مصعب الياسين
لم تكد تمضي 72 ساعة على زيارة وزير الدفاع الإيراني لدمشق ولقائه بالأسد، حتى نفذت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات متعددة طاولت نقاط تمركز قوات النظام وميليشيات محلية وأجنبية في مدينة تدمر بمحافظة حمص، وصفت بالضربات الأكثر فتكاً منذ تصعيد إسرائيل ضرباتها في دمشق بعد اندلاع الحرب في لبنان.
منذ أيام مضت وسعدون الحناوي المهجّر قسرياً من محافظة حمص يتابع من وسط خيمته الطينية في مخيم الركبان أخبار الضربة الإسرائيلية على نقاط تمركز قوات النظام السوري، وميليشيا الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله، وحركة النجباء العراقية، والتي أسفرت عن عشرات القتلى والمصابين.
قصة طويلة يرويها سعدون في اتصال مع “درج”، عن سبب اهتمامه بأخبار الضربة الإسرائيلية على تدمر، والتي استهدفت قواتَ تحاصره وآلافاً مثله من المدنيين العزل في ذلك المخيم المنسي، والمفتقر حتى الى فتات الخبز، والواقع وسط الصحراء القاحلة.
لم تستطع تلك القوات وحاكموها أن يردوا ولو بكلمة على الغارات الإسرائيلية، في حين يبسطون قوتهم وسيطرتهم وإجرامهم على المدنيين ويمنعون عنهم الخبز منذ سنوات طويلة بحسب ما جاء على لسان سعدون.
وعلى مسافة تبعد 120 كم، استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، نقاط تمركز عدة لميليشيا الحرس الثوري وحزب الله وحركة النجباء، بالتوازي مع نقاط لقوات النظام السوري أسفرت عن زهاء 100 قتيل من تلك الكيانات، بينهم ضباط ذو رتب رفيعة من قوات النظام، إضافة الى عشرات المصابين بجروح متفاوتة الشدة.
من استهدفت الضربات الإسرائيليّة؟
لم تكد تمضي 72 ساعة على زيارة وزير الدفاع الإيراني لدمشق ولقائه بالأسد، حتى نفذت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات متعددة طاولت نقاط تمركز قوات النظام وميليشيات محلية وأجنبية في مدينة تدمر بمحافظة حمص، وصفت بالضربات الأكثر فتكاً منذ تصعيد إسرائيل ضرباتها في دمشق بعد اندلاع الحرب في لبنان.
وعلى الرغم من أن علي لاريجاني، مستشار المرشد الإيراني، أكد خلال زيارة للأسد في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وقوف إيران إلى جانب سوريا واستعدادها لتقديم شتى أنواع الدعم، كانت حصيلة القتلى الإيرانيين والجماعات الداعمة لها هي الأعلى في الضربة الإسرائيلية لتدمر.
وبحسب مصادر طبية في محافظة حمص، رفضت الكشف عن هويتها لأسباب أمنية، فإن عدد القتلى فاق الـ 100 غالبيتهم وُجدوا في مستشفى حمص العسكري، 72 منهم من جنسيات إيرانية ولبنانية وعراقية، فيما وصلت حصيلة القتلى السوريين إلى 41 شخصاً بينهم ضباط.
وأكدت المصادر أن عمليات إسعاف المصابين وإخلاهم كانت من مواقع عدة في مدينة تدمر، أبرزها المنطقة الصناعية، والتي شهدت اجتماعاً ضمّ عشرات الأشخاص الأجانب أثناء تناولهم طعام الغداء، في حين كانت المواقع الأخرى موزّعة حول المدينة وعلى مقربة منها.
ولفتت المصادر إلى أن عدد القتلى مرشح للارتفاع بسبب خطورة الإصابات، إذ تغلب عليها الإصابات بالرأس والصدر، في حين وضعت 38 إصابة في العناية المشددة بسبب النزيف الداخلي الحاد، أما جثث القتلى فكانت غالبيتها ممزقة الأطراف صعب التعرف عليها حتى اليوم الثاني من الضربة.
الوكالة الرسمية لنظام الأسد “سانا” قالت بحسب ما نقلته عن مصدر عسكري لم تسمّه، إن 36 شخصاً قتلوا وأصيب 50 آخرين جراء ما وصفته بـ”العدوان الإسرائيلي على مدينة تدمر السورية”، ولم تذكر الوكالة عمل هؤلاء الأشخاص أو رتبهم.
من جانبها، نعت صفحات عدة في مواقع التواصل يديرها مقربون من نظام الأسد، العميد عبد الله أحمد الزير المدان بارتكابه جرائم عدة ضد المدنيين السوريين في محافظة درعا.
كما نعت الصفحات المذكورة حتى تاريخ 23 تشرين الثاني/ نوفمبر2024 أكثر من 40 عنصراً يعملون في غالبيتهم كمرتزقة مع الحرس الثوري الإيراني وميليشيا حزب الله اللبناني.
وبثت صفحات عدة مقاطع فيديو لما قالت إنه تشييع لقتلى ينحدرون من بلدة الزهراء بريف حلب قضوا جراء الضربات الإسرائيلية على تدمر.



لماذا تدمر…؟
لم تكن مدينة تدمر على خارطة القصف الإسرائيلي خلال الأيام الماضية، إذ تركّز القصف على دمشق وحمص وريفها وصولاً إلى ريف حلب، بيد أن ضخامة الغارات وعدد القتلى جعلا من مدينة تدمر محط اهتمام لفهم طبيعتها وما الذي تمثله في معادلة القوى المشتركة من قوات الأسد وميليشيات محلية واجنبية…
يقول الباحث تركي مصطفى إن تدمر تشكل مرتكزاً مهماً لقوات النظام وميليشيات حزب الله وإيران والميليشيات العراقية كونها تقع في نقطة استراتيجية لشحنات السلاح من إيران ثم العراق مروراً بالبادية السورية التي تكون فيها تدمر هي العمق، وصولاً إلى الحدود السورية – اللبنانية، عبر مناطق مفتوحة تنتشر بها ميليشيا حزب الله بكثرة لتأمين طريق شحنات الأسلحة، وسواء كانت الشحنات تأتي من دير الزور أو الحدود العراقية – السورية الطويلة، ستعبر في تدمر وتُخزن هناك تمهيداً لنقلها إلى ميليشيا حزب الله في لبنان، كما أن مدينة تدمر معبر مهم للقيادات في الحرس الثوري الإيراني وأقصر طريق وصولاً إلى العراق كحال باقي الميليشيات.
ولم يستبعد المصطفى في حديثه إلى “درج”، أن تكون القاعدة الأميركية الموجودة في التنف أو ما يعرف منطقة الـ55 كم، هي من حدد الهدف للطائرات الإسرائيلية بعد تتبّعها ورصدها شحنات سلاح من العراق بالتزامن مع وصول شخصيات مهمة إلى نقطة الاستهداف.
وذهب المصطفى في رأيه، إلى أن وجود كل ذلك الخليط من قوات الأسد والميليشيات الإيرانية وحركة النجباء العراقية وميليشيا حزب الله، لا يقتصر على تأمين مرور شحنات الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله ورجالاتها، بل يتّسق مع عمل تلك الكيانات بتأمين طرق تهريب المخدرات بين دول الممانعة ذهابا وإياباً، بمعنى أن كل تلك المسميات اجتمعت من أجل المنفعة المادية من تجارة المخدرات وتسهيل مرورها قبل أن تلتقي لتأمين طرق شحنات السلاح والأفراد.
من جانبه، رأى المتخصص بالشأن الإيراني الكاتب مصطفى النعيمي، أن وجود ضباط عناصر في قوات النظام بين قتلى ميليشيا إيران وحزب الله هو دليل على انخراط النظام بشكل فعلي ضمن القوات الإيرانية الموجودة في سورية، وبالتالي ستكون عرضة أكثر لتلقي ضربات عسكرية إسرائيلية لتدمير قدرة تلك الميليشيات والمساندين لها، إذ لم تعد إسرائيل تعوّل على انسلاخ الأسد عن إيران، وسنكون خلال الأيام المقبلة أمام تصعيد إسرائيلي عنيف على مواقع تمركز قوات النظام السوري ومن ثم الميليشيات المحلية والأجنبية.
وتأتي الضربة الإسرائيلية على تدمر بعد تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أثناء زيارته للجبهة الشمالية مع لبنان مطلع شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، قال فيها إنه ينبغي قطع خط أنابيب الأوكسجين التابع لــ”حزب الله” من إيران عبر سوريا.
إذا قصفتنا إسرائيل سنقصف إدلب
لم تتوقف الغارات الإسرائيلية على سوريا بعد الضربات على تدمر، إذ أعلنت وكالة الأنباء الرسمية لنظام الأسد عن استهداف الطائرات الإسرائيلية معبر جوسية، وهو معبر شرعي يربط بين الأراضي اللبنانية ومنطقة ريف القصير جنوب غربي حمص، من دون ورود أنباء عن سقوط ضحايا.
وفيما احتفظ نظام الأسد بالصمت تجاه الضربات الإسرائيلية ومقتل ضباط وعناصر من قواته، صعدت قواته المتمركزة على جبهات إدلب من قصفها على مدن وبلدات بنش وأريحا وطعوم بسلاح المدفعية، لتتسبب في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر2024 باستشهاد طفلة وإصابة 7 مدنيين آخرين، جلّهم من الأطفال.
- درج


























