الشوكولاته.. يكاد لا يخلو منها بيتٌ في المواسم والأعياد والأفراح، وفي مختلف المناسبات، بل حتى في الأيام العادية يتناولها الصغار والكبار على حد سواء، إما شراباً أو حلويات صافية او ممزوجة بمواد أخرى. تُصنع الشوكولاته من حبة الكاكاو التي تنبت في مزارع واسعة وأراضٍ شاسعة في بلدان أمريكا اللاتينية، وتُعتبر تجارة الكاكاو من الشساعة والأهمية، بحيث أصبحت تضاهي تجارة القهوة.
شرَاب السكان الأصليين
ما هو سر هذا النبات العجيب الذي كانت ثمرته «حبة الكاكاو» تُعتبر طعاماً وشراباً لكبار القوم عند أباطرة ونبلاء المايا، والإزتيك، والإنكا، والمُوشيك، فى كل من المكسيك، والبيرُو، وعند سائر شعوب القارة الأمريكية الأخرى الأصلية، وعند الهنود الحُمر كذلك، وكانت الحَبة منه تُستعمل كـ»عُملة» أو كـ»نقود» في عمليات البيع، والشراء، والمبادلات التجارية، والمقايضة عندهم حالها حال الذهب. موطن هذا النبات العجيب الأصلي هو المناطق الاستوائية في أمريكا اللاتينية، وهو نتاج ثمرة شجرة الكاكاو، كانت شعوب المايا والأزتيك والإنكا والموشيك الذين اكتشفوا الشوكولاته يعتقدون أنه غذاءُ الصفوة، ونخبة القوم، وأنه إذا مُزج بالماء كان شراب النبلاء والمُحاربين، حتى تظل أرواحُهم قويةً، نقية، صافية غيرَ مشوبةٍ بشوائب المُوبقات.
في عام 1521 نَقل هذا النبات المستكشف الإسباني إيرنان كورتيس (الذي غزا المكسيك) إلى إسبانيا، ثم منها انتقل إلى بلدان وسط وشمال أوروبا، ويُعتبر اليوم من أكبر الصناعات التجارية في العالم، وقد عرف تطوراً سريعاً، وانتشاراً واسعاً في مختلف بلدان المعمور. وحسَب بحوث، ودراساتٍ حديثة تبينَ بالفعل أن أصل هذا النبات هو أدغال الأمازون، وترجع أقدميته إلى أربعة آلاف عام، ثم انتشر في المناطق الاستوائية لأمريكا اللاتينية، حيث أصبح شراباً مُحبباً لدى الإمبراطوريات الكبرى في أمريكا الجنوبية مثل شعوب المايا، والإزتيك، والإنكا، والموشيك بشكل خاص. وفي عام 1502 خلال الرحلة الرابعة إلى أمريكا للمستكشف الجِنوي (نسبةً إلى مدينة جِنْوَة الإيطالية) البحار المغامر كرستوفر كولومبوس عرف شراب الشوكولاته ممزوجاً بالماء، إلا أنه في البداية لم يثر انتباهه، وبعد أن اعتاد عليه تحمس له، وعندما التقى إيرنان كورتيس بالامبراطور مُوكتيزوما، وقدم له هذا الشراب، أصبح شغوفاً به ومُتحمساً له، لدرجة أنه بعث بعضه إلى الملك الإسباني كارلوس الخامس. كان كورتيس مُعجباً إعجاباً كبيراً بهذه الحَبة التي كانت تُستعمل أيضاً بمثابة « عُملة» للتبادل عند الإزتيك. وفي غضون 1530 زُرع هذا النبات في أماكن أخرى مثل هايتي، وسواحل افريقيا الغربية إلى جانب البرازيل الذي يُعتبر اليوم من أكبر مزارعي ومُصدري هذه الحبة العجيبة إلى العالم.
انتشار الشوكولاته
كانت الشوكولاته في البداية عندما نُقلت إلى إسبانيا شرابَ النبلاء الإسبان تقليداً منهم لنبلاء المايا والإزتيك، وبعد أن سطا قراصنة إنكليز وهولنديون على هذه « الحَبة» من على ظهر المراكب الإسبانية في أعالي بحر الظلمات انتشرت في باقي أوروبا. وقد احتكر الإسبان لمدة قرن من الزمان زراعة الكاكاو، إلا أنه ابتداءً من 1750 بدأ الأوروبيون يزرعونه في افريقيا. وفى ذلك العام نفسه أعلن الطبيب الهولندي ستيفاني بلانكاردي أن الكاكاو يُعتبر بمثابة بلسم للحفاظ على الغدد، وفيه منافع صحية، وفوائد غذائية شتى للجسم. وقال الدكتور بلانكاردي إنه يعرف رجلاً يبلغ من العُمر مئة عام وأنه منذ 35 سنة الأخيرة من عمره كان يتغذى فقط بالشوكولاته، وبسكويت القمح، وحساء الخضر، وكان يتمتع بصحة جيدة وانه في الخامسة والثمانين من عمره كان في إمكانه امتطاء الجواد كأي شابٍ في مُقتبل العُمر. وسرعان ما اندلعت الحرب حول زراعة هذا المنتوج الثمين، إذ بدأ بعض الأوروبيين يزرعونه في افريقيا، كما زرعه البرتغاليون في البرازيل والإنكليز في الهند. وفي سويسرا مزجوه بالحليب حيث حَسُن مذاقُه، وفى بداية القرن الثامن عشر كانت الشوكولاته في جنوب أوروبا، وفى مدينة لندن بالذات الشراب التقليدي للطبقة الميسورة. وبعد الثورة الصناعية الكبرى اتسعت زراعته، وبالتالي كثر استعماله ثم أصبح يُقدم في المقاهي العمومية على نطاق واسع.
وفي عام 1828اكتشف كونراد فان هوتن وهو عالم كيميائي هولندي كذلك، وسيلة لاستخراج «دسَم الكاكاو» الذي اطلق عليه «زبدة الكاكاو»، وهو الذي اخترع كذلك مسحوق الشوكولاته. ثم بعد عقديْن اثنيْن من الزمان مُزج هذا المسحُوق بالسكر ثم أضيفت اليه بعض الفواكه الجافة من جوز، ولوز، وفستق، والفول السوداني (المعروف في البلدان المغاربية بالكاوكاو) ثم أصبح يُصنع في شكل سبيكة. وفي عام 1875توصل السويسريون إلى طريقة جديدة لصنع شوكولاته جافة ممزوجة بالحليب، وهكذا بدأ هذا المنتوج في الانتشار الواسع في مختلف أنحاء العالم وتطور إنتاجه وتسويقه واستهلاكه بوسائل مختلفة. وأصبح الأوروبيون في الوقت الراهن يستهلكون من الشوكولاته ضعف ما تستهلكه البلدان المُنتجة لها، وسرعان ما بدأت حرب الأسعار بين مزارعي حبوب الكاكاو والصناع حتى تظل هذه الأسعار منخفضة. والمشكل القائم في الوقت الراهن في بعض المناطق الاستوائية التي ازدهرت فيها زراعة الكاكاو، أن عمليات التصحر واقتلاع الأشجار، وتجويفها، ونخرها، وتسويق أجذاعها كل هذه العوامل والمعيقات تضع زراعة هذا المنتوج في خطر حقيقي وهذا ما حدث بالفعل في بعض المناطق الاستوائية في البرازيل وفي أمريكا الوسطى.
الشوكولاته تدر أرباحاً خيالية
حصلت سويسرا خلال عام 2018 من جراء تصدير الشوكولاته لمختلف بلدان العالم على أرباح خيالية وصلت إلى ما يناهز 1.86 مليار فرنك سويسري، أي ( 1.94 مليار دولار). وفي سويسرا كان يُعتبر إفشاء سر من أسرار مهنة صناعة الشوكولاته جريمة لا تغتفر، وهي لا تقل خطراً على الخيانة العسكرية العظمىَ في باقي بلدان العالم. وعندما دخل مشروب الشوكولاته إلى إسبانيا للمرة الأولى، لم يلق أي إقبال من طرف المواطنين عليه إلا بعد أن أضافوا إليه السكر، وحاول الإسبان أن يحافظوا على أسرار زراعة الكاكاو، ولكن أحد مواطنيهم استطاع ان يحمل السر معه إلى إيطاليا عام 1606 ومن هناك عرفت بقية البلدان الأوروبية وسواها كل شيءٍ عن الكاكاو والشوكولاته. وفي عام 1763 غزت الشوكولاته أسواق بريطانيا بعد إضافة الحليب لها لأول مرة. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد أقيم أول مصنع للشوكولاته عام 1765 على يد رجلٍ يُدعىَ جيمس بيكر ولا يزال يُعتبر اسمُه علامة على أقدم مصنع، وأشهر اسم وعلامة تجارية للشوكولاته في أمريكا.
وعلى الرغم من أن أسعار الشوكولاته أصبحت خيالية، إلا أن الناس لا ينقطعون عن شرائها واستهلاكها، وتناولها في مختلف المناسبات، فمثلاً نجد في أمريكا نوعاً من الشوكولاته يُسمى « جوديفا» يصل ثمن الكيلو منه إلى ما يصل إلى الألف دولار، حيث تحمل الشوكولاته إلى منزل كل مشترٍ امرأةٌ جميلة تركب حصاناً أبيض وترافقها مجموعة من المغنين. وهناك مجلة نصف شهرية تسمى «أخبار الشوكولاته» تعطيك كل المعلومات عن أحدث أنواع الشوكولاته وأثمانها ونسبة توزيعها في العالم، وتشرح للمستهلكين فوائدها الصحية، ومزاياها وقيمتها الغذائية، إلخ. وكانت هذه المجلة، وربما ما زالت تصدر في مدينة نيويورك، وتعطر أوراقها برائحة الشوكولاته الفاخرة، وقد ذكرت هذه المجلة أن أفضل أنواع الشوكولاته في الوقت الراهن هي التي تنتجها سويسرا وبلجيكا. ويقول بعض الأطباء النفسانيين تعليقاً على الشعبية الواسعة التي أصبحت تتمتع بها الشوكولاته في مختلف أرجاء العالم: «إن الشخص الواقع في الحب، والمتيم في الهوىَ تملأ رأسَه مادة تسمى «فينيليفيلامين» وتمنحه هذه المادة شعوراً بالسعادة لا حدود له. ومعروف لدى الخبراء والمختصين في هذا المجال، أن الشوكولاته من المأكولات المُشبعة بهذه المادة. وهذا يفسر سبب إقبال الفاشلين في علاقاتهم العاطفية على أكل وتناول الشوكولاته، حيث يُعوضون بأكلها السعادة التي فقدوها أوهم يتوقون إليها.
نابليُون والشوكولاته!
سبق لي أن قرأتُ تعليقاً طريفاً للكاتب عبد الله باجبير حول الشوكولاته جاء فيه: «كان نابليون بونابارت يؤمن تماماً أن الشوكولاته ضرورية لصحته وحياته، فهي تمنحه الطاقة لما تحتويه من بروتين وكالسيوم وفوسفات ومعادن أخرى، لذلك كان نابليون يحمل معه أثناء الحروب كمياتٍ هائلةً من الشوكولاته لتوزيعها على جنوده. وهذا النظام الغذائي ما زال متبعاً حتى الآن لدى الجيش الأمريكي، حيث تعتبر الشوكولاته عنصراً أساسياً في غذاء الجنود. كما أن رواد الفضاء يحملون الشوكولاته معهم في كل رحلاتهم.
صناعة الشوكولاته في المغرب
في ختام هذا المقال عن الشوكولاته، وعن تاريخها، وأصل موطنها، وتطور تجارتها، وانتشارها الواسع في العالم، نذكر في هذا الخصوص أن الصحافية لمياء جباري كانت قد نشرت في جريدة «الأخبار» المغربية تحقيقاً طريفاً عن قطاع الشوكولاته الفاخرة، حيث تؤكد فيه «أنها أصبح يوجد في المغرب اليوم ما لا يقل عن ثلاثين علامة تجارية، بما في ذلك العلامات العالمية مثل ميلت، جيف دي بروج، باتشي، نيوهاوس، وشاتو بلانك. وتقدر قيمة السوق الإجمالية بنحو 800 مليون درهم، لجميع القطاعات مجتمعة، ويواصل السوق نموه ويسجل ذروته السنوية في الربع الأخير من السنة، وأصبح سوق الشوكولاته في المغرب يستقطب بشكل متزايد فاعلين جدداً، فبعد مجموعة Holmarcom التي بدأت إنتاج الشوكولاته بعلامتها التجارية T’Choco من خلال شركة تابعة جديدة Biscoland، قررت شركة عملاقة أخرى للصناعات الغذائية الاستثمار في هذا السوق الذي كانت تهيمن عليه حتى وقتٍ قريب العلامات التجارية الأجنبية (الأوروبية والتركية) خاصة في فئة الشوكولاته الراقية والمنتجات المعتمدة على حبة الكاكاو النقية».
بعد هذا وذاك، لا غرْو، ولا عَجَب، ولا استغرَاب إذا أطلق أشهر زير نساء في التاريخ، المغامر الإيطالي الذائع الصيت جَاكُومُو كازَانُوفا على الشوكولاته إسم: طعَام العُشاق!
*كاتب ومترجم من المغرب
- القدس العربي


























