ثمة أمرٌ مثير في تاريخ سوريا القديم، يراه البعض باعثاً على الخجل، ويجده آخرون مدعاةً للتأمل أو الاعتزاز.
فحين تفتح كتب تاريخ نشوء الحضارات، ستسمع قعقعة السيوف من الصفحة الأولى، وتجد نفسك محاصراً بالأبطال وقصصهم حتى يكادوا يخرجون لك من الهوامش. لكنك ستلاحظ أمراً غريباً: خلوّ تاريخ سوريا القديم من الأبطال المقاتلين، وكأن تاريخها كُتب في وزارة التجارة!
ففي العراق الذي يغص بالأبطال، أول من سيقابلك جلجامش، الرجل الذي صارع الوحوش الأسطورية والأقدار وحتى الآلهة. وستجد ملوك آشور وبابل يتصارعون مع الأسود كرياضة صباحية.
ولو دخلت حانةً في جزيرة العرب، فستقرع كأسك بكأس عشرة أبطال. فعلى يمينك عنترة ينظم شعراً لعبلة وسيفه يقطر دماً، وعلى يسارك الزير يجهز لحرب الأربعين عاماً، وهناك جساس في الزاوية يخطط لأمرٍ جلل انتقاماً لشرف ناقة خالته.
أما في إسبرطة وروما فيبدو وكأن الجيوش هي الجهة الوحيدة التي توظف الخريجين. ينامون ووجههم مغطاة بالدروع، والجميع مقتنع بأن أمتع طريقة لقضاء الإجازة هي غزو بلد مجاور.
ثم تقلب وتقلب الصفحات، باحثاً عن بطل سوري يحمل سيفاً يزن مئة رطل ويركب عربة تجرها التنانين، فلا تجد سوى موظف يسجل الضرائب، أو سفينة تستعد للإبحار، أو بائعاً يقسم لزبون يميناً مغلظاً بعشتار أنه “سيبيعه البضاعة برأسمالها”.
ثم تتنفس الصعداء لقد عثرت أخيراً على بطل، وكان امرأة! نعم، البطلة زنوبيا. وبرغم أن بلاطها كان يعج بالفلاسفة والتجار فقد قررت أن تجرب هواية الأبطال، فانتهى الأمر بتدمير مملكتها واقتيادها أسيرة. وقد سجّل التاريخ السوري التجربة في دفتره، ثم كتب تحتها بخط أحمر: “غير موصى بإعادتها، من فضلكم عودوا لدكاكينكم”.
لقد ابتُليت بلادنا بموقع جغرافي يشبه موقف باصات للإمبراطوريات. فكل قوة صاعدة كانت تمر من أرضها أو تحاول احتلالها أو تقاتل في غرفة معيشتها. ومع تكرار “الفيلم الهندي”، تعلم أسلافنا درساً: إذا رأيت اليوم جيشاً قادماً من الشرق، فانتظر، فسيصل جيش آخر من الغرب لمقاتلته. وحين يلتحم الطرفان، ستظهر حاجتهم للطعام والنحاس والخيول والأقمشة، فلماذا لا نكون نحن البائعين.؟
وأضاف رجل “نتحفظ عن ذكر أسمه”: لقد أحبت الجيوش أقمشتنا وخزفنا فلماذا لا نذهب ونبيعها في بلادهم؟! ولأن التاجر لا يستطيع إدارة شبكة تمتد إلى إسبانيا والمغرب بالعنتريات، كان لا بد من اختراع سلاح أقوى من السيف وأبعد مرمى من السهم: الأبجدية.
ثم مخرت سفنهم البحر، شراعها الأبجدية وسلاحها الشطارة، لم ينزلوا بالشواطئ بالرايات والهتافات، بل أرسوا دكاناً أو بسطة؛ وتناسلت حوانيتهم كالفطر لتتحول إلى عواصم ومدن، لدرجة أنك لو نبشت اليوم تحت معظم مدن المتوسط، ستكتشف أن أساساتها التاريخية بدأت من حجرين وضعهما تاجر سوري ليعرض فوقهما القماش والخزف والأرجوان!
لقد عرفوا أن السفينة الذاهبة بالبضائع والعائدة بالأرباح خير من السفينة الذاهبة بالمقاتلين والعائدة بالغنائم، وأن إحصاء الأرباح يفتح النفس أكثر من إحصاء القتلى والأرامل، وأن الزبون دائماً على حق.
ولم يكن مستغرباً أن يصفهم هيرودوت -ولا نعرف إن كان هذا مدحاً أو ذماً- بأنهم من الأمهر والأمكر في التجارة، ولا أن يكتب ديورانت: أنهم ربطوا الشرق بالغرب وانتشلوا أوروبا من براثن الهمجية.
وفي النهاية انتصر سلاح الأبجدية. أما سيوف الأبطال، فنراها اليوم صدئة في المتاحف، بجوارها لوحات تعريفية كُتبت بحروف اقتبستها الأمم من أولئك التجار الذين اتخذوا قراراَ جماعياً، منذ آلاف السنين، أن القلم أقوى من السيف، وربما بهذا كانوا هم أبطال التاريخ المستترين.
- الثورة السورية



























