يتصاعد الجدل في أوساط القوى والمثقفين اليساريين في الدول الغربية، على خلفية أحداث كبيرة، على رأسها الحرب الأوكرانية وحرب غزة، وما يرافقهما من آثار صعبة على الحياة اليومية لفئات كثيرة، خاصة في أوروبا، ومنها التضخّم، وتصاعد موجات الهجرة واللجوء، وأزمات الطاقة والتصنيع، فضلاً عن إعادة طرح سؤال استقلالية السياسات الأوروبية، بل التساؤل عن الهوية الأوروبية نفسها.
إلا أن الجدل أعمق وأقدم من الحروب الأخيرة، ويتعلّق أساساً بالتغيّر الطبقي الكبير، الذي شهدته الدول الغربية مع ما يسمى «نزع التصنيع» أي انتقال كثير من الصناعات الأساسية إلى دول أخرى، خاصة في آسيا، ما أدى إلى اختلال المعادلة الاجتماعية الكلاسيكية، التي قامت عليها السياسات اليسارية الغربية طويلاً: طبقة عاملة واسعة، منظّمة نقابياً، تدخل في مفاوضات جماعية مع الدول وأرباب العمل، في سياق ما عُرف بـ«دولة الرفاه»؛ وتُراكِمُ بناءً على ذلك مكتسبات اجتماعية، طبعت الثقافة الغربية نفسها لعقود طويلة. ولعل أهم الانعكاسات الثقافية/الاجتماعية لعصر الطبقة العاملة المنظّمة (الذي يفضّل البعض تسميته «الثلاثين سنة المجيدة» التي امتدت بين عامي 1945-1975 تقريباً) كانت مبادئ ثلاثة: العائلة العمّالية المستقرّة (والتمرّد عليها)؛ مبدأ «التضامن»؛ ومفهوم الحيّز العام، المفتوح والاجتماعي في الوقت نفسه.
كل هذا انتهى، لينتهي معه اليسار الغربي الكلاسيكي، مع التغيّرات الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية منذ أواخر السبعينيات، التي يصرّ كثيرون على تسميتها «نيوليبرالية» إذ صعدت، مع تفكك الطبقة العاملة التقليدية، «فئات جديدة» مثل «النساء» «الملوّنون» «المثليون» «الشباب» إلخ، تحتفي بالفردانية وهوياتها، وتتمرّد على معظم القيم الجماعية والمشتركة، وتمتلك نقداً جديّاً لمفاهيم الحيز العام (الذي اعتُبر ذكورياً، أبيض، مغلقاً على حدود الدولة الوطنية، ومُهيمَناً عليه بورجوازياً بالعمق) ولديها صعوبات في إعادة تعريف «التضامن». هكذا نشأ «يسار جديد» بسمات معولمة، بات يُسمى اليوم، من طرف بعض اليساريين، «اليسار الناشطي» أو «يسار سياسات الهوية»؛ فيما يُفضل اليمينيون إطلاق تسميات ساخرة أكثر عليه، مثل «الووك» أو حتى «اليسار الإسلامي» كما في الحالة الفرنسية.
مفهوم «اليسار المحافظ» إذن، الذي بدأ يصعد حالياً بقوة، خاصة في ألمانيا، مع النمو السريع والنجاحات الانتخابية التي حققها حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت- العقل والعدالة» المُؤسَّس مطلع العام الحالي 2024، يختلف عمّا يمكن أن يُفهم عربياً من مفردة «محافظ» فذاك اليسار محافظٌ في مواجهة «تقدمية» اليسار الناشطي أساساً، وبقدر ما يريد إعادة إنتاج المفاهيم الثقافية/الاجتماعية لليسار العمّالي الكلاسيكي (العائلة، التضامن، الحيز العام). ولكن ماذا يعني ذلك سياسياً بالضبط؟ وهل نحن أمام يسار يعاني من الحنين إلى ماضٍ ما، ويريد استعادته؟ ثم هل من معنى، في السياق العربي، للاستفادة أو التأثّر بيسار مُغرق في المفاهيم الثقافية/الاجتماعية الأوروبية؟
مفهوم «الانتقال»
يمكن مبدئياً ملاحظة سمة أساسية في معظم تصنيفات اليسار الغربي الحالي، سواء كان ناشطياً أو محافظاً، أو حتى شعبوياً، وهي أنه تخلّى بشكل شبه كامل عن فكرة «النقض الجدلي» للرأسمالية، الأساسية في الماركسية التقليدية، أي الطموح بتجاوز النظام الرأسمالي بأكمله، والتفكير ببدائل له، عبر الدفع بالتناقضات، التي يخلقها ذلك النظام نفسه، إلى نتائجها التاريخية شبه الحتمية، والتعويل على الطبقة العاملة، «قاطرة التاريخ» في ذلك. يعود هذا بالأساس إلى أن أصناف ذلك اليسار ما زالت تحمل سمات الصفقة، التي أبرمتها الطبقة العاملة الغربية، ونقاباتها، مع الدولة البورجوازية الغربية، التي تقوم على الرضا بالإصلاحات والمكاسب، بدلاً من المزاج الراديكالي. كثيرٌ بالطبع من اليساريين الغربيين، الأكثر تطرفاً، اعتبر تلك «الصفقة» نوعاً من الخيانة، أو على الأقل ظرفاً تاريخياً عابراً، سينهار يوماً. وذلك أيضاً كان من مصادر «اليسار الجديد» الذي عوّل كثيرٌ منه على «الجنوب العالمي» و«الفئات المهمّشة» التي لم تدمجها الرأسمالية في البلدان الغربية، لتجاوز خيانة «العمّال البيض» الذين قبلوا بـ«الامتياز» واستفادوا من موقعهم في النظام العالمي الإمبريالي، الذي ينقل فائض القيمة من «الجنوب» إلى «الشمال».
رغم هذا، فإن تلك الراديكالية، التي وسمت جانباً من «اليسار الجديد» امتزجت اليوم بالناشطية، والمحصلة هي تضامن لفظي، فيه كثير من الاستعلاء، مع «الجنوبيين» و«المهمشين» و«السكان الأصليين» وتبرير لكثير من ظواهر التطرف الديني والقومي بينهم، وربما النظر إليهم بوصفهم كتلاً أحادية، لا انقسام أو صراع فيها، يُعرّفها اضطهاد «الرجل الأبيض» أو «الكولونيالية». فيما لا يوجد أي برنامج جدي، أو عمل سياسي فعلي، لتجاوز الرأسمالية نفسها. وكيف يكون هذا ممكناً أصلاً، دون «طبقة نقيضة» بالمفهوم الماركسي؟ التعويل على التنظيمات المتطرفة، والمقاومات، وردات فعل السكان الأصليين، لتغيير العالم، وتحطيم النظام، ونزع الاستعمار، يبدو أمراً غير جدي، حتى من منظور المفكرين الأكثر احتراماً في «اليسار» الذي لم يعد جديداً. بدلاً من ذلك، تطالب معظم أصناف اليسار الغربي في بلدنها، بأشكال مختلفة من «الانتقال» على أساس مبدأي «الاعتراف» و«إعادة التوزيع» أو بتفضيل أحدهما على الآخر.
وذلك يعني تحقيق حزمة كبيرة من الإصلاحات، تغيّر كثيراً من الأوضاع القائمة، عبر إعادة توزيع الثروة، لمصلحة «الفئات الأضعف» التي يختلف تعريفها حسب الهوى الأيديولوجي للمتكلّم؛ وإعطائها الاعتراف الاجتماعي والذاتي اللازم، وذلك بمواجهة العنصرية والتهميش والذكورية والمركزية الغربية والامتياز الطبقي، وغيرهم.
تتخذ المطالب بـ«الانتقال» أشكالاً متعددة، أشهرها «الانتقال الأخضر» الذي يُسمى في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص «الصفقة الخضراء الجديدة» أي تغييراً شاملاً في البنى التحتية، نحو الاعتماد على مصادر الطاقة «النظيفة» والمستدامة، ما سيؤمّن ملايين فرص العمل الجديدة، وقد ينشئ طبقة عاملة، تتجاوز ذكورية وبياض الطبقة العاملة الغربية القديمة، وتنال كثيراً من إعادة التوزيع والاعتراف. يجب دائماً ملاحظة مخيّلة «الصفقة» لدى اليسار، المتحّدرة من «الصفقة الجديدة» التي أعلنها الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ابتداءً من عام 1933، وأسست لـ«دولة الرفاه». لا نتحدث أبداً عن تجاوز جذري للنظام الرأسمالي، ونمط دوله. إلا أن مخططات اليسار في «الانتقال» تعرّضت لطعنات قوية، واصطدمت بوقائع صلبة، ربما كان على رأسها ما يمكن تسميته «نزع العولمة» والأهم: الحرب.
العائلة والحرب
نشأ اليسار الناشطي، بتنويعاته، بفضل الوقائع التي أنتجتها العولمة: خطوط توريد طويلة، يقوم عليها الإنتاج العالمي بأسره، تربط بين عشرات المناجم والموانئ والمصانع والحقول حول العالم، ولا تنتقل معها السلع فحسب، بل أيضاً البيانات الاقتصادية والمالية؛ الثقافات والهويات؛ ونماذج معيّنة عن الذات الفردية، التي قدّمت عملاً ذهنياً وعاطفياً مهماً، لتخديم خطوط التوريد العالمية تلك. فضلاً عن نمو المدن الكوزموبوليتية متعددة الثقافات، التي أصبحت عُقَداً أساسية على خطوط التوريد تلك، وموطناً أساسياً لاستثمار الفوائض الرأسمالية. وقد جعل كل هذا عدداً من أهم قيم اليسار الناشطي، مفضّلة ومدعومة من قبل النظام العالمي، مثل مواجهة المركزية الغربية، و«نزع الكولونيالية» والاعتراف بالهويات والذاتيات المتكاثرة، فكلها ضرورية لدمج فئات ومناطق أكثر في النظام. كان اليسار الناشطي خارجياً وعالمياً جداً. كما أن انتشاره، بشكلٍ متعالٍ، في كثير من مناطق العالم، التي تختلف همومها المحليّة الأساسية عن الدول الغربية، يُعدّ جانباً عضوياً من العولمة.
الضربة التي تلقتها خطوط التوريد الطويلة، نتيجة الأزمات الاقتصادية والمالية، وانتشار وباء كورونا، جعلت اليسار الناشطي في أزمة اجتماعية، فقد بدا ناشطوه، حتى في الدول الغربية، نموذجاً للاستعلاء والانفصال عن الواقع، في ظل التردي الشامل في مستوى الحياة، بما في ذلك حياة المدن الكوزموبوليتية.
لكنّ الحرب الأوكرانية كانت الضربة الأهم، فتأييد جانب واسع من الناشطين لسياسات حلف الناتو في تلك الحرب، بدعوى حماية أوكرانيا من الاعتداء، جعل كثيراً من الناس ينفرون من «يسار» يناصر حروباً تُفقرهم، وتؤدي لتضخّم شامل في بلدانهم، وتنقل ضرائبهم لتسليح الجيش الأوكراني.
وهذه كانت فرصة «اليسار المحافظ» الذي نجح ببراعة في ربط عدة عوامل احتجاجية: الدعوة للسلام، النفور من الناشطية، ضرورة مواجهة صعود اليمين الشعبوي، المطالبة بمواجهة التضخّم، إعادة بناء شبكات الرعاية الاجتماعية، رفض الأفكار «المجنونة» للانتقال البيئي الحاد، استعادة شيء من الوطنية والجماعية مع تفكك هياكل العولمة.
باختصار: لنَعُد، أو ننتقل، إلى قيم السلام والعائلة والتضامن؛ ولنتكلّم في الحيز العام، دون قيود الصواب السياسي.
نهاية «الصائبين»؟
ليست العائلة، بالمفهوم العمّالي القديم، مجرّد بنى أبوية اضطهادية، بل وحدة اقتصادية/اجتماعية، وإدارية أيضاً، تقوم عليها كثير من أساسيات أنظمة الضرائب والرعاية الاجتماعية. وقد عرفت تلك العائلة أشكالاً متعددة من التمرّد، الشبابي والنسائي والجنسي. لا يرفض اليساريون المحافظون اليوم ذلك التمرّد، بل يعتبرونه جزءاً عزيزاً من تراث العائلة نفسها، التي يجب إعادة بنائها، بوصفها نقطة التقاء الحيزين العام والخاص؛ ومؤسِّساً لقيم التضامن الاجتماعي والطبقي؛ وضرورةً للاستقرار، في عالم مرن وسائل أكثر من اللازم؛ وأساساً لثقاقة قائدة، تراعي التنوّع والتعددية، ولكنها ترفض تفتيت كل ما هو عام ومشترك، باسم الهويات والذاتيات المتكاثرة والحساسيات الثقافية؛ وتتجاوز ثنائية «العمّال البيض» و«الفئات الجديدة».
يبدو «اليسار المحافظ» مثل اليمين الشعبوي، ظاهرة من ظواهر «نزع العولمة» وربما ينجح باقتراح بدائل. هو مُغرق بالتأكيد في شرطه الأوروبي، ولكنه قد يقدّم مفاهيم مفيدة على الصعيد العالمي، بما فيه منطقتنا: النقد الجذري للناشطية؛ إعادة إنتاج قيم الحيز العام؛ والدعوة لترميم «الاجتماعي» في وجه الظروف الصعبة والكارثية؛ مع عدم التخلّي عن القيم التحررية الأساسية، المتحدّرة من تراث التنوير.
كاتب سوري
- القدس العربي


























