ليس قدراً أن نكون وقود «محاور» – دفاعاً عن تَخيُّل مصير آخر لمنطقتنا في ذكرى 7 أكتوبر

صادق عبد الرحمن - ياسين السويحة

article

هل تتشكل منطقتنا سياسياً من محاور متصارعة فقط، مع ما تعنيه هذه الـ«فقط» من ضرورة الاندراج في أحد هذه المحاور طريقاً للتأثير والفعل وربما النجاة؟ أَكلُّ ما هناك محورٌ مُكوَّن من إيران و«حلفائها»، يقابله إسرائيل وداعموها، وفي الأفق كوكبة من الجهات والأنظمة التي وإن لم تتحالف جهاراً مع إسرائيل إلّا أنها لا ترى في هزيمة إيران على يد إسرائيل ما يُخشى من عواقبه؟ أهذه فعلاً كلّ القصة؟ وأين مُعاشنا وأرضنا ومصالحنا وحقوقنا وحرياتنا وكراماتنا وتطلُّعاتنا؟ لا تعود الـ«نا» هنا على السوريين والسوريات فحسب، بل على شعوب المنطقة العالقة بين مسارات صواريخ ومُسيَّرات، وخطوط إمداد، ومواقع ميليشياوية و«نقاط استهداف».

لكن لماذا نطرح هذه الأسئلة في يومنا هذا بالذات؟ لأنه اليومُ الذي نفّذت فيه حركة حماس عملية السابع من أكتوبر قبل عام، العملية العسكرية الكبرى التي اخترقت خطوط حِصار غزة الإجرامي المديد، لتُوقِع أكبر عددٍ من القتلى والجرحى والرهائن الإسرائيليين في تاريخ الصراع. عملية اتخذتها إسرائيلُ ذريعةً لإطلاق حرب إبادةٍ همجية في فلسطين، ثم حرب مدمرة إبادية أخرى في لبنان، تطال بعضُ هجماتِها سوريا وتتدحرجُ مثل كرةٍ ملتهبةٍ تكبُر فلا نعرف أين تنتهي. وطوال عام كامل من الإبادة، كان حضور إيران وموقعها وموقفها ودورها ثقيلاً جداً على سجالاتنا العامة، فكان النقاش بشأن علاقتها بعملية طوفان الأقصى أكثر حضوراً بما لا يقاس من أي نقاشات أخرى، أكثر حضوراً مثلاً من نقاش حقيقي ونزيه بشأن سلوك حماس وسياستها ومسؤوليتها السياسية والأخلاقية عما يجري، نقاش يمضي أعمق وأبعد من المحور الإيراني وعلاقتها به.

بين أيدينا حصيلةُ سياسة «المحاور» على ما نراها اليوم؛ تصاعدٌ في الهيمنة الإسرائيلية المتوحشة وإباداتٌ وتدميرٌ واسعٌ بلا حساب، وفي مقابلها عسكرياً محورٌ «ممانع» خاض أطول حروبه وأكثرها دمويةً، وأقلّها انضباطاً بأي قواعد اشتباك أو أي قواعد من أي نوع، ضدَّ السوريين وفي سبيل الحفاظ على حكم بشار الأسد، فضلاً عن إجرامه في العراق ولبنان واليمن. كانت هناك فرصة لأن تكون بلادنا على غير هذه الحال حين انتفضنا على عدّة موجاتٍ دفاعاً عن حياة مختلفة نستحقّها، لكننا هُزمنا. لعلّ أحد أكثر معالم هزيمتنا مرارةً اليوم هو أنَّ الاستنجاد من إسرائيل بالنظام الإيراني، أو الأمل بوضع حدٍّ لميليشيات الحرس الثوري على يد نتنياهو وحكومة المهاويس التي يقودها، يُقدَّمَان على أنهما «الواقعي» الوحيد في مواجهة ما يُعتبر أحلاماً.

نحن بحاجة ماسّة للتمرّد على هذا اللامعقول، وعلى كل منطقه وأعرافه وآدابه، وعلى «واقعيته».

أوضاعنا لا تُطاق. أحوال الفلسطينيين بخاصةً خلال السنة الأخيرة إباديةٌ حرفياً، ودون أيّ وعدٍ بما يغاير ذلك. وبينما يتمدد العدوان الإسرائيلي المتوحّش نحو لبنان، يجلسُ النظام الإيراني في وسط المشهد، ونبدو نحن، لحم هذه المنطقة ودمها، وكأنّ مكاننا أمام شاشات الأخبار العاجلة ريثما نصير نحن أو أهلنا خبراً عاجلاً جديداً. هذا استعصاءٌ عميقٌ ومديد، لكنه ليس قَدَرَاً. على الأقل، نريد أن ندعو لتصوّر إمكانية ألّا يكون الأمر كذلك.

هو تمرينٌ في الخيال السياسي إذاً، ينطلق من قناعةٍ تامة بأن لدى أهل منطقتنا-عالمنا كمونٌ أكثرُ من كافٍ للتجاسُر على بناء تصوّر مختلف، تصور متحرّر من قَدَر «المحاور»، يرفض «واقعية» الطرح الذي يقول إننا عالقون بلا أمل بين مركزيات مشاريع إمبراطورية، إسرائيلية وإيرانية وما بينهما، تَضيعُ قضايانا وحيواتنا بين صواريخها وطائراتها وخطوط إمدادها.

لا يُراودنا شكٌّ في أن قطاعات عريضة من شعوب منطقتنا تودُّ لو ترى وتسمع سياسةً تضع الناس وكرامتهم ومتطلبات عيشهم وسيادتهم على حياتهم في مركز الرؤية والعمل، بدلاً من خرائط القتل الجيوسياسية الباردة. لا نفترضُ هنا طبعاً تَصوُّراً يتجاهل الجيوسياسة ووقائعها، بل يقلبُ الفهم الشائع لها رأساً على عقب، فيراها في خدمة الناس ومعاشهم بدل أن يرى في الناس وقوداً لها؛ تَصوُّراً لفعل سياسي شعبي بأفق ديمقراطي، لا تَصوُّراً محصوراً في تحالفاتٍ ومشاريع سياسية تنشغل فقط بالبحث عن سند دولي، أو في فصائل مسلحة تختصر نفسها بسلاحها ومصدره وقدرتها على استخدامه.

وحين نتحدث عن فعل سياسي، فإننا نعني أن يكون مشغولاً بتوسيع مداركه وقواعده الاجتماعية، وأن يرى في السياسة فعلاً اجتماعياً يسعى لبناء إجماعات كبرى في المقام الأول، مع ما يحتاجه ذلك من رؤى تحررية تتجه إلى المستقبل أكثر من تَعلُّقها بالماضي، ولا تضع المشاعر والانفعالات ومنطق الثأر في مركز تفكيرها وسياستها وأساليبها للحشد والفعل.

وإذ نتحدث عن شعوب منطقتنا، فإننا لا نرى فيها أي هوية تنفع وحدها إطاراً لفعل سياسي تحرري حقيقي. لا تَعِدُ الطوائفيات واستقطاباتها أصلاً بأي تَحرُّر، ولا تكفي الهويات الدولتية لأن تكون مجال عمل سياسي مستقل: إنْ كان من العبث تصوّر «تحرّر في دولة واحدة» في أيّ مكانٍ في عالم اليوم، فكيف يمكن تَوقُّعُ إمكانية أن تكون الدولة الواحدة هذه هي سوريا أو لبنان أو فلسطين أو العراق، أو غيرها من دول منطقتنا-عالمنا، بمعزلٍ عن البقية؟ كذلك، ليس الإطار العربي كافياً، أياً يكن معنى «العروبة» المقصودة، إذ أنه ليس ساحةً ودودة لتلاقٍ محترم وندّي مع القضية الكُردية وأهلها. ونريد الذهاب خطوة أبعد للقول إن «كونفدرالية ديمقراطية» قائمة على تلاقي مختلفين كل الاختلاف ديمقراطياً، وعلى تساوي أولوية حقوقهم وحرياتهم وكرامتهم في هذه المنطقة-العالم، لا يمكن أن تُتِمَّ معناها دون حضورٍ كاملِ الأهلية والمسؤولية لقوى ديمقراطية تركية وإيرانية أيضاً.

ليس تمتينُ شبكة تعاضد وتعاون عابرة للدول في منطقتنا، قائمة على أولوية كرامة الشعوب وسيادتها وقداسة حياة أناسها، وقادرة على حشد الطاقات الكامنة عندنا والتواصل مع من سوانا في العالم الأوسع، بالأمر السهل ولا السريع. لكن تَصوُّرَ إمكانية ذلك هو خطوة أولى، ضرورية، نحو أي مستقبلٍ يُخرج بلادنا وأهلنا مما نحن فيه. لقد أطلقت قيادة الاحتلال الإسرائيلي على عملية اغتيال حسن نصر الله تسمية «ترتيب جديد»، والحقيقة أن المنطقة تحتاج ترتيباً جديداً فعلاً، لكنه قطعاً ليس ترتيب نتنياهو الإبادي المدعوم أميركياً بلا حدود، وبالتأكيد ليس الترتيب الذي يَعدُنا به محور الممانعة. سيكون الانتصار الساحق لنتنياهو، إن حصل، كارثة كبرى سيُدفَعُ ثمنها على مدىً أكبر وأطول بكثير من قدرة إسرائيل وحلفائها وداعميها على التقدير، فيما سيكون بقاء الوضع الراهن على حاله بين «محاور متصارعة» بلا أفق كارثةً مستمرةً أيضاً. لا مخرج من هذا كله إلّا بتصورات أخرى وسياسات أخرى.

ندرك سهولة نعت التصوّر «الكونفدرالي التحرّري» العريض بأنه خيالٌ شاطح. هو كذلك فعلاً، إذ ندافع عنه، وبإصرار، بالذات بوصفه خيالاً منفلتاً من «الواقع» وعديمَ المسؤولية أمامه. وحده التجرّؤ على الخيال قد يُنقذنا من الهذيان السديمي الجاثم على صدورنا الآن.

  • الجمهورية نت
Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

مارس 2026
س د ن ث أرب خ ج
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28293031  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist