الضربة الإسرائيلية المحدودة جداً والباهتة التي استهدفت إيران فجر يوم السبت الماضي، تؤكد أن المنطقة تغيرت بالفعل، وتؤكد أن إسرائيل أصبحت تحسب ألف حساب لإيران قبل أن تتجرأ على الاعتداء عليها، أو استهداف مصالحها، وهذا يؤكد مجدداً أيضاً أن منطقة الشرق الأوسط بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ليست كما هي قبل ذلك التاريخ.
استغرقت إسرائيل 26 يوماً حتى ترد على الضربة الإيرانية، التي حدثت في اليوم الأول من شهر أكتوبر، وخلال هذه الـ26 يوماً عقدت الحكومة الاسرائيلية عدة جلسات للبحث في توجيه ضربة لإيران، كما انعقد مجلس الحرب والمجلس الأمني المصغر، وأجرى رئيس الوزراء نتنياهو العديد من المحادثات مع الإدارة الأمريكية، وانتهى الأمر إلى توجيه الضربة المحدودة التي استمرت أقل من نصف ساعة، والتي سخر منها العالم أجمع.
ما حدث يؤكد أن إيران ليست دولة هامشية، ولا هي دولة ضعيفة، وأن العالم ومعه إسرائيل أصبح يحسب لها ألف حساب، كما أن الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية كانتا حريصتان كل الحرص على أن لا تنزلق المنطقة إلى حرب مباشرة وشاملة بين تل أبيب وطهران، وهي حربٌ أصبح من الواضح أن إسرائيل لا تستطيع خوضها. وفي الوقت نفسه كان نتنياهو حريصاً على توجيه ضربة عسكرية لإيران من أجل حفظ ماء الوجه والتخفيف من الضغط الداخلي الإسرائيلي. وما يؤكد أن الرد الإسرائيلي على إيران لم يكن سوى محاولة لحفظ ماء الوجه، وأن تل أبيب كانت حريصة على عدم الانزلاق إلى الحرب مع طهران، هو ما نشرته كل من «وول ستريت جورنال» وموقع «أكسيوس» وكلاهما أكد أن تل أبيب بعثت رسائل عبر وسطاء إلى طهران تُبلغ إيران بالضربة، وتطلب عدم الرد عليها، وهو ما يعني أن إسرائيل أبلغت الإيرانيين ضمناً بأنها ستكون ضربة محدودة وليست إعلان حرب.
إسرائيل أضعف من أن تتصدى وتردع أي هجوم عسكري كبير يستهدفها، خاصة بعد فضيحة «القبة الحديدية»، واضطرار الإسرائيليين للاستعانة بنظام «ثاد» الأمريكي
المواجهة الحالية بين إسرائيل وإيران لم تكن لتحدث لولا أن عملية «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر غيرت المنطقة بأكملها، إذ لم يسبق أن حدث اشتباك عسكري مباشر بين الطرفين على الإطلاق، وكانت الضربة الايرانية المباشرة لاسرائيل في شهر أبريل/نيسان الماضي هي الأولى من نوعها، كما أن رد الفعل الاسرائيلي على تلك الضربة شجع الإيرانيين على توجيه الضربة الأكبر والأوسع في اليوم الأول من شهر أكتوبر، وفي كلتا الحالتين تبين أن إسرائيل أضعف من أن تتصدى وتردع أي هجوم عسكري كبير يستهدفها، خاصة بعد فضيحة «القبة الحديدية»، واضطرار الإسرائيليين للاستعانة بنظام «ثاد» الأمريكي. لا تتوقف التحولات في المنطقة عند القوة التي بدا أن إيران تتمتع بها، وعند قدرة الايرانيين على ردع إسرائيل وقدرتهم على توجيه ضربات عسكرية لا تتمكن القوات الاسرائيلية من التصدي لها، وإنما تشهد المنطقة جملة من التغيرات غير المسبوقة ولا المتوقعة، التي تؤكد حدوث تحول استراتيجي كبير، وأبرز هذه التغيرات:
أولاً: المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل، وإن كانت محدودة جداً، إلا أنها وجهت رسالتين للإسرائيليين، الأولى مفادها أن «لا اعتداء من دون رد»، والثانية مفادها «مستعدون للحرب الشاملة إذا اقتضى الأمر وفي أي وقت».
ثانياً: الفصائل المسلحة في العراق وجهت من داخل أراضيها ضربات عدة للمواقع الاسرائيلية خلال الشهور القليلة الماضية، وهذه هي أولى ضربات عراقية لإسرائيل منذ تلك الضربات التي نفذها الجيش العراقي في عام 1991، والتي دفع الرئيس صدام حسين حياته ثمناً لها، وكان الإسرائيليون والأمريكيون يعتقدون أن القضاء على نظام صدام يعني تحقيق مزيد من الأمن لهم في المنطقة.
ثالثاً: ما يحدث في البحر الأحمر لم يكن ليتوقعه أحد في العالم العربي، ولو في أحلامه، إذ تمكن اليمنيون من إغلاق مضيق «باب المندب» أمام السفن الإسرائيلية، ثم بدؤوا بشن هجمات تستهدف سفن الاحتلال ومواقعه، ولم يتمكن الإسرائيليون حتى الآن من التصدي لهذه الضربات، ولا توجيه أي رد عليها، وهو ما يؤكد محدودية القدرات الإسرائيلية.
رابعاً: الأهم في المشهد الراهن في المنطقة العربية، هو أن الولايات المتحدة تواصل انكفاءها من هذه المنطقة، وذلك بعد أن فشل مشروعها في العراق، وفشل مشروعها في أفغانستان، وذلك على مدى السنوات الثلاثين الماضية، ولذلك لا يبدو أن لديها القابلية في الدخول بمغامرات عسكرية واسعة، الأمر الذي يعني أن إسرائيل تُركت تحاربُ وحدها على كل الجبهات، وهذا ما يُفسر تصريح نتنياهو عندما قال «نخوض حرباً وجودية ونقاتل على سبع جبهات في آن واحد».
*كاتب فلسطيني
- القدس العربي


























