-
-
«أتعرّضُ للاستغلال من قريبٍ يملك مزرعة أبقار في قريتنا في ريف اللاذقية، مقابل أن أعود إلى منزلي بضعة أيام، أقضي جلّها في العمل داخل المزرعة»، يسرد سنان (22 عاماً)، وهو شابٌ من قرى ريف اللاذقية، قصّته للجمهورية مضيفاً: «عندما التحقتُ بالخدمة الإلزامية عرض عليَّ أحد أقاربي، وهو تاجر له علاقاته، أن يتواصل بعد الفرز مع الضابط المسؤول عني، وبالفعل استطعت بفضل ذلك الحصول على إجازةً خلال دورة الأغرار، وهو شيءٌ صعبٌ أن تستطيع زيارة أهلك قبل انقضاء الدورة».
حتى تنسى ما شاهدتَه
مع الإجازات المتلاحقة، اتّضحت لدى سنان نوايا قريبه؛ «كان في كل إجازة يدعوني إلى مزرعته لأداء بعض المهمات، وقد قبلتُ من مبدأ رد الجميل، ولكن أن تتحول أيام إجازتي لأيام عمل في مزرعته فهذا أمرٌ آخر، لذا أخبرته أنني أريد البقاء في قطعتي، فقد أصبحَتْ أكثر راحة من العمل سخرةً في مزرعته».
أما أزدشير (34 عاماً)، الذي أدى خدمتة الإلزامية كعنصر كتيبة استطلاع في ريف دمشق، كان يجد طريقة أخرى، لكن أكثر خطورة، لزيارة أهله: «كانت الإجازات لدينا تعتمد على مزاجية الضابط، لذا اضطررتُ للسفر خلسةً عدة مرات إلى بيت أهلي في طرطوس».
تسرّح أزدشير بعد خمس سنوات وستة أشهر قضاها في الخدمة الإلزامية بين عامي 2015 و2020 ونجى «بقدرة قادر»، يقول: «لأنني رأيتُ ما رأيته خلال خدمتي وعرفتُ أن لا أحد يبالي بنا سواء عشنا أم متنا. لم أشأ أن أعيد التجربة بأي شكل من الأشكال، وخشيت أن يُعاد سوقي إلى الخدمة الاحتياطية».
قرّر أزدشير استصدار جواز سفر والبحث عن أقرب فرصة عمل في أي بلد في العالم. «في بلد لا أنام فيه خوفاً من استدعائي إلى الجيش من جديد» بحسب وصفه، لكنه اكتشف أنه ممنوعّ من السفر لثلاث سنوات وربما أكثر. وبعد محاولات عدة لمعرفة السبب، علم من صديقٍ له في كتيبة الاستطلاع التي خدم بها أن غالبية المسرّحين من الخدمة في الأفرع الأمنية والحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، يُمنعون من السفر لمدة سنتين أو ثلاث.
لم تقتصر الرغبة في التهرُّب من الخدمة الإلزامية يوماً على سنوات الحرب، فلطالما اختار العديد من الشبّان السفر خارج البلاد لجمع المبلغ الواجب دفعه كبدل للخدمة الإلزامية. قبل عام 2011 كانت قيمة البدل تعادل 6500 دولار أميركي للمقيمين خارج البلاد مدة لا تقل عن خمس سنوات، وذلك وفق القانون 36 لعام 2009، وكانت حينها قيمة الدولار الواحد تعادل 45 ليرة سورية.
أما اليوم فقد أصبحت قيمة البدل تعادل 10 آلاف دولار أميركي، ويمكن دفعها بعد الإقامة لسنة واحدة خارج البلاد، في حين تنخفض قيمتها كلما ازدادت سنين الإقامة في الخارج وفق المرسوم رقم /31/ تاريخ 8/11/2020، وأصبحت قيمة الدولار الأميركي تعادل 13668.00 ليرة سورية بحسب النشرة الرسمية لمصرف سوريا المركزي.
التقاسم العائلي للهوية الشخصية
يقول داني (39 عاماً)، وهو مهندس معلوماتية يعيش في ضواحي مدينة طرطوس: «استُدعيتُ إلى الخدمة الاحتياطية، ولأسباب معروفة لم أشأ خوض هذه التجربة التي قد تودي بحياتي، ولا أريد لأمي أن تتحول إلى ‘تمثال’ مثل أختها التي فقدت ابنها في درعا، دون أن يرفَّ جفن لأي مسؤول صغير أو كبير».
يعتبر داني اليوم أنّ عمله المُعتَمد على التجارة والتسويق عبر الإنترنت هو من حسن حظّه، فبفضل ذلك يستطيع ملازمة المنزل بشكل شبه كامل، ويعتمد على بعض المعارف والأصدقاء لإجراء عمليات تحويل المال وشحن البضائع. يُضيف: «أتحرّك بحذر في المدينة على نطاق ضيق جداً».
أما أسعد (29 عاماً) المقيم في طرطوس، لم يستطع الحصولَ على مقعد لدراسة الماجستير بعد إنهائه جميع امتحانات السنة الأخيرة في كلية الآداب قسم اللغة العربية، حيث شهدت الجامعات في سوريا إقبالاً متزايداً على طلبات دراسة الماجستير من الشبّان بغية الحصول على تأجيل للخدمة الإلزامية، فأصبحت التنافسية أعلى مع قلّة عدد المقاعد. يقول أسعد: «فكّرتُ في جميع الطرق الممكنة لكسب بعض الوقت والتفكير بحل أو تأمين فرصة عمل خارج البلاد، ولم أكن أستطيع البقاء في المنزل، لأنّ منزلي في القرية وعملي في المدينة، وسيُطلب مني التأجيل والهوية على الحواجز».
لم يجد أسعد حلّاً سوى استخدام هوية أخيه الذي يصغره بسنتين ويدرس في الجامعة، وبالتالي لديه تأجيل دراسي يستخدمه على الحواجز، وفي حال طُلبَت الهوية من أخيه في مكانٍ آخر يتحجّج بنسيانها ريثما يرسلها أسعد له؛ «بقيتُ أكثر من سنةٍ أتنقّل بين الريف والمدينة وأنا أحمل هوية أخي، ولا أزال أستخدمها حتى هذه اللحظة». يضيف: «الهوية وحدها لا تكفي ليقتنع الحاجز أنني غير مطلوب لخدمة العلم، فيطلبون دفتر خدمة العلم أو ورقة التأجيل، وأجيب أنني نسيتها في المنزل، فيذهبون لتفييش هويتي (هوية أخي) على الحاسب، فيظهر لديهم أنني مؤجل».
تؤكد وزارة الدفاع السورية أنّ «من يتخلف عن تلبية الدعوة للسوق دون عذر مشروع يقبض عليه أينما وجد اعتباراً من تاريخ تخلفه». ويُعاقب المتخلِّف، بحسب عدد أشهر تخلّفه، بعقوبة تبدأ من غرامة نقدية تعادل الراتب المقطوع لثلاثة أشهر أو إضافة ثلاثة أشهر إلى خدمته الإلزامية، وتزداد شدة العقوبة بازدياد أشهر التخلُّف.
تثبتُ تجارب بعض الشبّان في التهرّب من الخدمة الإلزامية مدى الإرباك الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان لتفادي المشاركة في القتل وأعمال العنف، أو حتى للنجاة الفردية. فأثناء إعداد هذا التقرير، وردتنا قصصٌ عن مجندين أطلقوا النار على أرجلهم عمداً للحصول على إجازة أو إعفاء من الخدمة، ومنهم من قطع سبابته كي يعود إلى منزله وأطفاله، لأنه، ومن الناحية العملية، «لن يستطيع بعد الآن الضغط على زناد البندقية مرةً أخرى».
تفييش بفروج، وآخر خدمة لوجه الله
مع أنّ قراراً قد صدر بمنع سوق الشباب من الحواجز أو الشوارع، لكن فراس (38 عاماً)، وهو من مدينة طرطوس وخرّيج المعهد الصحي باختصاص العلاج الفيزيائي، لم يثق بالتزامهم بمثل هذه القرارات، لذلك أمضى خمس سنوات هارباً من الحواجز على الطرق الرئيسية مستخدماً الطرق الفرعية، إلى أن قرّر الالتحاق بالخدمة «للتخلّص من الضغط النفسي الذي كنت أعيشه كل يوم، ولأنّ العمليات العسكرية قد هدأت»، يقول.
يؤدي فراس خدمته الاحتياطية اليوم في ريف إدلب، «بعد إجراء الدورة ما قبل الفرز في الدريج، تمّ فرزي إلى ريف إدلب، ومن هناك تعرفنا على الضابط المسؤول، وقد كنا قد جهّزنا أنا وأهلي الكثير من المال مقابل ‘التفييش‘، لكنه فاجأنا بمعاملته الطيبة ورفضه أخذ أي مبلغٍ من المال، والسبب وجود معارف مشتركة، بينما قال هو إنه ‘لا يريد لأعمار ما تبقى من شباب الساحل أن تضيع هباءً’».
أما عامر (33 عاماً) من ريف اللاذقية، فقد قام بعملية التفييش ذاتها، لكنّ الضابط المسؤول عنه كان له رأيٌ آخر يرويه للجمهورية.نت: «أديتُ خدمتي الإلزامية في المنزل تقريباً، أي أنني لا أذهب أبداً إلى قطعتي ويسجلني الضابط أنني أؤدي خدمة العلم ضمن مرافقته، ولكن كان ذلك مكلفاً جداً، ولأن والدي يمتلك محل فروج، فقد كانت تنهال علينا الاتصالات من الضابط المسؤول في أوقاتٍ مختلفة (قد تكون بعد منتصف الليل)، يُخبرنا أنه في هذه اللحظة يشتهي فروجاً مشوياً أو فروج بالصينية أو برغل على ديك بلدي».
تجري هذه المحسوبيات رغم أن القانون يشدد على أن «كل من تلاعب بأي وجه كان لتخليص نفسه أو غيره من الخدمة العسكرية كلها أو بعضها يُحال أمام القضاء العسكري ويعاقب وفقاً لأحكام المادة /109/ من قانون العقوبات العسكري»، حيث أن العقوبة تشمل الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات في أوقات السلم، والاعتقال المؤقت مدة لا تزيد عن السبع سنوات في أوقات الحرب، وإذا كان الفاعل ضابطاً فيُطرد أيضاً من منصبه.
فيلق خامس ومجهول النسب
في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 أُعلن عن تشكيل الفيلق الخامس، وأُشيع أنّ من يلتحق به ستكون خدمته في الساحل فقط، وقريبةً من مكان سكنه، ولهذا اختار فيصل (32 عاماً) وأخوه الالتحاقَ بالفيلق بعد شهرٍ من الإعلان عنه، فقد اعتبره خياراً أفضل من خدمة العلم. يقول فيصل، وهو من سكان ريف طرطوس، «أذكر أننا كنا نتدرّب في الساحة في ضواحي مدينة طرطوس عندما قال الضابط المسؤول إننا سنتوجّه إلى درعا لإجراء تدريبات، هنا بدأ الجميع بالهروب من نقطة التجمع»، ويضيف: «بدأت الشرطة العسكرية حملة لإلقاء القبض على الفارين والمتخلفين عن الخدمة في مدينة طرطوس وريفها، وذلك بعد أن اكتمل تعداد عناصر الفيلق الخامس».
قصةٌ أخرى عن الفيلق الخامس يحكيها أحمد (40 عاماً)، وهو مهندسٌ زراعي في إحدى المؤسسات الحكومية في ريف طرطوس: «التحقتُ بالفيلق الخامس في مصياف طمعاً بالراتب الجيّد (200 دولار أميركي) والمكان القريب، خصوصاً أنني كنت أواجه خطر الاستدعاء للخدمة الاحتياطية، وأكدوا لي حينها أنّني لن أخسر وظيفتي وسأحصل على راتبين، لكنني علمتُ بعدها أنني ‘أُسجل غياب’ وعلى وشك أن يتم فصلي من الوظيفة، لذا تركتُ الفيلق على الفور، ودفعتُ أكثر مما جنيته من الفيلق للعودة إلى الوظيفة».
أما سمير (33 عاماً) من قرى ريف اللاذقية، وأثناء بحثه المُضني عن طريقةٍ للتهرُّب من التجنيد الإجباريّ، وجد فقرة في القانون تُفيد أنّ مجهول النسب لا يؤدي الخدمة الإلزامية؛ «استشرتُ صديقاً محامياً وأكد لي صحة القانون بعد تقصيه عن الأمر، لكن تزوير ورقة مجهول النسب كانت أمراً شبه مستحيل».
السفر والماجستير
عكس أسعد الذي لم يستطع الحصول على مقعد لدراسة الماجستير، كان عليّ (31 عاماً)، وهو من سكان ريف طرطوس وخريج كلية الهندسة المعلوماتية في جامعة تشرين، من المحظوظين الذين استطاعوا تأجيل خدمتهم الإلزامية عن طريق استكمال الدراسات العليا بعد تخرُّجه. يقول علي للجمهورية: «كان الطلاب يلجأون إلى ترسيب أنفسهم (الرسوب العمد)، خاصةً في السنوات الأخيرة، لكسب أكبر وقتٍ ممكن في الحياة المدنية، ريثما يؤمنون طريقة للسفر قبل انتهاء التأجيل الدراسيّ»، وأكد علي أن آخر ما كان يهم المُشرفين على الطلاب في الماجستير هو المادة العلمية، «التعجيز ثم التعجيز»، مبرراً ذلك بمعرفتهم أنّ غالبية الطلاب سجلّت لتؤجّل خدمتها الإلزامية لا لتدرس، ولهذا لم يكمل عليّ دراسته. يقول: «في أول فرصة عمل حصلتُ عليها، طرتُ وهربتُ إلى الإمارات، وأنا اليوم أعيل عائلتي وأساعد بعض أقاربنا ومعارفنا».
أما جوي (29 عاماً)، وهو من مجتمع الميم عين كان يقطن في ريف طرطوس، فكان يعمل أونلاين مع شركة تسويق في الإمارات تعطيه راتب يُعادل 200 دولار شهرياً، وهو ما لا تعطيه أي مؤسسة أخرى داخل سوريا: «كُنتُ أؤجل خدمة العلم على أساس أنني طالب ماجستير في الأدب الإنكليزي، وقد وضعتُ كل جهدي في العمل (لا في الماجستير بكل تأكيد)، وجلبتُ بطارية مع رافع جهد لشحن اللابتوب، ومع ذلك كان انقطاع الكهرباء الدائم يمنعني من العمل، لهذا كنت أضطّر للذهاب إلى المدينة قاطعاً 25 كيلومتراً حين ينخفض جهد البطارية على حين غرة».
يكمل: «حين لم يعد لديّ في التأجيل سوى بضعة أشهر، طلبت من مديري في العمل تأمين عقد عمل يخوُّلني الانتقال للعمل في مقر الشركة في دبي، وبعد دراسة طلبي جاءت الموافقة». أُجبِرَ والد جوي على بيع قطعة أرض «كانت غاليةً على قلبه» لتأمين تكاليف إصدار جواز السفر والسفر، يقول جوي «أعتقد أن والدي ما كان ليوافق لولا معرفته بأنه لم يبقَ لي سوى ثلاثة أشهر في دفتر التأجيل، ولأنه لا يريد لي مصير ابن جيراننا الذي قد قُتِل على يد مجهولين خلال خدمته الإلزامية في درعا».
لا يعني الهروب من خدمة العلم إلى خارج البلاد الإفلاتَ من العقاب، فقد صرح رئيس فرع الإعفاء والبدل في مديرية التجنيد العامة، العميد إلياس بيطار حول إمكانية مصادرة أملاك المتهرّبين من خدمة العلم، الذين يتخلفون عن سداد الغرامات. ويبيح قانون الخدمة العسكرية أيضاً الحجزَ على أملاك وأصول زوجة المتهرّب من الخدمة وأولاده.
وعلى ذلك يعلّق الكاتب السوري راتب شعبو في معرض حديثه للجمهورية قائلاً: «منذ سنوات طويلة تحول الصراع في سوريا إلى صراع عبثي، وأصبح هم الشباب السوري التهرب منه بشتى السبل. هذا الواقع انعكس على مجمل نواحي الحياة، على الدراسة الجامعية التي باتت لدى غالبية الطلاب وسيلة ‘قانونية’ للتهرُّب من الخدمة، وعلى حياة الأسر التي تضطر إلى بيع موارد رزقها، مثل الأرض، كي تؤمن تكاليف استصدار جواز سفر وبطاقة طائرة، أو كي تؤمن رشوة كافية ‘لتفييش’ ابنهم وتجنيبه الموت المجاني المنتشر في طول البلاد وعرضها. كلما طال أمد هذا الصراع العقيم، كلما تعزز فشل الدولة السورية وأدى إلى المزيد من تفكك المجتمع السوري».
تُخبرنا قصص سنان وأسعد وعامر وسمير وجوي أن معظم الشباب في الساحل السوري لا يريدون أن يكونوا جزءاً من الحرب المستمرة منذ 13 عاماً، حرب لم يحصدوا منها سوى الموت، ووضعتهم أمام خيارات شبه تعجيزية لتفادي المشاركة فيها أو الهرب خارج البلاد في حال تمكنوا من ذلك.
-


























