
- أمجد آل فخري
ما إن تهاوت حصون الأسدية، وتداعت أسوارها، حتى تزاحمت أسئلة مشروعة كثيرة وكبيرة، وكلّما تجلّت إجابة في الراهن السوري الجديد حول تساؤلات كبيرة، تنعقد حول تشظّيها إجابات متعدّدة مختلفة ومتخالفة، وتتوالد منها أسئلة متنوّعة تترى، مع كل تصريح أو خطوة للإدارة الجديدة، وكأن الأسئلة تبدأ في سورية، لتنفتح إلى اللانهاية!
كان انهيار نظام القمع وفرار رئيسه وعُتاة جلّاديه، وانكفاء حلفائه، يعني للسوريين إزاحة قلعة من مافيا
الطغيان والكراهية والأعباء والآلام والمعاناة، لتزحف الجموع على إيقاع خطاب جديد، فيه الفرح والتفاؤل ممزوجان اعتزازاً بما كان وسيكون، وبما تحقّق وسيتحقّق.
ولأن السوريين يحلمون بسورية جديدة، لا تتشارك بشيء وعهود الاستبداد والديكتاتورية والفساد، فليس
عاقلاً من يُلدغ من جحر مرتين، وليس حكيماً مَن لا يشكّ خوفَ الزلل، وليس حصيفاً مَن لا يتدبّر للأمر، ويعدّ لاستحقاقاته ما تستحقّ، إذ على الرغم من جلال الإنجاز وعظمته، فلا بدّ من التريّث والحذر، وكما يُقال” مَن احترق بالحليب، ينفخ على اللبن”، والسوري منذ 8-12-2024 يلوّح بأسئلته أمام لوحة الموزاييك السورية، ويبحث في متاهة يتداخل فيها الداخلي بالخارجي، والذاتي بالموضوعي، والسياسي بالاقتصادي والاجتماعي والعسكري، فيحار أين البداية، وكيف الانتظام، ومتى تتدرّج الألوان، وتتناسق الحجوم، وهل يتأطّر الإنجاز، وأنّى وأيّانَ، ومَن يقوم بذلك؟
ولأن سورية متميّزة جيوسياسياً وديمغرافياً وثقافياً وأمنياً واقتصادياً، فلا تنطبق عليها النماذج التي سبقت في بلدان أخرى، ابتليت بما عانت منه سورية، أو قاربته، ولذلك يُراهن كثر على النموذج السوري الذي سيخوض في مسائل وتعقيدات متنوّعة، ربما لم تجتمع في مكان أو قضية من قبل. فما إن دخلت القوات الزاحفة مدينة كبيرة، حتى تنطلق الأسئلة، إلى أن تُوِّجت بالهروب المُذلّ السريع للأسدية، وخرجت الجموع إلى الساحات تعبّر عن فرحها الغامر وسط الذهول والدهشة، والأسئلة تتالى وتكبر، ولا يتوقّف السؤال! على الرغم من أن الإجابة على كثير من أهمّ الأسئلة السورية مرهون بتوافقات وتوازنات وتفاهمات إقليمية ودولية، وبتداخل وتعقيدات الوضع الداخلي وتشابك قضاياه وتشعّباتها.
فمنذ إعلان العزم على عقد ( مؤتمر الحوار الوطني )، انطلقت الأسئلة عمّن دعا إليه؟ وممّ يتألف؟ وما الأسس التي يقوم عليها؟ وما شروط المشاركة فيه؟ وكيف يكون التمثيل؟ ومن يمثّل هذا الطرف أو ذاك؟ وما القضايا التي ستُطرح للحوار؟ وما الأمور القانونية والدستورية والإجرائية التي يستند إليها وتحكمه؟ وما المخرجات التي يُراد الوصول إليها؟ وكم سيستمرّ؟ وإلامَ يستمرّ تفعيل مخرجاته؟ وما الخطوات التي لا بدّ منها بعد انقضائه؟ وما تصوّر المستقبل الذي يرتسم من خلاله؟ وما مدى تطابقه مع أماني وأحلام السوريين على تنوّع مكوّناتهم؟ ولمَ الدعوة شخصية، وليست لمكوّنات اجتماعية ودينية وطائفية وإثنية وأحزاب ديمقراطية وتيارات وطنية سياسية وثقافية ومنظمات أهليّة ومدنيّة؟ وكيف يمكن للسوريين تشكيل رأي عامّ ضاغط، يملأ غياب قوى سياسية ديمقراطية تمثّلهم؟
ثم تتسامر الأسئلة في ليالي سورية الطويلة التي صارت عالمية، فتتداعى لتنبش فيما كان محرّم على السوريين مقاربته، مَن سيضع الدستور؟ وكيف؟ وما إجراءات شرعنة ما يحدث، وسيحدث؟ وما الهوية السورية التي يريدها السوريون عنواناً لهم؟ وما شكل الدولة المستقبلي؟ وكيف يكون تمثيل مكوّناتها الوطنية؟ وما عقيدة الجيش الجديد، وهيكليته وتسليحه؟
واللّافت على امتداد الدمار والاكتواء بما خلّف من دماء وتشريد وآلام، فإن أسئلة ما خطوات إعادة الإعمار عمراناً واجتماعاً واقتصاداً وسياسة وأمناً؟ وكيف سيتمّ تطبيق العدالة الانتقالية؟ وما تحدّيات تحقيقها؟ وما تحدّيات السلم المجتمعي؟ وما آفاق المستقبل؟ تتراجع لمصلحة مسائل الطائفية والإثنية، والمحاصصة الهوياتية حفاظاً على حقوق الأقلّيات! وربّما يستمرّ الوضع، وتتصاعد حدّته، بهمّة لاعبين إقليميين ودوليّين، قد وجدوا فيه ضالّتهم منذ بداية الثورة؛ للتدخّل وتغذية أجندات وجودهم، وكأنها ليست ثورة كلّ السوريين ضد الأسدية والاستبداد، يريدون الحرية والعدالة والكرامة؟ وبدافع الاستقواء الخارجي، فكل طرف يريد تحقيق إرادته، ويتناسى أن النتائج لن تكون في مصلحة أحد، دون تنازلات تؤلم الجميع، ولكنها تحفظ حقوق الجميع؛ ليكون الانصراف للتساؤل والعمل لاكتشاف إجابة عن: كيف مواجهة العقوبات الموروثة التي زالت دواعيها بعد سقوط النظام؟ وما المطالب العربية والأوروبية والإقليمية؟ وهل احتلال إسرائيل لمنطقة فكّ الاشتباك 1974 ومساحات في القنيطرة بهدف المقايضة بـ”التطبيع”؟ وماذا عن مصالح كلّ من الأطراف السابقة؟ وما الشروط التي يطرحها الجميع على الجميع عبر سورية “صندوق بريد”؟
لانتشال الوضع السوري بعد سقوط الأبدية، لا بدّ من العمل على الاستقرار المجتمعي، وحوار السوريين فيما يرونه مستقبلهم الأفضل، وهو ما يتحقّق بالعدالة الانتقالية، ومشاركة كل المكوّنات على أرضية سورية دولة مواطنة ديمقراطية مدنية تعددية، يتجسّد فيها التعافي الاقتصادي، فكلاهما – السياسي والاقتصادي- روح للآخر، ولا يحيا وينتج ويتطوّر أحدهما بغير اقترانهما والمشاركة في تفعيلهما، بدعم الإيجابي وتعزيزه، ونقد السلبي وفضحه، لبناء الدولة السورية الوطنية الجديدة، حرّة موحّدة بمجتمع مستقرّ، تسوده العدالة، وبقيادة تكنوقراط يوظّف الخبرة والكفاءة بعيداً عن الاستقطابات الإيديولوجية والطائفية والإثنية، للخلاص من إرث عقود من الفساد والولاء والمحسوبية.
إن إسقاط الأسدية وهزيمة مرتكزاتها خطوة أولى عظيمة، تبدو سهلة قياساً لما يجب أن تكون عليه سورية بعد هذا الخراب الكبير. ولعلّ أجمل ما في مهرجان الأسئلة السورية، عن الراهن والأمس والغد، إعلانه نهاية مملكة الصمت، وأنه لن ينتهي، إلا بتحقيق تطلّعات السوريين بمستقبل واعد، واستعدادهم- بعد خبرة لا يُستهان بها- لإعادة الكَرّة في مواجهة أيّ استبداد جديد، مهما كانت تجلّياته.
- كاتب سوري


























