لإعادة ارتكاب مجازر حماة وحلب وجسر الشغور وسجن تدمر، ولا يمنعه من إعادة تكرارها على الصورة الكلاسيكية ذاتها للأب من قبل الإبن في درعا وبانياس وحمص وبقية المدن السورية المتظاهرة طلباً للحرية سوى جهاز الموبايل الملعون من قبل الديكتاتوريات، وإن فعل هذا في الحقيقة على ذات الطريقة الكلاسيكية في درعا التي ما زالت محاصرة، وفي بانياس المحاصرة الآن مع مجزرة إطلاق النار على نساء متظاهرات وقتل أربعة منهن برصاص أمن النظام حتى كتابة هذه السطور، لكن بمحاولته منع صور المجازر التي لم تظهر أبداً في عهد الأب، من خلال محاولة تغطيتها بمسرحيات مضللة وأكاذيب يرددها دون وازع من ضمير مستشارون وأساتذة جامعات بألقاب دكتوراه لا يعرف من أين حصلوا عليها، وصحافيون مرتزقة أكثر شطارة تم استيرادهم من الآلة الإعلامية لحلفائه في بيروت، وبكم هائل من السذّج الذين يتصلون بالفضائية السورية الرسمية والقنوات الفضائية الدولية لدحر صور شهود العيان بالشتائم والتخوين وركاكة الحجج التي أصبحت طرائف تروى عن غثاثة التلفيق… كما أثبت النظام بسجن مثقفي الرأي المعارضين للاستبداد والفساد، وحرمانهم من الوظائف ومنعهم من السفر، وممارسة أشكال التنكيل بهم، مع تسليمه إدارات المؤسسات الثقافية والإعلامية إلى المتزلفين الخاوين سوى من موهبة حراسة أغنام النظام، وفتحه أبواب إقامة مؤسسات الإنتاج الإعلامي والثقافي للمرتزقة المرتبطين بأجهزته.. أنه في سبيل أن يكون مركز مصلحة المثقف الخادم لن يتوانى عن تجريد المثقف الحرّ من الحقوق المدنية كما فعل مع معتقلي الرأي، وأنه لن يتوانى عن اعتقال حتى النساء المثقفات مثلما فعل مع الدكتورة فداء الحوراني وتهامة معروف وسهير الأتاسي ودانا الجوابرة، والعشرات غيرهن، وتلفيق أرذل التهم لهن مثلما فعل مع طل الملوحي، مع اعتقال حتى المثقفين الشيوخ مثلما فعل مع ميشيل كيلو والطيب تيزيني وعمر قشاش وحسن عبد العظيم، والوصول إلى إصدار مبررات الاغتيال الفعلي كما فعل بتلفيق كذبة وجود المثقف النوعي (العلماني) رياض الترك / والشخصية السورية البارزة في حزب الشعب الديمقراطي السوري، في المسجد العمري مع الشيخ أحمد الصياصنة في درعا، على لسان (الدكتور) طالب إبراهيم / أحد وجوه قيادة الخداع، الضحل حتى بمعلوماته عن رياض الترك حيث اعتبره الأمين العام لرابطة العمل الشيوعي.. ويا لهول فداحة التحريض على الاغتيال وتبريره: (لقيادة العصابات السلفية).
كما يبدو أن العامل الثالث الذي يفترض إيمان هؤلاء المثقفين فعلاً بنظام مستبدّ قائم على إلغاء الآخر وإقصائه (من دون خوف أو مصلحة)، وشرعنتهم قتله لمدنيين يطالبون سلمياً بالحرية، تحت شتّى الذرائع، والذي تخوّف منه عزمي بشارة ولم يرجّح وجوده دون تفسير في الحقيقة ربما لضيق الوقت وتجنّب إحراج إيراد أسماء مثقفين على قناة فضائية.. هو غير موجود في الحقيقة، لسبب بسيط هو أن هذا الإيمان يتطلّب مثقفاً نوعياً على ندرة المثقفين النوعيين المعادين للإنسانية، وهو ما لا يتوفر في عالم الثقافة السورية، حيث أن المثقفين الذين وقفوا هذا الموقف لا يملكون في الحقيقة حتى القيمة العادية للمثقف خارج القيمة الإعلامية المصطنعة، وخارج دعم النظام لهم، في ظل تجهيل ممنهج استمر بممارسته على المجتمع طوال أربعين سنة، مع منعه الأصوات والأعمال الثقافية النوعية لمثقفي المعارضة السوريين الذين لم يستطع إخراس وإيقاف إنتاجهم للثقافة التي تقود المظاهرات السلمية الآن بجسدها العاري في الشوارع…
وفي مسح بسيط في الحقيقة لدفاعات مثقفي النظام عنه بأخذ نماذج عنهم مثل محمد سعيد البوطي، دريد لحام، ونجدت أنزور.. يكتشف المرء مدى السطحية والابتذال الثقافي والأخلاقي الذي يعبّر عن القيمة الحقيقية الضحلة لهم بالنسبة للثقافة.. فالبوطي الذي خدع جماهير هائلة من المسلمين طيلة عقود بخطاب خبيث يلعب على اليقينية وانعدام الشك لديهم، تكشّف عن فنطازيا لم يستطع أن ينافسه في غثاثتها فارس الخواء نجدت أنزور باعتباره أن ما يحدث للناس من مساوئ لا يعود إلى النظام وإلى المصلح بشار الأسد بل إلى مسلسل ‘وما ملكت أيمانكم’، العمل التافه الذي أخرجه أنزور نفسه، الذي يتقاسم مع البوطي همّ الدفاع عن النظام بانتقاده المظاهرات ‘التي أصبحت، في بعضها، تغطية للقتلة الذين يروعون الشعب’ كما يقول، ويسبق مسعورين مثل بسام أبو عبدالله وطالب إبراهيم ومحمد أغا وربما بثينة شعبان نفسها في ارتكاب جريمة التخطيط والتنفيذ لجرّ المجتمع السوري للطائفية بإضافته: ‘لا بل وصل الأمر حداً من الفظاعة إلى درجة القتل على الهوية الطائفية’، إضافة طبعاً إلى مشاركة هذا المخرج الإعلامي للمثقفين الآخرين بالتمثيل بجثث الفضائيات الدولية الإعلامية التي قتلوها من أجل أن لا تظهر أية صورة للمجازر… وتصل قيمة هؤلاء المثقفين درجات لا تحسد من الضحالة مع الكوميدي دريد لحام الذي يصرّح مدافعاً عن زج الجيش في قتل الشعب بوطنية غير مفهومة أن ‘مهمة الجيش السوري ليست محاربة إسرائيل، وإنما الحفاظ على السلم الأهلي، وهذا ما يفعله الجيش في الأحداث الجارية’، رافعاً خطاب الضحالة إلى التماهي بالسلوك البائس للنظام في اعتباره أن كل من ليس معه فهو ضده بهجومه الحاد على المفكر عزمي بشارة، معتبراً إياه منافقاً وشيطانا بقوله: ‘سورية كانت تعتبره صديقاً وعلى هذا الأساس تعاملت معه، إلا أنه كان يلبس لبوس الشيطان’.
ويمكن إضافة عامل مهم آخر إلى العوامل التي ذكرها عزمي بشارة، وهو أن أية طبقة وأي نظام وأية سلطة وأية عائلة، سواءً أرادت ذلك أم لم ترد، تخلق الثقافة التي تعبّر عنها، وجهود النظام السوري المميز بالاستبداد والفساد وارتكاب المجازر، والمتبلور الآن بعائلات معدودة تدير البلد كمافيات، أنتج ثقافته المعبّرة عنه خلال العقود الأربعة الماضية، وظهرت هذه الثقافة للعيان أمام العالم الذي وقف مذهولاً أمام صور انحطاطها الأخلاقي وهي تدوس على المواطنين في قرية البيضا وتحصد المتظاهرين العزّل في شوارع المدن السورية وتقتل الجرحى في المستشفيات وتقتل رجال الجيش الذين يرفضون إطلاق النار على المواطنين من الخلف، كما وقف مذهولاً أمام مثقفيها وهم يزيفون الحقائق إلى درجة السخرية من محاولاتهم المضحكة البائسة في تغطية وجه الحقيقة الظاهر كالشمس على الفضائيات، وما اصطفاف فرسان الخواء هؤلاء مع النظام، سوى أمر طبيعي يعكس التربية والمصلحة والخوف.. ولا يمكن التوقع بطبيعة الحال من مثقف فلسطيني نوعي مثل عزمي بشارة أن يقف أخرس أمام القتل كما يريد العادي دريد لحام، مثلما لا يمكن التوقع من مثقف سوري نوعي مثل أدونيس الذي وقف ضد مجزرة تل الزعتر الشهيرة التي تشارك النظام السوري نفسه مع الكتائب أدوار بطولتها في حق الفلسطينيين.. الوقوف في ذات الصف مع مثقفين عاديين مثل البوطي أو بثينة شعبان أو جورج جبور أو نجدت أنزور.
‘ شاعر وكاتب من سورية
“القدس العربي”





