تشهد العلاقات بين موسكو ودمشق فتوراً ملحوظاً منذ عدة شهور مضت، وربما يمكن تحديدها ببداية عمليات الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل وبداية ظهور بوادر تحسن في العلاقات بين واشنطن ودمشق، وإن كانت موسكو في الواقع لا تعارض، بل تشجع وتحبذ وتؤيد، التسوية السلمية بين سوريا وإسرائيل، ولا يضيرها تحسن العلاقات بين واشنطن ودمشق كما يعتقد البعض، خاصة وأن موسكو منذ سنوات طويلة مضت لم تعد تعول كثيراً على سوريا كحليف استراتيجي سابق، على الرغم من تأييد موسكو لدمشق في كل القضايا ودعمها العسكري والاقتصادي والسياسي لها، وإلغاء موسكو لأكثر من 14 مليار دولار ديوناً على سوريا للاتحاد السوفييتي السابق.
في الآونة الأخيرة تصاعدت حدة التوتر في العلاقات بين موسكو ودمشق، عندما أعلنت إدارة مصنع «سوكول» في مدينة نيجني نوفغورود الروسية في مايو الماضي أنها أوقفت العمل على إعداد طائرات مقاتلة للتصدير إلى الخارج. ولم تحدد الإدارة الجهة التي يجب أن تستلم هذه الطائرات. وتبين بعد ذلك أن هذه الطائرات كانت ستصدر إلى سوريا التي كانت قد تعاقدت مع المصنع على شراء 8 طائرات من طراز «ميغ-31 أ» بقيمة 400 إلى 500 مليون دولار في عام 2007. ولم يصدر تعليق رسمي على هذا الموضوع.
وقال مصدر قريب الصلة من مؤسسة «روس اوبورون اكسبورت» التي تدير صادرات السلاح الروسية، إنه لا يستبعد إمكانية أن تتراجع روسيا عن تنفيذ هذه الصفقة بسبب ضغوط إسرائيلية.
إلا أن مصدراً في وزارة الصناعة الروسية صرح بأن السبب في تعليق الصفقة هو افتقار دمشق إلى الموارد المالية المناسبة لسداد قيمتها. ولكن لم يصدق الكثيرون هذا التبرير، باعتبار أن روسيا في تعاملها مع دمشق بالتحديد لا تشدد كثيراً في مسائل دفع المستحقات.
وكانت سوريا أبدت اهتماماً كبيراً بإمكانية شراء عدد من هذه المقاتلات من روسيا، ولكن الجانبين لم يتوصلا إلى اتفاق بهذا الشأن. وذكر أن المحادثات التي جرت بين موسكو ودمشق شهدت مناقشة مختلف الخيارات حول هذه الصفقة، ولكن المحادثات توقفت في نهاية المطاف لبعض الأسباب من بينها سياسية.
السؤال المطروح حالياً هو، هل تأثرت بالفعل العلاقات الروسية السورية، وما هي الأسباب؟
يرى البعض أن النظام السوري الذي واجه مشكلات كثيرة في علاقاته العربية، وضغوطاً شديدة من واشنطن وإسرائيل، وجد نفسه في مأزق، الأمر الذي فرض عليه خيار الدخول في مفاوضات السلام مع إسرائيل ولو بطريق غير مباشر، عن طريق وساطة إقليمية من تركيا. ولكن الضغوط الأميركية على النظام السوري تفرض عليه أحياناً أن يقدم بعض التضحيات أو التنازلات التي تعكس حسن نيته، ولأن النظام السوري لا يستطيع أن يقدم تنازلات على الساحة العربية، وخاصة في منطقة الجوار، سواء في دعمه للمقاومة اللبنانية، أو في دعمه لحركة حماس الفلسطينية، ولا يستطيع أيضاً أن يقدم تنازلات في علاقاته مع إيران التي تعطيه دعماً إقليمياً سياسياً يساعده في التفاوض ومواجهة الضغوط، سواء مع إسرائيل أو مع بعض الدول العربية، فقد اختارت دمشق النقطة الأضعف في علاقتها مع روسيا، باعتبار أن دمشق اعتادت منذ سنوات طويلة مضت على تسامح روسيا معها.
وقد بدا هذا التنازل السوري في تصريحات القيادة السورية لصحف عربية بعدم اهتمامها بمؤتمر موسكو الخاص بالشرق الأوسط، وأن أوراق القضية كلها في يد واشنطن، وبدا واضحاً أن دمشق لا تعير الدور الروسي في الشرق الأوسط الاهتمام الواجب أو المطلوب.
وجاءت واقعة تراجع الجانب الروسي عن تصدير الطائرات المقاتلة إلى سوريا، لتعكس بوضوح وجود توتر في العلاقات بين دمشق وموسكو، وعلى ما يبدو أن إسرائيل تريد انتهاز هذه الفرصة للتقارب مع روسيا على أمل تغيير توجهاتها في منطقة الشرق الأوسط.
كاتب روسي
"البيان"




















