لعل السؤال الأكثر إلحاحاً عشيةَ الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 5 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل هو: أيهما سيكون البادئ بضرب الآخر: «إسرائيل» أم إيران؟
الأيام العشرون التي تفصلنا عن انتخاب الرئيس (أو الرئيسة) الأمريكي الجديد هي فترة زمنية بالغة الخطورة، لأن الرئيس القريبة ولايته من الانتهاء يصبح، حسب التعبير الأمريكي الرائج، بطة عرجاء غير قادر على اتخاذ قرارات تتعلق بالحرب والسلم، وذلك لئلا يتأتى عنها تداعيات غير ملائمة لا للبلاد ولا لمرشح حزبه، فيخسر حزبه الجائزة الكبرى: رئاسة البلاد لمدة أربع سنوات في الأقل.
إلى ذلك، ثمة ظروف وتحدّيات سياسية واستراتيجية، وحتى شخصية تواجه الرئيسين في «إسرائيل» وإيران، قد ترغمهما على اتخاذ قرارات استثنائية وبالغة الخطورة خلال فترة العشرين يوماً التي تفصل الولايات المتحدة عن انتقال السلطة والقيادة فيها من رئيسٍ إلى رئيسٍ آخر قد يكون نقيضاً له في توجهات ومواقف وقضايا عدة، ما يؤدي إلى حدوث متغيرات وتحولاّت خطيرة أيضاً داخل الولايات المتحدة وفي العالم أيضاً.
تدرك طهران أن كل هجوم أو اعتداء تقوم به تل أبيب يتم ّبقرار مشترك مع واشنطن وإن كانت اداة التنفيذ تكون، غالباً، إسرائيلية
في غمرة هذه الواقعات والاحتمالات، يمكن استشراف جوابٍ مرجّح وليس حاسماً عن السؤال الأكثر إلحاحاً في هذه الآونة: من تراه يكون البادئ في ضرب الآخر، «إسرائيل» أم إيران؟ وقد يتفرّع عن هذا السؤال الملحاح سؤال آخر: أليس من الممكن أن تتخلّى «إسرائيل» وإيران عن «خيار» تبادل الهجمات قبل 5 نوفمبر المقبل؟ إن بنيامين نتنياهو هو اللاعب الأكثر إثارةً للجدل بين القادة الممسكين بزمام السلطة في دول الشرق الأوسط. لذا يقتضي، للتمكّن من استشراف ردود فعله وقراراته، الإحاطة بالواقعات والمعطيات والملابسات الآتية: يتأثر نتنياهو بدوافع ثلاثة غالبة في حياته وسلوكياته السياسية:
الأول، البقاء في السلطة على رأس حكومته الإئتلافية التي تضمّ اثنين من غلاة الصهاينة العنصريين المتطرفين، بتسلئيل سموتريتش (وزير المالية) وإيتمار بن غفير (وزير الأمن القومي ) اللذين يرفضان أي وقف لإطلاق النار، أو تسوية مع الفلسطينيين وفصائلهم المقاوِمة، تحت طائلة الاستقالة، ما يؤدي إلى سقوط الحكومة في حال اختار نتنياهو طريق التسوية، وبسقوطها تنتهي على الأغلب حياة نتنياهو السياسية ويُساق إلى المحكمة لمقاضاته جرّاء ارتكابه سابقاً أفعالاً جنائية تستوجب عقوبات قاسية.
الثاني، اعتناقه الراسخ لمقولات (أوهام) توراتية من طراز «كل ما تطأه أقدامكم من أراضٍ يكون لكم»، أو «بلادك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل»، وهي مقولات تملي على معتنقها واجب العمل لتحقيقها.
الثالث، اعتقاده الراسخ بأن إيران تشكّل خطراً وجودياً على الكيان الصهيوني، بعدما أصبحت «دولة عتبة نووية» قادرة خلال مدة وجيزة على تصنيع سلاح نووي ما يجعل «إسرائيل» وحتى أمريكا غير قادرتين على التغلّب عليها او احتوائها.
طموح نتنياهو إلى تطويب نفسه أعظمَ ملك في تاريخ إسرائيل لنجاحه في تخليصها من خطر وجودي يهدّد كيانها بالزوال، يدفعه إلى انتهاز فرصة امتلاك اليهود الأمريكيين نفوذاً وتأثيراً واسعين، خلال الانتخابات الرئاسية، لشن حرب على إيران قبل 5 نوفمبر المقبل، أي عندما لا يكون الرئيس بايدن قادراً أو راغباً في منعه من خوضها.
*أفاد موقع «والا» الإسرائيلي، نقلاً عن مسؤول أمريكي رفيع بعد المحادثة التليفونية الطويلة بين بايدن ونتنياهو يوم الأربعاء الماضي، بأن الخلافات بين الولايات المتحدة و»إسرائيل» بشأن الردّ على إيران ضاقت، ويبدو أن واشنطن نصحت «إسرائيل» بعدم ضرب منشآت إيران النووية، أو مرافق النفط والغاز كي لا تتسبّب بأزمة عالمية نتيجةَ ارتفاع أسعارهما.
*المرشحُ الجمهوري دونالد ترامب كان قد دعا نتنياهو، خلال حرب الإبادة التي يشنها هذا الأخير على حركة حماس والشعب الفلسطيني، إلى ضرب منشآت إيران النووية لكونها تدعم حماس وحلفائها.
*المجلسُ الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون الأمنية «الكابينت» أرجأ الأسبوعَ الماضي التصويت على موعد الهجوم المرتقب على إيران، ونقلت وسائل إعلام عن مصدر أمني أن هناك توجهاً إلى تأجيل التصويت إلى موعد قريب من تنفيذ الهجوم، بينما لمّحت وسائل أخرى إلى احتمال قيام نتنياهو بشنّ الحرب قبل 5 نوفمبر المقبل، مشيرةً إلى تصريح وزير الأمن يوآف غالانت: «إن ردّ إسرائيل على الهجوم الإيراني سيكون قاتلاً ودقيقاً ومفاجئاً، ولن يفهم الإيرانيون ما حدث وكيف، حتى يروا النتائج». وقد فُسر تصريحه بأنه ينطوي على تهديد باستخدام سلاح نووي .
ماذا عن إيران، وكيف يكون ردّها على هجوم «إسرائيل» المرتقب؟ ربما يمكن استشراف ذلك من خلال الإحاطة بالواقعات والمعطيات الآتية:
*يتضح من المواقف والتصريحات التي يدلي بها كبار المسؤولين الإيرانيين، أن طهران كانت وما زالت مستعدة ومتوثبة للردّ على أي هجوم إسرائيلي وفق معادلة التناسب والضرورة، بحيث يزيد هجومها عن حجم الهجوم الإسرائيلي نوعاً ومقداراً تدميرياً.
*تعتقد القيادة الإيرانية أن تل أبيب أدركت، لاسيما بعد ردّ إيران الصاعق عليها في مطلع الشهر الجاري، أن طهران تمتلك القدرة على الردّ الدقيق والمؤلم، ما قد يحمل «إسرائيل» على وقف الرد ّعلى إيران، أو على إرجائه إلى حين تصبح مشاركة الولايات المتحدة فيه ممكنة ومضمونة.
*تدرك طهران أن كل هجوم او اعتداء تقوم به تل أبيب يتم ّبقرار مشترك مع واشنطن وإن كانت اداة التنفيذ تكون، غالباً، إسرائيلية.
*بات لافتاً في وسائل الإعلام القريبة من الحرس الثوري الإيراني الدعوة المتصاعدة إلى ضرورة تغيير عقيدة إيران النووية، وذلك في ضوء تحديين: مجاهرة «إسرائيل» بالعمل لتحقيق ما تسميه «النظام الجديد للشرق الأوسط» بغية ضمان هيمنتها على الإقليم، واحتمال استخدامها سلاحاً نووياً في صراعها مع إيران، ما يستدعي امتلاك طهران السلاح النووي «لأن الشيء الوحيد الذي يُقنع الدول النووية التسع وإسرائيل بألا تستخدمه هو معرفتها بأن إيران تمتلكه أيضاً».
*لئن ترجّح طهران عدم قيام تل أبيب بهجومها قبل 5 نوفمبر القادم، إلا أنها لا تستبعده بالمطلق، وقد أعدّت للرد على كل اعتداء عدّته.
في ضوء هذه الواقعات والملابسات والتحديات، هل تكون «إسرائيل» هي البادئة بالهجوم؟ أم أن إيران ستستبقها بضربةٍ يكون من شأنها إجهاضه؟
لا جواب حاسماً في هذا الظرف الدقيق، لكنني أرجّح أن يتصرف نتنياهو في ضوء الاحتمالات الآتية:
ـ اذا ضمِن سكوت إدارة بايدن عن هجومه مع توفيرها مسبقاً كمية كبيرة من القنابل الثقيلة الاختراقية للتحصينات الإيرانية، فإنه سيقوم بالهجوم قبل 5 نوفمبر المقبل.
ـ إذا تعذّر عليه الحصول من بايدن على الموافقة السياسية والمعدات العسكرية المشار إليها سابقاً، فقد يكتفي مرحلياً بشن هجوم لا يستهدف منشآت إيران النووية او مرافقها النفطية، بل يتركّز على مواقع عسكرية واقتصادية بالغة الأهمية.
ـ إذا لاحظ أن استطلاعات الرأي ترجّح فوز حليفه دونالد ترامب، فإنه لن يتردد في شن الهجوم على إيران باستخدام قنبلة نووية تكتيكية، سواء كان بمقدورها تعطيل البرنامج النووي الإيراني، أو التسبّب فقط بأَضرار فادحة للبنى العسكرية والاقتصادية.
يبقى أن ينتظر نتنياهو و»إسرائيل» ما تكون قد أعدتّه لهما إيران من مفاجآت.
*كاتب لبناني
- القدس العربي


























